نظرة في الرأسمالية

الذي يحكم عالمنا اليوم هو النظام الرأسمالي، الربوي الاحتكاري  والاستعماري،  والذي يدعو الى اشباع حاجات الانسان الضرورية والكمالية، وتنمية الملكية الفردية الاقطاعية، مستغلا شعار الحرية مضمّنا فيها العدل المساواة وحقوق الفرد خاصة حقوق المرأة وتحريرها من كل قيد ديني واجتماعي لنشر دعايته الاستهلاكية.

31.10.2007 מאת: פורטל הכרמל
نظرة في الرأسمالية

تلك الحرية الخداعة المعسولة والفارغة من كل مضمون، والتي جعلت الناس يخرون ساجدين لها، ينخدعون وينشغلون بها، فاستحوذت على عقولهم كما يستحوذ الشيطان على العقول حتى يقودها الى الهاوية والانزلاق وراء المادة التي ليست بها سعادة وانما سعادتها مؤقتة ما تلبث حتى تزول كالزبد الذي يعلو الماء.

لقد جاء النظام الرأسمالي إثر سقوط الاقطاع في اوروبا في القرون الوسطى وبداية الثورة الصناعية ومناهضته للكنيسة وظهور المذهب الحر الطبيعي والمذهب الكلاسيكي، وبذلك يكون الحكم قد انتقل من حكم فردي اقطاعي ديكتاتوري يديره الملك والحاكم الى حكم يديره افراد يتحكمون بالمال تحت نظام الحرية، وقد جاء تحكّم هؤلاء القلة من الافراد لتحقيق مصالحهم الفردية والذاتية مما جعل عندهم الغاية هي الربح والكسب المادي بشتى الطرق المعوجة والملتوية ولو خالفت القوانين والسنن التي انزلها الله في اديانه السماوية.

لان في نظرهم ومعتقدهم الغاية تبرر الوسيلة، فتملكوا الاسواق ومصادر الثروات كالموارد الطبيعية كالمياه والمعادن والنباتات والحيوانات وحتى التضاريس الجغرافية لاستغلالها سياحيا، ونشروا سباق التسلح بين الشعوب من اجل تحقيق مطامعهم، فذاق العالم بسببهم الويلات والدمار بافتعال الحروب والمجاعات والاوبئة وحبسوا الامطارعن البلاد النائية لاحتلال اراضيهم وسلب ثرواتها، ووعملوا على غلاء الاسعار والسلع، واسترقاق البشر، وجعلهم عبيدا مقهورين وابتزوا الايدي العاملة حيث اصبح العامل معرضاً في كل لحظة لأن يستبدَل به غيره ممن يأخذ أجرا أقل أو يؤدي عملا أكثر أو خدمة أفضل، مما زاد من انتشار البطالة واصبحت الحياة محمومة نتيجة للصراع بين طبقتين، احداهما مبتزة يهمها جمع المال بشتى الوسائل، واخرى محروقة تبحث عن المقومات الاساسية لحياتها، مما زاد الغني غنى، والفقير فقرا. 

واصبحت الحياة ميدان سباق مسعورا يتنافس فيه الاطراف في سبيل احراز الغلبة، وتحولت الحياة الى غابة يأكل القوي فيها الضعيف، فاحتكرت البضائع في سبيل خدمة بعض الافراد اصحاب المكانة العالية او الرأسماليين، مما ادى الى ابتزاز المستهلكين الضعفاء، لان الاحتكار هو حبس البضائع حتى تفقد من السوق حينها تعرض في السوق مجددا بسعر مضاعف، مما يضرب الطبقة الضعيفة في المجتمع وتجعله يعيش في غابة شرسة تصبح الحياة عبئا ثقيلا على كاهله ، وهذا ادى الى تفكك الاسرة وانحلال روابطها الاجتماعية، لانه دفع بالاسرة لان يعمل افرادها جميعهم لسبيل العيش صغيرا كان ام كبيرا رجلا كان ام امراءة شابا كان ام فتاة ، فالاسس التي بنيت عليها الرأسمالية جاءت لتخدم مصالح فردية تتحكم بمصير الدول اقتصاديا وسياسيا وفكريا دون وازع اخلاقي او روحي.

فالرأسمالية تنظر الى الانسان على انه كائن مادي والتعامل معه بعيدا عن ميوله الروحية والاخلاقية، لانها تفصل بين الاقتصاد والذي هو المال وبين الاخلاق لان في نظر الرأسمالية المنفعة واللذة هما أقصى ما يمكن تحقيقة .

وتعتمد الرأسمالية على نظامين :
 
1- نظام الكارتل ويعني اتفاق الشركات الكبيرة على اقتسام السوق العالمية فيما بينها مما يعطيها الفرصة على احتكار الاسواق وابتزاز الاهالي بحرية تامة.
 
2- نظام الترست والذي يمكن شركة من الشركات المتنافسة لتكون اقدر واقوى في التحكم والسيطرة على السوق .
 
لذلك نرى الرأسمالية تفرض على الدولة عدم التدخل في الحياة الاقتصادية الا بالقدر الذي يتطلبه النظام العام وتوطيد الامن، لانه على الدولة توفير القوانين اللازمة لحماية ونمو الاقتصاد وافساح المجال لكل انسان استغلال قدراته في زيادة ثرواته وحمايتها وعدم الاعتداء عليها، لان اعتماد الرأسمالية يكون على الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة ويتفرع الى غير ذلك وعلى الدولة ان تضمن المناطق الصناعية والزراعية والاماكن التجارية ليقدر ذوو الرأسمال باستثمار أموالهم على طريقتهم، وهذا يتطلب حرية الاسعار واطلاق هذه الحرية وفق متطلبات العرض والطلب، واعتماد قانون السعر المنخفض في سبيل ترويج البضاعة وبيعها.

ضولكن الحرية التي نادت بها الرأسمالية بحجة انها حق انساني يعبر عن الكرامة البشرية تحولت الى حرية سلبية، لما تتضمنه من اباحية تبيح الفساد الاخلاقي، كاستعمال دور الملاهي والاندية الليلية والكازينوهات والقمار التي اصبحت السبب في بيع الخمور والسموم وبيع المومسات لاجسادهن مما نزع الاخلاق وزاد من عمليات الاجرام والقتل والسرقة والاغتصاب، والتي اعجزت رجال الامن من التغلب عليها لتمكنها في المجتمع، لان السبب في تفاقمها تشجيع الرأسمالية لها لانها تلبي حاجاتهم وتزيد من مبيعاتهم وتدر عليهم ارباحا كثيرة دون الاخذ بعين الاعتبار لما تسببه من فساد، مستغلين الدعايات التجارية لنشر مشاريعهم وتقويتها، حتى اشغلوا الناس بالمواد الكمالية دون الالتفات الى الحاجات الاساسية الضرورية، فكانت سببا في نشر مال الحرام من اجرة الخمر واجرة الزنا وفوائض الربا ومال الميسر والقمار والغناء والرقص والشعوذة والسحر والتنجيم ومال الاغتصاب والسرقة وحتى استئجار أناس لتصفية حسابات لمصالح تجارية ومقاومة المنافسين.

ومن سيئات الرأسمالية ايضا انها  تعمد في كثير من الاحيان إلى حرق البضائع الفائضة، أو تقذفها في البحر خوفاً من أن تتدنى الأسعار لكثرة العرض، وبينما هي تقدم على هذا الأمر تكون كثير من الشعوب أشدَ معاناة وشكوى من المجاعات التي تجتاحها، وايضا يقوم الرأسمالي في أحيان كثيرة بطرد العامل عندما يكبر دون حفظ لشيخوخته، وايضا إذا كان الإنتاج أكثر من الاستهلاك يدفع بصاحب العمل إلى الاستغناء عن الزيادة في الأيدي العاملة التي تثقل كاهله، والتي هي السبب العظيم في نشر البطالة او احيانا يقوم الرأسمالي بالتظاهر بأن ارباح شركته تتقلص ليكون سببا في تخفيض اجورات العمال او زيادة ساعات عملهم حتى يلبوا ارباح الشركة أو  اكل ساعات عمل كثيرة عنهم وتهديدهم بالفصل اذا ما طالبوه بحقوقهم.

وباختصار النظام الرأسمالي هو نظام يبني على فصل الدين عن الدولة ويدعو الى العلمانية اللادينية ليبعد خطر رجال الدين عنها، لان الدين يحارب مباديء الرأسمالية بسبب نظامها الربوي اولا، الذي اصبح في يومنا هذا جوهر العلل التي يعاني منها العالم الانساني، ثم دعوة الناس الى البذخ والفوضى الاخلاقية والانحطاط والانسفال نحو الرذائل، وكل ما يخالف الشرع الديني من اكل حقوق العامل واستعباده واسترقاقه مما يجعله بعيدا عن الدين واخلاقياته التي هي اساس في بناء مجتمع صالح يدعو الى الفضيلة وينبذ الرذيلة.

الرأسمالية مما لا شك فيه أنها تقود العالم الى الهاوية والهلاك والدمار لهذا العالم البديع، لانها افسدت البر والبحر والهواء وتجاوزت كل الحدود بسبب اطماعها اللامحدودة واللامسؤولة عما تحدثه من فساد للانسان والحيوان والنبات والطبيعة التي باتت تعاني الاحتباس الحراري وتغييرا في المناخ وانقراضا في الحيوانات بسبب تدخل الانسان بجيناتها وقتلها لاطماع مادية كبيع العاج والعنبر والمسك وجلود الحيوانات، وايضا تلويث البيئة بسبب الصناعات المتعددة التي اصبحت سببا للامراض والفناء، كالافران النووية والذرية المختلفة التي كثر الحديث عن خطرها بين الدول، وصارت تهدد استقرار وامن العالم البعيد والقريب لتجاوزها المعقول في المقدرة على الفتك والدمار.

فالرأسمالية كانت سببا للعولمة التكنولوجية التي قلبت نظام الكون رأسا على عقب مما أحدث إنقلابا في مفهوم الحياة وسبل معيشتها، وانقلابا في عقول البشر، وفصلتهم عن تاريخ ابائهم واجدادهم وعاداتهم وتقاليدهم، والتي يحاول الكثيرون من ارجاعها والبحث عنها في كتب التاريخ والاثارات والمتاحف علّه يعيد الى نفسه الهدوء والاستقرار والسكينة، وما تعلّق المجتمع العربي بالمسلسل السوري الدرامي "باب الحارة "، الا لشوقهم وحنينهم لتراث الاباء والاجداد، والاصالة العربية، والفلكلور التقليدي، من العادات المحترمة، والالبسة المحتشمة للرجال والنساء على حد سواء، والبيوت المتواضعة، وغيرة ومحبة وحمية ودفاع الناس في الحارة النائية عن الحضارة المدنية على بعضهم، والاداب والاخلاق المتبادلة بين الناس والالفة والمودة التي تربط الجميع ببعض، وحفظ العرض والشرف، وكل ما يدور حول مكانة المرأة وعفتها، واحترامها لزوجها وطاعة أوامره، وحديث المجاملة بين المجتمع الرجولي والنسائي والاسروي ، والدور الفعّال للشيخ في الوفاق والتصالح  ودور العقلاء والزعماء في القضايا الوطنية بعيدين عن الخيانة والتآمر، ودور الرجل والمرأة والابن والابنة الحقيقي والانتماء للعائلة والارض والحارة وللوطن والإحساس بالغير والتعاون، واحترام الصغير للكبيروبالعكس، واحترام الأبناء لإبائهم الذي بتنا نفتقده، فباب الحارة أرجع كل شيء الى أصله الحقيقي، فأعاد دور الزعيم والشيخ ومجتمع الحارة والاب والابن والزوجة والابنة الى صورته الحقيقية.

لان ضياع كل منا شخصيته ومنزلته في المجتمع والاسرة يفقده السعادة ويجعل كل منا تعيسا، لانه يفقد بذلك دوره الاساسي والفعّال في بناء مجتمع متعاون ومتوافق ومتصالح ، فباب الحارة أعاد الى الأذهان الحياة الحقيقية، البسيطة، الهادئة، البعيدة عن الضوضاء وصخب العيش، الزيف والمظاهر، الخداع الاجتماعي والسياسي التي سببتها الرأسمالية الهدّامة لكل مقومات الحياة ومبادئها، لانها بنيت على الماديات، وليس على الروحانيات، وأخيرا هيهات هيهات، لم يعد تذكّر الماضي، وحياة سكان باب الحارة الشامية بالذات، والرجوع الى الوراء، يجدي نفعا، لانه من الصعب اعادة عجلة الزمان الى الوراء، كما انه من الصعب ارجاع الروح للمتوفى، فنسأل الله العوض والسلامة.

תגובות

5. منير לפני 11 שנים
رد على قميص عثمان
4. عدوان عدوان לפני 11 שנים
قضيه المرأه...قميص عثمان
3. איימן לפני 11 שנים
ידידי מוניר
2. كاتب المقال לפני 11 שנים
رد على عدوان
1. عدوان عدوان לפני 11 שנים
المقال غير علمي ومؤسف!

מומלצים