" ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"

​​​​​​​إخواني تمضي بنا الايام والسنون، وتطحننا رحى المنون، ونحنا عما خُلقنا من اجله غافلون، كاننا سوائم ضالة جاهلون متجاهلون، لا نسال انفسنا من اين اتينا؟ والى اين نحن ذاهبون؟ الهانا زينة الحياة ومتاعها والبنون عن نعيم الاخرة وثوابها فوق ما يصفون، وكاننا في حياة الدنيا مخلدون خالدون وعلى حساب الاخرى غير معرضون

11.02.2020 מאת: منير فرّو
" ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"

 

بئس ما تعتقدون ويا حسرتاه عليكم اذا جاء القدر المكنون، وسؤلتم عما كنتم تفعلون؟ عندها يخسر المبطلون المضيعون، ويفوز المؤمنون المفلحون الذين هم بوعد الله ووجوده ورسله ورسالاته مصدقون، اما آن لكم ان تنزجرون وتتيقظون ومن قميص الجهالة تتجردون؟ كم انتم عن نعيم الايمان والاطمئنان غافلون، وبعدل الله وثوابه وعقابه مشككون، فارجعوا اليه وانتم تائبون، متوسلون، خاضعون، خاشعون، يعفو عنكم مهما كنتم مخطئون، فهو الغفار التواب الرقيب الحسيب البصير العليم الخبير بكل ما تعملون، وما تظهرون وتخفون، وتبطنون وتجهرون، كما   قال  تعالى : " وما ربك بغافل عما تعملون ".

 قال الله تعالى: " بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى "،  فالله جل وعز وعد عباده بالثواب في الاخرة، وجعل الدنيا دار ممر لا دار مقر، وجعل الدنيا مزرعة للاعمال،  والاخرة لحصاد تلك الاعمال، ولم يجعل تعالى للعبد جنتين، ولا قدر له براحتين، ولا حكم له بنعيمين، وجعل تعالى نعيم الاخرة ينال بالصبر والاحتمال، وعذابها يطال على قبيح الاعمال، فصارت الدنيا ميدان والاجسام خيل والنفوس فرسان والسباق هو الى  الله، فلا  محنة اشق في هذا الزمان من موت العقل والجنان  فمن مات جسمه عُزي في دنياه ومن مات قلبه  عُزي في اخراه اعاذنا الله من ذلك .

ما أبلغ وأعظم من قوله تعالى: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، وعلى ربهم يتوكلون"، وأيضا قوله: " ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"، وأيضا قوله تعالى : " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك فقنا عذاب النار، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته، وما للظالمين من أنصار"،

لقد أفصح تعالى عن التوبة بقوله : "وليست التوبة للذين يعملون السيئات، حتى إذا حضر أحدهم الموت، قال: إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار، أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما"،

فعلى الإنسان الإسراع في التوبة، فكلما كانت توبته في سن مبكر، كانت حسناته مضاعفات، وارتقاء له في العبادات، وعلوا له في الدرجات، ومثل الشاب التائب، كساقي الماء في الصحراء، ومثل العجوز التائب كساقي الماء من نهر الفرات، فانظروا ما أوسع الفرق بين الاثنين، وما أحوج الماء في الحالين،

ومثل من يتوب صغيرا، مثل من يمنع فرسا قبل دخول الباب، ومثل من يتوب كبيرا، مثل من يحاول إخراج الفرس من الباب ولكن من ذيلها، فما أسرع إخراجها قبل دخول الباب، وما أصعب إخراجها بعد دخولها منه،

فإخراجها من ذيلها لا بد من أن ترمح فاعله رمحة بقوائمها فتصرعه، كذلك توبة الشاب قبل انغماسه في الدنيا وشهواتها، يسهل عليه ضبط نفسه وتطهيرها من الدناءات والخبائث، وتوبة الهرم يحتاج إلى تعب كبير لان يطهر نفسه الغريقة بشهوات الدنيا والتعلق بحطامها،

فحب الدنيا أساس كل خطيئة، وعلى الإنسان أن يأخذ من الدنيا ما يسد الجوعة ويبرد الضمأ ويستر العورة ومسكن له ولزوجته وأولاده، لان الدنيا دار ممر لا دار مستقر، وعلى الإنسان أن يكون في الدنيا كعابر سبيل، وان يسعى إلى خالقه قبل أن يداهمه الموت، لان الموت هو القيامة الصغرى، وكما جاء في باب الوعظ في السؤال عن القيامة والموت والدنيا : ما هو القريب؟ وما هو الأقرب؟ وما العجيب؟ وما الأعجب؟

فكان الجواب : القيامة قريبة ولكن الموت اقرب، والدنيا عجيبة ولكن المتمسك بها أعجب.

والانسان او العبد عندما يدخل على ملك من ملوك الدنيا العظام، يتخذ أدبا دون أن يتكلف به، وذلك لخفقان قلبه أمام عظمة الملك، وأيضا ارتعاد فرائصه، وشعوره باقشعرار جلده وبدنه، واصفرار لونه، وطيران دمه، وتطأطأ رأسه أمام هيبة الملك، فإذا كان مجرد ملك من ملوك الدنيا، والذي مصيره إلى التراب والفناء والزوال، يفعل كل هذا في إنسان مثله، فكيف حال العبد مع خالقه؟ الذي هو اجل وأعظم من أي ملك، والذي هو لا شيء كمثله، ولا يضاهيه في العظمة والملكوت والقدرة والجبروت والفردانية والصمدانية والديمومية شيء، وهو العادل في الحكم، البعيد عن الجور والظلم، والمجازي على الحسنات والسيئات بدقة الصراط، جل شأنه، وعلا مكانه، وتقدست أسماؤه .

والملوك الذين سلفوا بعكس ملوك ورؤساء اليوم الذين يفتقدون تلك الهيبة والعظمة لتفاهتهم وخساسة ووضاعة نفوسهم لانقيادهم وراء الملذات والشهوات الحسية والبدنية، ولطريقة صعودهم على الحكم، وتذللهم أمام أصوات المنتخبين، وإهمالهم للرعية، لأنه قيل: "حكم ملك جبار مدى الحياة، خير من ملك مهمل رعيته ساعة واحدة"،

ان الحرية التي تدعو اليها المؤسسات العالمية والدول اليوم هي حرية زائفة وخادعة للنفوس، تخالف كل الشرائع السماوية الداعية الى تطهير النفس البشرية، وعدم انجرارها وراء مهاوي النفس واهواءها، لان النفس كما قال تعالى عنها : " ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي"، لان النفس حتى ترقى في الفضيلة وتلحق بعالم الملائكة عليها التخلص من ثقل طبيعة الجسد وظلمته وشهواته لتصبح روحا ملائكية ونورا حقا محضا، وحرية اليوم هي سبب فساد العالم، لأنها لم تراعي كون الإنسان ذات أطوار مختلفة، طفل وولد ومراهق وشاب ورجل وهرم، وما يفكر به في كل طور يختلف عن بعضه، وذلك لبلوغه وكمال عقله،

فالحرية للمراهق تضره وتشوش أفكاره، وتجعله يضيع في تلك الحرية، التي تخرجه عن كونه مراهقا، وتجعله يشعر بأنه رجل في كل معنى الكلمة، وهذا أيضا يتطابق والفتاة، ولا يقتصر على الذكر فقط، لأن الجنسين يمران في نفس الظروف مع وجود بعض الفروق، وهذا خطر عظيم،

والملك سمي ملكا لما يملك من عبيد وجنود وملك وأراض وممتلكات ورزق وخيرات خاصة به، فهو مالكها والمتصرف بها دون منازع، والملائكة سموا ملائكة لانهم ملكوا انفسهم عن الشهوات وكل ما لا يريده الله .

فالخالق خلق الإنسان لأجل عبادته وتوحيده ولا هدف له غير ذلك، وشعور الإنسان بالعبودية لخالقه، فهو شرف عظيم، ومقام رفيع، لا يوجد في الوجود مقاما اشرف ولا ارفع منه، لان العبد هو بروحه إنسان لا بجسمه، ولا يتشرف إلا بهذه الروح، التي تميزه عن سائر الحيوان، وتقربه من عالم الملائكة،

لان العالم على أربع طبقات : طبقة نباتية، طبقة حيوانية، طبقة إنسانية وطبقة ملائكة، فالنبات لا عقل له ولا شهوة ويتغذى بدون حركة بل بواسطة التمثيل الضوئي أي الكلوروفيل أو اليخضور، والحيوان له حركة ليحصل على غذاءه ولكنه شهوة بلا عقل، والإنسان عقل وشهوة والملائكة عقل بلا شهوة، فإذا غلبت الشهوة في الإنسان عقله، انخفض إلى طبقة الحيوان، بل يصير اشر من الحيوان، وإذا غلب عقله شهوته، ارتقى إلى طبقة الملائكة،

فكلما قام الإنسان بتطهير نفسه من شوائبها، التي هي المعاصي والشهوات، والكسل في الطاعات والمفترضات، والأوامر الإلهيات، التي فيها سعادة لا تشبهها سعادات، لأنها متصلة بخالق البدايات والنهايات، وهو غاية الغايات، وتمسك بحبل الله، واعتصم به، واخلص له في المحبة والعبودية، صار عندها جوهرا صافيا، وعقلا خالصا، ونورا إلهيا، وحقا محضا، وحرا دون رق، كقول يسوع المسيح-ع- في الإنجيل المقدس: " تعرفون الحق و الحق يحرركم"،

فاتحاد الحي بالحي، يجعله حيا أيضا مثله لا يموت، لان روح الإنسان هي حية لا تموت، ولكن موتها بغفلتها عن خالقها، وتركها للواجبات الدينية، وابتعادها عن المفيد الذي يفيدها بالخير ويعرفها منزلتها وقدرها وعجزها وفقرها وذلها، وان ليس لها حول ولا قوة إلا لخالقها سبحانه،

لذلك طاعة القلب الخشوع، وطاعة العيون الدموع، وطاعة الأذن السموع، وطاعة العقل العلم المطبوع، وطاعة النفس الذل والفقر والرجوع، وطاعة اللسان الذكر بفجوع، وطاعة الصدر الخضوع، وطاعة اليدين الضروع، وطاعة البطن الجوع, وطاعة القدمين السجود والركوع،

فالله فالله معاشر الإخوان، لا تتردوا في التوبة إلى خالقكم، فإنكم عن قريب لمسؤولون، وعلى ربكم لتعرضون، وعلى ما عاهدتم عليه به مطالبون ، وكما قال تعالى : " فأما إن كان من المقربين، فروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين الضالين، فنزل من حميم، وتصلية جحيم، إن هذا لهو حق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم"،

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله الأمين واله وصحبه أجمعين والسلام.

 

תגובות

1. دورزي לפני 5 חודשים
موئمن

מומלצים