نظــــــــرة فـي هويـّتـنا الـــدّرزية !!!
في الاونة الاخيرة كثر الحديث والإستفسار عن هويتنا الدرزية ، وهذا يدل على وجود قلق على ضياع هذه الهوية، خاصة ونحن نعيش في دولة تتعدد فيها الجنسيات، الهويات، القوميات، الأديان والمذاهب، التيارات الفكرية، والعلمانية المادية التي ترى بالدين عبئا ثقيلا يجب التخلـّص منه...مما جعل هناك تخبطا في أوساط الشباب، وجعلهم على مفترق طرق، إما بالتخلي عن هويتهم الدرزية والإنصهار مع المجتمعات الاخرى التي فقدت هويتها هي أيضا، وإما التمسك بها والتشبث بالعادات والتقاليد والمسلك التوحيدي العرفاني.
ولكن ريح "العصرنة" قوية جدا تكاد تقتلع العادات والتقاليد، والمباديء الدينية من جذورها ، ومن هذا المنطلق علينا جميعا الرجوع قليلا الى الورآء لنقف وقفة تأمل، ونستوعب ما يجري من حولنا من تغييرات سريعة، ونتدارك الامورلنعيها جيدا.
ثم نتابع السير قدما لأن من لا قديم له لا جديد له، يقول السيد افلاطون " يا انسان اعرف ذاتك "، ومن هنا الهوية هي تعريف ذات الشخص ، لأن الهوية من ماهيّة الشيء، مما هو ومما يتكوّن ، وهوية الإنسان تعريف اسمه، واسم أبيه، واسم أمه وأجداده، وانتماءه العرقي والديني ثم الوطن ، فالهوية الدرزية هي الهوية الدينية لا ثان لها.
تتأثر بالزمان والمكان على قدر ما يحدثه هذا الزمان والمكان، لكنها باقية ببقآء الأبد ، وذلك لارتباطها بالإعتقاد والإيمان بوجود الخالق، وذلك قبل وجود الزمان والمكان، وقبل وجود آدم وحوآء ( هناك إثبات في القران على وجود خلق قبل آدم وحواء كالطم والرم والجن والبن، وعلماء الجيولوجية يثبتون قدم الكون)، وذلك منذ أن كانت الكلمة في البدء.
وذلك عندما قال تعالى لهذا الكون :"كن فيكون" ، فاعتقاد الدروز بـ "واحد أحد ، فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوءا أحد"، جعلهم امة تعرف باسم"الموحدين" لأن توحيدهم للخالق زاد عن غيرهم من الامم، فاتخذوا لهم مسلكا خاصا بهم،لا يبيحون به لأحد ولا يستقبلون إليه أحدا ، فهم طائفة منغلقة على نفسها لا تزوّج ولا تتزوّج من غيرها.
وذلك لما اقتضاه المذهب لمشيئة الأقدار، وحكم الزمان الذي وجد فيه الموحدون الدروز، فالدرزي من ولد لأبوين درزيين، وهذا الانغلاق على الذات ليس بمجرّد الصدف وليس من باب العنصرية وعدم قبولهم لأحد جديد، وإنما كان الدخول والقبول جائزا أمام الجميع، بالاختيار دون إكراه ولا إجبار، فدخل من كان مستعدا ، وصد من لم يكن مستحقا، وهذا ما أشار إليه المسيح في الانجيل بقوله : "يشبه ملكوت السموات إنسانا ملكا صنع لإبنه عرسا،أرسل عبيده ليدعوا المدعويين الى العرس فلم يريدوا أن يأتوا، وتهاونوا ولم يكتفوا بل شتموا وقتلوا من دعاهم الى العرس، حتى غضب عليهم وقال لعبيده:" أما العرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين ".
وأتم يسّوع مثله بعشر عذارى،خمسة منهن حكيمات، وخمسة جاهلات، خرجن للقاء العريس( المسيح ) ، فالحكيمات أخذن مصابيحهن وزيتا في آنيتهن، والجاهلات أخذن مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتا، فلما أبطأ العريس نعسن ونمن جميعهن ، وفي نصف الليل صار صراخ :" هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه، فقامت جميع اولئك العذارى وأصلحن مصابيحهن ، فقالت الجاهلات للحكيمات أعطينا من زيتكن فإن مصابيحنا تنطفيء ، فأجبن الحكيمات لعله لا يكفي لنا اذهبن للباعة وابتعن، لكن وفيما هن ذاهبات ليبتعن جاء العريس والمستعدات دخلن معه الى العرس وأغلق الباب".
فاغلاق باب الدعوة الدرزية جاء بحظور العريس خلسة والناس نيام، "لانه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الانسان "، وأقام العرس ، وذبح المسمنات والثيران لجميع المدعوين ، والذي دخل العرس ولبس لباسه وأكل من الذبيحة دخل مع العريس ليعيش ألألفية السعيدة، بأمن دون خوف، وطعام دون جوع أو عطش لأنه ما دام العريس معهم لا يستطيعون أن يصوموا، ومن دعي الى العرس ورفضه ولم يأكل من الذبيحة المعدة ظل خارجا ،ولم ينفعه الصراخ والعويل لأنه لم يعرف اليوم والساعة التي يأتي فيها إبن الإنسان . إذا الهوية الدرزية ذات اصول دينية ترجع الى ما دعت إليه جميع الديانات.
لأن الديانات جميعها في مفهوم الموحدين الدروز واحد، وتدعو الى إله واحد، ومتممة بعضها لبعض، وتشير الى دين يختم كل الديانات ويكشف حقائقها، كما جا يسّوع متمما لشريعة موسى ومبشرا بالرسول الذي يأتي بعده وهو الرسول محمد صلعم (الفارقليطيس اسم الرسول محمد في الانجيل لان الفارقليطيس كلمة يونانية ومعناها مشتق من الحمد ومنه اشتقاق اسم الرسول محمد)، وموسى متمما لمن جاء قبله ومبشرا بظهور المسيح في الإنجيل من أرض الشراة (أي الناصرة).
والرسول محمد من جبل فاران ( وهو جبل مكة)، ومن لم يدخل في جميع الديانات لم يصل الى الحقيقة التي دعت اليها جميع الديانات لقول المسيح –ع- :"من لم يلد من بطن امه مرتين لم يبلغ ملكوت السموات والأرض "، وكما قال تعالى في القرآن :"لا ينفع نفس أيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في أيمانها خيرا".
|
وأيضا كما قال الرسول محمد-- صلعم-- خاتم الشرآئع :"من لم يترك ما كان عليه من دين آبائه وأجداده قتل وسمّي كافرا"، والقتل هنا ليس بمعناه الجسدي وإنما بمعناه الروحي لقول يسّوع.
"من أمات نفسه لأجلي فقد أحياها " يعني من أمات نفسه الخبيثة فقد أحيا نفسه الشريفة بالخير والفضيلة. فالهويته الدرزية تكمن في معرفة اصول الدين ومعارجه، وهي باقية ، وانتماءنا للدولة لا يغيّر هويتنا ولا يبعدنا مما نحن عليه، ولكن للدولة علينا حق، وحقنا لها يكون بمقدار ما تقدمه لنا، وذلك لأننا لا نسعى الى إقامة دولة خاصة بنا، لاعتقادنا بأن الله وعد عباده الصالحين في الاخرة بدولة لا زوال لها وهو لا يخلف الميعاد، لذلك نحن نخلص للدولة التي نعيش فيها كما قال المسيح : " اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله "، ولا يمكن أن نخونها، ونعتبر أنفسنا مواطنين صالحين، وعلى الدولة احترامنا.
فالموحدون الدروز هم أمة الوسط التي قال تعالى عنها في كتابه العزيز " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" ، أما تسميتنا بالدروز فهو موضوع شائك، لأنه جاء بعد الدعوة بـ 500 عام، ويعود الى سببين الاول نسبة الى أحد الدعاة الخارجين الذين حرفوا المذهب الدرزي وأخرجوه عن صوابه فالتبس الأمر على أتباعه وعلى من يقرأ عنهم مما جعلهم يسيئون فهمهم للعقيدة الدرزية وينسبون إليهم أباطيلا لا تمس بحقيقة الدروز.
واسمه محمد بن اسماعيل المقلب بنشتكين الدرزي، والثاني نسبة الى انوشتكين الدزبري أحد قادة الأمير رافع بن أبي الليل، الذي قتل المرتد لا صالح بن مرداس، الذي أفتى بقتل الموحدين في معركة الاقحوانة بجوار سهل حطين عام 1029 م، ولكن يغلب اسم بني معروف لمعروفهم الذي لا يثمن، وأما بالنسبة للقومية العربية فهي ليست هوية وإنما مرجعية، لأن القومية العربية ليست دين ولا مسلك، لأنها تحوي بداخلها كل من هو عربي مؤتلف وعربي مختلف.
كل له ديانته وعقيدته فالمسيحيون العرب يختلفون فيما بينهم فكيف مع غيرهم، والمسلمون أيضا مختلفون في العقيدة مع أن القران واحد، ثم أن القومية جاءت من الغرب لأشغال الامة العربية في شيء ليس منه نتيجة سوى تمزيق وتشتيت واثارة الفتنة في أوساط الجسم العربي من المحيط الى الخليج، لتطهيره عرقيا، واضعافه والسيطرة عليه، لذلك كثرت الدعاة لتعريف القومية، فمنهم من قال انها الوطن ، والنسب ، واللغة العربية ومنهم من قال انها اللغة فقط، ومنهم من قال انها اللغة مع المشاركة في الآلام والآمال، والدين لا يدخل في القومية، لان القومية العربية هي فكرة علمانية تدعو الى فصل الدين عن الدولة، حيث تجعل من الدولة مرجعا للامة وليس الدين، مما يفقد العنصر الجوهري لكل دين أو مذهب.
فالعالم اليوم هو عبارة عن قرية صغيرة، وهذه القرية متعددة الجنسيات والمذاهب واللغات، ومن الصعب تحديد قومية لكل شخص، لان البشر يحددون هويتهم بالانتساب الديني أكثر من الانتساب القومي للوطن، فالعربي ليس معناه انه مسلم، فالمسلم الفارسي او التركي لا يتكلم عربي.
ثم ان اللغة العربية سبقت الاسلام وتكلمها اليهود والنصارى وعبدة الاصنام، فاصبحت قومية من يتكلم العربية بانه عربي، عاداته وتقاليده عربية، منهاجه عربي، ثقافته عربية، فكلمة العرب تنبئ عن الصحارى والقِفَار، والأرض المُجْدِبة التي لا ماء فيها ولا نبات، وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على جزيرة العرب، كما أطلق على قوم قطنوا تلك الأرض واتخذوها موطنا لهم.
لقد قسّم المؤرخون العرب إلى ثلاثة أقسام؛ بحسب السلالات التي ينحدرون منها: العرب البائدة، وهم العرب القدامى الذين انقرضوا تمامًا ولم يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخهم، مثل: عاد، وثمود، وطَسْم، وجَدِيس، وعِمْلاق، وأُمَيْم، وجُرْهُم، وحَضُور، ووَبـَـار، وعَبِيل، وجاسم، وحَضْرَمَوت، وغيرها.، والعرب العاربة، وهم العرب المنحدرة من صلب يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان.
وتسمى بالعرب القحطانية، والعرب المستعربة، وهي العرب المنحدرة من صلب إسماعيل عليه السلام، وتسمى بالعرب العدنانية. وهناك مثل لشاعر عربي جاهلي وهو السموأل بن عادياء وهو في الحقيقة يهودي العقيدة ولكنه تغنى بما تغنى به العرب من الوفاء والشجاعة والكرم وحماية الجار، اذا القومية العربية ليس لها أصل، وانما ترجع في مفهومها الى العادات الاصيلة التي تغنى بها متكلمو اللغة العربية، من كرم وشجاعة ووفاء وصيانة العرض والشرف وحماية الجار والتشبث بالارض مصدر المعيشة الوحيد للانسان، فاصبحت العروبة مفخرة لكل من يتحلى بالصفات الحميدة، فالدروز هم أيضا عرب أقحاح خلص، تنحدر جذورهم الى أشرف أنساب العرب الذين سكنوا الجزيرة العربية واليمن حتى بلاد الرافدين وما وراها، فهم من لخم، تنوخ ، بني أزد ، قضاعة ، كهلان بني تميم ، قريش وطي.
حيث تعود الى ملك النعمان بن المنذرالملقب بماء السماء، والي يعرب وقحطان، وقد عاشوا كقبائل اتصفت بالشجاعة والمروءة والكرم والوفاء والإخلاص وصيانة العرض والشرف والدم وحماية المستجير وغيرها من صفات النبل والشهامة التي ما زالت ترافقهم حتى يومنا هذا، وعندما جاء الإسلام كانوا أول المناصرين له، وفي الحقيقة العرب قبل الإسلام كانوا على صنفين عرب بدو وعرب حضر فعرب البدو هم الذين اعتاشوا على التنقل في الصحاري.
وقد كثرت بينهم النزاعات والغزوات على واحة مياه أو مرعى للماشية وغيرها ، وعرب الحضر كانوا من اليهود الذين اعتمدوا على الصناعة والتجارة وسكنوا البيوت واستعملوا الموانيء على ساحل اليمن، وهي حضرموت قديما لذلك قيل أن معنى الخبز في العبرية "לחם" لأن اليهود كانوا عربا متحضرين يعتمدون على الخبز الذي هو "לחם" والعرب البادية عندهم اللحم هو الغذاء لأنهم اعتمدوا على الماشية والمراعي، وأخيرا الهوية الدرزية معناها العودة الى الحقائق والتي عبّر عنها المسيح بالباعة والتمسك بها، الى أن يأذن الله بالفرج.
بانتهاء الالف سنة والتي هي الألفية(الميلينيوم) التي تكلم عنها المسيح في الإنجيل الطاهر التي هي فترة الإمتحان قبل يوم القيامة ووقوف الخلق للحساب على أعمالهم من خيرها وشرها أمام الله الرّحيم الجبّار العادل القاسط المهيمن القدوس جلّ جلاله.
















