نظـرة محـلية

يقولون أن هناك أمورا تأتي متأخرة أو أن علاجها يأتي متأخرا، ولكن أن تأتي متأخرة خير من أن تهمل بالكليه، إن قضايانا المحلية تحتاج إلى وثبة الأسد، إلى زلزال "معمّر" وليس "مدمّر"، إلى تسونامي، إلى إعصار كاترين أو "ريتا"، إلى انفجار ذري، يحول الوضع رأسا على عقب.

22.11.2009 מאת: منير فرو
نظـرة محـلية

إننا في الكرمل نعاني الكثير الكثير، ليس شيء على ما يرام، كل شيء عندنا يسير باتجاه معاكس، الفشل ذريع في شتى الأمور والمجالات. الأسباب كثيرة ومتنوعة مما يزيد الأمور تعقيدا ويتعذر الوصول إلى حلول. الكرمل أصبح جبلا من المصائب، وكل مصيبة تعجز عن تحملها الجبال.

العنف يزداد يوما بعد يوم وأشكاله تتنوع، السموم تنتشر كانتشار النار في الهشير اليابس، البطالة تزداد كتمزق طبقة الأوزون، البيئة ملوثة من النفايات لعدم توفر مكان لإلقائها وبالمياه العادمة، القرية خالية من أي مكان ترفيهي أو نقاهه، لا يوجد مكان للكبار والصغار لقضاء الوقت سوى التسكع في الشوارع مشيا على الأقدام، مع تخريب وتلويث الشوارع برمي المعلبات الفارغة وزجاجات "البيرة"، أو قيادة السيارات بسرعة فائقة، وكم من ضحية شهدتها بلدتنا بسبب السرعة المتزايدة، أو ركوب التراكتورونات المزعجة والمخيفة بتقلباتها وصوتها.

المقبرة والاماكن العامة دائما تدور حولها الاختلافات وتنتقل من رئيس الى رئيس دون الوصول الى الحل المرضي، بيوت الشعب أو العزاء غير منظمة ولا تفي بالشروط: المكان والزمان والمسافة، والجنازة توضع في مكان بعيد عن بيت الشعب فيحتاج المشارك في الجنازة قطع مسافات طويلة، حتى المقبرة غير آهلة للسكن بعد الموت، فلا راحة للحي ولا للميت الذي فارق هذه الدنيا ليرتاح من همومها! وتبقى مشاكلنا على الرفوف بزيادة دون نقصان.

ويأتي الأهم وهو فقدان الاقتصاد المحلي لعدم وجود مناطق صناعية تطويرية وعدم توفير مياه الري للمزارعين كما يجب ومنحهم تربية الدجاج والماشية وزراعة البطاطا والجزر وغيرها من المستهلكات اليومية، لأنها حكرا على بعض الناس في البلاد، وإغلاق أول وآخر مصنع في دالية الكرمل "سبري جوم" و"جيبور" سابقا وتعدد أسمائه بسبب بيعه ومشتراته عدة مرّات، وذلك لبحث مالكيه على أيادي عاملة أرخص، وهذه هي إحدى سيئات الرأسمالية التي تنظر الى العامل ماديا وليس روحيا.

ثم انتشار البطالة لعدم توفـّر العمل لكلا الجنسين مما يحدث فراغا جسديا، وبالتالي روحيا، يدفع بالشبان والفتيات إلى الانزلاق ودخول عالم الموت البطيء والسريع، عالم الرذيلة بسبب المخدرات والمشروبات المزيلة للعقل والصحة، وبالتالي للأخلاق، ثم الثقافة المتدنية بسبب إهمال الأهالي لهم أو لعدم التفرّغ لأبنائهم وتوجيههم كما يجب، ثم لعدم رغبة الطالب نفسه بالعلم الذي أصبح عبئا ثقيلا عليه بسبب التكنولوجيا المتطورة، ثم المعلمين الذين يفقدون دورهم التعليمي يوما بعد يوم كونهم أهالي وانشغالهم بالتقنيات العصرية والأسباب كثيرة، ولكن نحتاج إلى وقفة تأمل والرجوع إلى الوراء، كالأسد الذي يتراجع ليثب وثبته، كما قال شاعرنا أبو الطيب المتنبي في وصف الأسد:
                                         
     ما زال يجمع نفسه في وزره           حتى حسبت العرض منه الطولا
 
وهذا البيت من أبلغ ما قاله المتنبي في الوصف، حيث صور حال جسد الأسد في لحظة استعداده للوثوب على متحديه، دفاعا عن نفسه، حتى تساوى طوله مع عرضه ليختزل الزمن، ومتعجلا في وقوع النتيجة الحاسمة، لأنه لا يملك وقتا للانتظار بعد، إما قاتل أو مقتول، أي أن العمر مرتكز في نقطة زمنية واحدة كارتكاز الزمن في لحظة انفجار طاقة المادة المخزونة في الذرة.
 
إننا في الكرمل كما في سائر قرانا الدرزية والعربية، نبحث عن العيش بكرامه ليس فيها ذل، "وهيهات منا الذل"، نحن اليوم في تحدي مع الزمن، وأصعب ما نتحداه الوضع الاقتصادي المتدهور، والوضع الثقافي المنزلق، ووضع الانتماء المتزعزع، والثلاثة مرتبطة ببعضها البعض، فمجتمع  بلا انتماء معدوم، وبلا ثقافة فهو في هاوية، وبدون اقتصاد تلف وانحطاط. المجتمع الكرملي يعاني من اقتصاد يزداد سوءا بعد سوء، والسبب هو نحن، كما قال الأديب الراحل جبران خليل جبران: "ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر، ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف، وتخلو من الدين، ويل لأمة مقسمة إلى أجزاء وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة"!

نحن مجتمع أصبحنا على جرف الهاويه، لا نملك اقتصادا، لماذا؟ لأن اقتصادنا أصبح للغريب، نركض وراءه ونفضّله عن إبن البلد، نقّوي اقتصاده، ندعم مشاريعه في أوساطنا، نجعله ملكا علينا، نسجد له، هذا عار وخزي علينا، إننا نشيد له البناء والعمار، ونصنع له مصالحا ونقوي عماده واقتصاده، لا نفكر بأننا أحوج لأن نقوي عماد أنفسنا، مصالحنا التجاريه أولى، لأنها تعود بالفائدة علينا جميعا، انظروا يركا كيف تطور اقتصادها لأن شعارها "مال أهل يركا ليركا"، لا يمكن أن نكون كالتينة الحمقاء التي قال عنها إيليا أبو ماضي: "لي الجمال ولغيري النظر"، لماذا يا أهل الكرمل خيركم لغيركم؟ أبناء جنسكم لهم الحق في دعم مصالحهم، "الأقربون أولى بالمعروف"، لو تعاملتم فيما بينكم كما تجب الإخوة لما وجد بينكم فقير أو محتاج، ولما مددتم أياديكم كالمتسول للعيش على حساب البطاله والتأمين الوطني.
 
لو طوّرتم اقتصادكم المحلي لوجد أبنائكم عملا بين ظهرانيكم دون الحاجة لقطع مسافات، ودون أن يعرضوا أنفسهم لأخطار السير، التي بات لا يسلم منها واحد من الألف، فالحوانيت والمصالح التجارية وأصحاب المهن المتعددة في الكرمل كثيرة وتسد جميع احتياجاتكم، فلو تعاملتم معها لنمت وازدهرت وانتعشت واحتاجت لأيادي عاملة، وكنتم ممن يستحق العمل بها.
 
وهناك من يعترض بأن الأسعار المحلية باهظة! الجواب: أحيانا. السبب: تعامل الزبائن مع المصالح المحلية بالدين والحسابات المفتوحة والشيكات البعيدة المدى، مما يعطي صعوبة لصاحب المصلحة شراء بضاعته بالنقد ليحصل على أسعار أقل، بينما يشتري المحليون من المصالح الغريبة بالنقد مما يعطي تلك المصالح أن تشتري بضاعة بأسعار أرخص مما تشتريها المصالح المحلية وبالتالي بيعها أرخص، مما يدفع بالمحليين الإقبال عليها أكثر.
 
إذا الزبائن هم أنفسهم السبب في عدم حصولهم على أسعار رخيصة ومعقولة، فلو تعامل الزبائن مع المصالح المحلية كما يتعاملون مع المصالح الغريبة لكان الأمر يسعد الطرفين. فانظروا الى الشعب اليهودي في كل دول العالم ماذا صنع؟ وضع له قانون الحلال "כשרות" فاليهودي لا يشتر من مكان اذا لم توضع عليه علامة ال "כשרות" هذه، ليس لحلاله وانما لتبقى الأموال في أيديهم ولا تذهب لأحد غيرهم، هكذا استطاعوا أن يبنوا أنفسهم وبالتالي دولتهم الوحيدة والفريدة والمميزة ووضعوا لهم قوانينا لتلائمهم وذلك بالتفكير الصحيح لأنه كما قيل: "لا يحك جلدك غير ظفرك" وفي العبرية " אם אין אני לי, מי לי?!
 
فلو عملنا مثلهم لحصلنا على اقتصاد متين واكتفاء ذاتي ودفعنا بقرانا إلى الأمام، فلا نحتاج لميزانيات الدولة الشحيحة والمظنونة من أجل تطوير قرانا، التي باتت كصحراء جرداء وبرية قفراء، لا تليق لمجتمع يعيش في القرن الواحد والعشرين، عصر العولمة والانتعاش الاقتصادي والتكنولوجي، تنقطع فيها المياه، وتتلوث فيها البيئة، وتزدحم الطرقات، وحارات تفتقد الشوارع وخطوط المياه والتلفون وخرائط البناء والهيكلية، ولا يوجد مكاتب داخلية، ومحاكم، ودوائر حكومية وجامعة كما في المدن، ومستشفى عام، ومستشفى للولادة، وحتى لا يوجد سيارة إسعاف وسيارة إطفاء، وأحيانا سيارة شرطة غير متوفرة لحالات طارئة!

وأيضا لا يوجد مصانع ولا صناعات، حتى أن المصنع اليتيم الذي تبقـّى من ستة مصانع في الكرمل "سبري جوم" جيبور سابقا تم اغلاقه وزاد بذلك عدد العاطلين عن العمل، وأصبحت حياة أسر كثيرة تحت خط الفقر، مما هدد المجتمع بالبحث عن مصادر رزق مشبوهه، تدفع بالشباب والشابات والصبية الصغار إلى الانحراف خلقيا، والدخول في العالم الجهنمي المخدرات والزنا والسرقة والقتل والإجرام والتعديات، وهذا يهدد أمن البلد والرابط الأسري بالزوال.

فلنتعلم من غيرنا كيف استطاعوا أن يصونوا أنفسهم رغم الصعوبات، فعززوا انتماءهم، وأشادوا ثقافتهم، وحكموا اقتصادهم، فيا ليتنا نصحو قبل فوات الأوان لنجمع طولنا مع عرضنا كما جمعه أسد المتنبي لننتهز اللحظة الزمنية التي فيها تقرير مصيرنا وبما أننا على أبواب عيد الأضحى المبارك أعاده الله على الجميع بالخير والبركة وهداوة البال، وهو مشتق من التضحية فحبذا لو ضحينا بأموالنا لإنعاش اقتصادنا المحلي واشترى كل فرد منا حوائجه من بلدتنا وقضى العيد بين أهله وأترابه وأقاربه لكانت بركات الله حلت علينا.

وكل عام وجميع المحتفلين بألف خير.

תגובות

2. رياض مقلده לפני 16 שנים
شيخ اجتماعي بحق وحقيق
1. R.W לפני 16 שנים
כל הכבוד לך שייח מוניר

מומלצים