بين تحالفات اليوم وخلافات الماضي وانعدام السلام
بينما تتّجه الأنظار السياسيّة والإعلاميّة والعسكريّة، إلى استمرار المنازلة العسكريّة الليليّة خاصّة، بين إيران والولايات المتحدة. وهي منازلة شهدت توقّفًا ما مطلع هذا الأسبوع لأسباب لا يعلمها إلا الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، بعد أيام تعرّضت فيه منشآت إيرانيّة لقصف أميركيّ وردّت طهران بقصف بعض جاراتها الخليجيّات كما طال القصف الإيرانيّ, المملكة الأردنيّة الهاشميّة وخاصّةً محيط مدينة العقبة
يتواصل وسط أتون المواجهة العسكريّة، وربما رغم ذلك وحتى بسبب ذلك، دوران عجلة السياسة العلنيّة وتلك التي خلف الكواليس، في محاولات لا تتوقّف تهدف إلى تعزيز تحالفات قائمة أو إعادة صياغة تحالفات جديدة وتغيير وتوسيع تشكيلاتها وتركيباتها وحسم الصراعات على النفوذ،
والضغوط الدبلوماسيّة، انطلاقًا من كون الحروب في جوهرها استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى من جهة، وسعي الأطراف المشاركة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تحقيق مكاسب استراتيجيّة وسياسيّة وتثبيت وقائع جديدة على الأرض، ولعلّ الأبرز في هذا السياق محوران أولهما ذلك المحور الذي برزت معالمه واضحة بين الولايات المتحدة وتركيا خاصّة خلال قمّة الناتو، حلف شمال الأطلسيّ، التي عُقدت في أنقرة يومي 7 و8 تموز/يوليو 2026، وثانيهما ذلك الذي تبلورت معالمه عبر تنسيق بعضه علنيّ وبعضه غير رسميّ بين مصر والسعوديّة وتركيا وباكستان،
ويشكّل تحوّلًا جغرافيًّا واستراتيجيًّا لافتًا وهامًّا، من حيث هدفه وهو إدارة التوتّرات المتصاعدة والاتّفاق على مواقف وآراء وأهداف موحّدة تجاه المفاوضات الأمريكيّة الإيرانيّة وضمان أمن الخليج، عبر تفضيل المسار الدبلوماسيّ والسياسيّ ومحاولات متكرّرة لعرض مقترحات سياسيّة تهدف إلى إعادة إيران وأميركا إلى طاولة المفاوضات،
وتأكيد ضرورة العمل على إنجاح مسار التفاوض بين واشنطن وطهران بشرط مراعاة أمن واستقرار دول الخليج ومنطقة المشرق العربيّ، وهذا الثاني محور يؤكّد مراقبون أنه مرشح للاتّساع لتنضمّ إليه دول أخرى منها سوريا أحمد الشرع وحتى الأردن الذي تحوّل في الأيّام الأخيرة وبفعل الضربات العسكريّة المتبادلة بين طهران وواشنطن، إلى موقع أساسيّ للمواجهة الأميركيّة الإيرانيّة، وإلى هذا لنا عودة.
وقبل الخوض في التفاصيل لا بدّ من الإشارة، بل قطع الشكّ باليقين، إلى أن هذه التطوّرات سابقة الذكر وباعتراف كثيرين من المطلّعين كانت في الآونة الأخيرة في صلب محادثات ونقاشات أميركيّة إسرائيليّة سبق بعضها قمة الأطلسيّ في أنقرة، وتواصل بعضها حتى الأيام الأخيرة تزامنًا مع زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، وأنها لا تعني بأيّ شكل من الأشكال تضاؤل دور الولايات المتحدة في المنطقة ولا تشكّل محاولة ولو رمزيّة وظاهريّة للخروج من فلكها والبحث عن حليف آخر بديل قد يكون روسيا أو الصين،
بل بالعكس فهي تعني بتركيبتها الحاليّة والمستقبليّة، وربما رغم غياب بعض الدول عنها، وتحديدًا إسرائيل، بقاء أمريكا العنصر الفاعل الهامّ والرئيسيّ بكل ما يتعلّق بقضايا الأمن والدفاع الإقليميّ، وذلك رغم محاولات دول المنطقة تنويع خياراتها السياسيّة والدبلوماسيّة والعسكريّة، وخاصّة تركيا والسعوديّة عبر علاقات جيّدة، بل أكثر من ذلك مع روسيا والصين التي كانت الوسيط لاستئناف العلاقات الدبلوماسيّة بين الرياض وطهران،
ورغم ذلك ومقارنة بسنوات سابقة وربما إدارات أميركيّة سابقة، كانت إسرائيل البوابة التي يمكن عبرها الوصول إلى واشنطن ومثال عل ذلك اتفاقيّة التطبيع مع السودان الموقّعة بتاريخ 22 أكتوبر، تشرين الأول 2020، والتي تمّ الإعلان عنها عبر مؤتمر هاتفيّ بحضور الرئيس دونالد ترامب، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح برهان، ورئيس الوزراء السودانيّ عبد الله حمدوك، ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، تشير المعطيات ومنها العلاقات المميّزة بين دونالد ترامب والرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان،
واستعداد ترامب رغم تحفّظ وزارة الخارجيّة الأميركيّة، لمنح تركيا طائرات إف 35، بسبب امتلاكها منظومة "إس 400" الصاروخيّة الروسيّة، ومعارضة إسرائيل العلنيّة ومعارضة مؤيّديها لذلك خشية أن يؤدّي حصول أنقرة على هذه الطائرات، إلى تغيير ميزان القوى الإقليميّ وتقويض التفوّق العسكريّ النوعيّ الذي تعتمد عليه الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، إلا أن التطوّرات السياسيّة والجغرافيّة والعسكريّة الأخيرة، قد تجعل من أنقرة بوابة مركزيّة للسياسة الأميركيّة في المنطقة بفضل موقعها الجغرافيّ العسكريّ الاستراتيجيّ ودورها السياسيّ المتزايد في ملفّات الشرق الأوسط من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران،
وتأثيرها في منطقة القوقاز وترتيبات الأمن الإقليميّ، إضافة إلى اعتبارات استراتيجيّة أميركيّة، ولغاية في نفس يعقوب، تعتبر أنقرة عاملًا حيويًّا ومساعدًا لاحتواء التحركات الروسيّة في البحر الأسود من جهة والحدّ من النفوذ الصينيّ في آسيا الوسطى، ناهيك عن كونها صاحبة تأثير على إيران ومشاركة فعَّالة في مشاريع التنمية في المنطقة إلى جانب واشنطن ودول عربيّة وخليجيّة،
وسوق للأسلحة الأميركيّة، ومن هنا جاء انعقاد القمة الأطلسيّة في أنقرة بدعم أميركيّ بل برعاية أميركيّة، في محاولة من واشنطن ترامب لتحقيق أهداف كانت إدارته الجديدة قد وضعتها، ومنها جعل الحلف أكثر تماسكًا وفعالية، وتكثيف الضغوط السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة على روسيا، ولعب دور أكثر أهميّة وحزمًا في الحرب الأوكرانيّة، وكذلك في مواجهة إيران من جهة، والعمل بشكل فعّال من جهة أخرى على الوقوف بصورة أشدّ في مواجهة الصين،
إلى جانب سعي واشنطن إلى دفع أعضاء الحلف لزيادة الإنفاق العسكريّ وتوسيع قدراتهم الدفاعيّة، عبر تخصيص 5% من الناتج المحليّ الإجماليّ للإنفاق الدفاعيّ، وبناء اتفاقيّات مستقبليّة لشراء الأسلحة، تكون الشركات الأميركيّة المصنّعة للأسلحة من أوائل وأكثر المستفيدين منها، وهو فعلًا ما نتج عن هذه القمّة حيث تعهد الإعلان الختاميّ للقمة بتقديم 70 مليار يورو من المعدّات العسكريّة والمساعدات لأوكرانيا خلال عام 2026، إضافة إلى صفقات لشراء أسلحة جديدة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات.
وانطلاقًا من توجّهات إدارة ترامب ومنطلقاتها النابعة من أهداف أميركا أوّلًا، فإن الإدارة الأميركيّة الحاليّة والتي كانت عام 2020 قد فرضت عقوبات اقتصاديّة على تركيا، سارعت إلى رفعها واعتبار الرئيس التركي صديقا عزيزًا، تنظر واشنطن بعين الرضى إلى توسيع دور تركيا في حلف شمال الأطلسيّ وخاصّة نهجه المعروف باسم "الناتو 3.0" وهو توجّه جديد لحلف شمال الأطلسيّ تم طرحه في قمة أنقرة الأخيرة ملخّصه ضرورة الاعتماد الأوروبيّ على الذات، وتقاسم الأعباء الأمنيّة، وتطوير التصنيع العسكريّ ونقل أوروبا من عقليّة الاعتماد الأمنيّ على أمريكا إلى نهج المسؤوليّة المشتركة، وهذا مصلحة أميركيّة ربما تعتمد واشنطن على أنقرة لتنفيذها أو رفع رايتها، ولذلك تقبل واشنطن ببقاء أردوغان وحزبه ونهجهم في سدّة الحكم دون الدعوة إلى أحداث تغييرات سياسيّة هناك رغم تضاؤل شرعيّة حكومة أردوغان وتكثيف الضغوط على أحزاب المعارضة,
وسجن الخصوم السياسيّين، والتراجع المستمرّ في الحقوق والحريّات، وذلك بعكس مواقع أخرى في العالم، وذلك انطلاقًا من مصالح استراتيجيّة كبيرة ومشتركة، تمنح تركيا قيمة عظيمة في عيني واشنطن، بفعل موقعها الجغرافيّ فهي تشكّل نقطة تقاطع بين البحر الأسود وشرق البحر المتوسط وغرب آسيا، وقدراتها العسكريّة وكونها ركنًا أساسيًّا في الجناح الجنوبيّ لحلف الناتو، إضافة إلى حدودها مع سوريا والعراق وإيران، بمعنى أن تركيا انتقلت من موقعها القديم كدولة تقع على هامش حلف شمال أطلسيّ إلى موقعها الجديد كمحور مركزيّ فيه، تؤكّده مقرّات الرقابة البحريّة العسكريّة للناتو في مضيق البوسفور وغير ذلك.
أهميّة ما سبق من حيث "شهر العسل" وهو مصلحيّ بالكامل بين أنقرة وواشنطن، تنبع بشكل مباشر من قضية أخرى ذات علاقة وطيدة، وهي العلاقات بين إسرائيل وتركيا والتي تتراوح منذ قضية سفينة مرمرة عام 2010، بين التحالف أو التطبيع السياسيّ والاقتصاديّ والسياحيّ وبين القطيعة والخصومة والعداء، رغم أن أيًّا منهما لم تشكّل حاليًّا ولم تكن يومًا ومنذ العام 1948،
تهديدًا وجوديًّا للأخرى، بل بالعكس فالعلاقة بينهما أكثر متانة وعراقة من الخلافات الأخيرة خاصّة وأن تركيا كانت من الدول التي سارعت للاعتراف بإسرائيل بعد قيامها وتحديدًا في 28 آذار مارس 1949،
أي بعد أقل من عام على تأسيسها، لتصبح أول دولة ذات أغلبيّة مسلمة تقوم بذلك، لكن هذه العلاقات شهدت بطبيعة الحال ومنذ اعتلاء جزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان سدة الحكم في تركيا، تدهورًا سياسيًّا وإعلاميًّا رغم تلاقي بعض المصالح هنا وهناك خاصّة تغيير الأنظمة في العراق وليبيا وسوريا، مع استمرار العلاقات الاقتصاديّة رغم الأزمات السياسيّة والحرب في غزة، حتى توقّفها في في أيار/مايو 2024، باستثناء قضية وصول النفط الخام الأذربيجانيّ إلى إسرائيل عبر خط أنابيب باكو–تبليسي وميناء جيهان التركيّ،
وبالتالي فإن العداء الإسرائيليّ التركيّ ينطلق من أسباب أوسع منها خشية إسرائيل من أن يؤدّي ازدياد النفوذ التركيّ إلى تقويض موقعهم الاستراتيجيّ، خاصّة على ضوء المواقف الأخيرة التي صدرت عن جي دي فانس نائب الرئيس الأميركيّ، والتي قال فيها إن إسرائيل هي حليفة كما الدول الخليجيّة والسعوديّة وغيرها، ومن هنا خشية إسرائيل لهذا التقارب والمحور الجديد ورغبتها في كبح النفوذ التركيّ ومنع تعزيز أنقرة مكانتها داخل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة،
عبر جهود متواصلة لمنع ذلك حتى لو كلّف الأمرعرقلة الخطط الإقليميّة والمصالح الأوسع لواشنطن، كما هو الحال في محاولات التوصل إلى اتفاق مع طهران أو قضية سيطرة إسرائيل على مناطق في سوريا ودعوة ترامب للانسحاب منها كلّها بفعل اتفاقه مع أحمد الشرع وغير ذلك، مع الإشارة إلى أن واشنطن،
وكما كشفت معلومات موثوقة، أوكلت إلى سفيرها في أنقرة، وهو توم باراك، موفدها المعروف السابق إلى لبنان، مهمّة منع التوتّر بين تركيا وإسرائيل من الخروج عن السيطرة الأميركيّة، رغم الخلافات حول غزة والضفة الغربيّة، والنظام في سوريا، وقضايا الطاقة خاصّة مطالب تركيا المتعلّقة بالطاقة في شرق البحر المتوسط، إضافة إلى التنافس الأوسع على النفوذ في غرب آسيا.
المحور الإقليميّ الجديد الذي يضمّ تركيا مصر والسعوديّة والباكستان ومرشح للتوسّع ليضمّ العراق وسوريا ولبنان، هو تحالف إقليميّ جديد ينضمّ إلى سابقه من حيث كون إسرائيل لا علاقة لها به، بدأ كتنسيق بين تركيا والسعوديّة ومصر وباكستان، كدول تمتلك وزنًا سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا ، على ضوء توتّرات الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة على إيران، ومخاوف تتعلّق بالتجارة والطاقة والحرب في غزة، إضافة إلى تعزيز العلاقات التركيّة السعوديّة وإقامة مشاريع طويلة الأمد، منها إقامة شبكة سكك حديديّة تربط السعوديّة بتركيا عبر الأردن وسوريا، تسمح بوصول البضائع والطاقة والركاب إلى الأسواق الأوروبيّة عبر الأراضي التركيّة، ناهيك عن كونها عاملًا يسهل إمكانيّة مواجهة الازمات التي قد تتعرّض لها الممرّات البحريّة، ورغم أن هذا الإطار لا يمثل تحالفًا رسميًّا ، فإنه يعكس المصالح المشتركة وتنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليميّة الكبرى، وعلى رأسها القضيّة الفلسطينيّة والتحديات الأمنيّة التي تواجه دول المنطقة وبضمنها بل في مقدّمتها هذه المرّة الأردن.
ضمن الحرب الحاليّة خاصّة بين أمريكا وإيران، وجد الأردن نفسه في قلب الأزمة المتصاعدة بينهما، وتعرّض لضغوط أمنيّة واقتصاديّة بالغة منها انخفاض حادّ في السياحة التي تشكّل نحو 15% من الناتج القوميّ، وتباطؤ الاستثمارات والمشاريع والخدمات نتيجة تحوّل أراضيه ومجاله الجويّ إلى جزء من مسرح المواجهة الإقليميّة واستهدافه بالصواريخ الإيرانيّة والطائرات المسيَّرة،
في انتهاك واضح لأمن الأراضـي والأجواء الأردنيّة، ومحاولة مرفوضة لتحويل الأراضي الأردنيّة إلى ساحة مواجهة وتصفية حسابات بين أطراف إقليميّة أو دوليّة، استدعت اتصالات مكثّفة إقليميّة ودوليّة لإدانة الهجوم الإيرانيّ ودعم مساعي التهدئة وخفض التصعيد، ومع اتّساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران،
يجد الأردن نفسه أمام تحديات أمنيّة وسياسيّة متزايدة، بعدما شهدت أراضيه ومجاله الجويّ مشاهد واضحة من التصعيد الإقليميّ، ووسط تناقض أحيانًا بين تحالفه الوثيق مع واشنطن، وعلاقاته المعقّدة مع جيرانه ومنها إسرائيل التي يملك الأردن أطول حدود معها،
مع التأكيد على أن الضغوط لا تقتصر على الجانب الأمنيّ، بل تمتدّ إلى الداخل الأردنيّ أيضًا، والذي يرفض بغالبيته التوتّر الأمنيّ والتصعيد ويتحفّظ من التواجد العسكريّ الأمريكيّ، لكنه لا يريد فقدان التعاون العسكريّ الوثيق مع الولايات المتحدة والشراكة الاستراتيجيّة طويلة الأمد معها رغم انتقادات على خلفيّة الحرب في غزة والتوتّرات المتواصلة في الأراضي الفلسطينيّة،
مع الإشارة هنا إلى أنه كلما اشتدّ التصعيد الأمنيّ تحوّل الأردن إلى الخطّ الفاصل بين المحور الأمريكيّ والمحور الإيرانيّ. وهو دور لعبته في الأسبق العراق أو تركيا، خاصّة بسبب قرب الأردن من سوريا والعراق وإسرائيل وأراضي السلطة الفلسطينيّة ومواقع النقل اللوجستي للقوات الأمريكيّة في المنطقة، وجسر برّي على ضوء ازدياد مخاطر الملاحة في البحر الأحمر وبالتالي فالمملكة اليوم على مفترق طرق يمكنه أن يجعلها لاعبًا مركزيًّا في صياغة النظام الإقليميّ الجديد إذا نجحت في التوفيق بين الجوانب السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة الداخليّة والخارجيّة التي تواجهها في نفس الوقت، ناهيك عن أن تعاظم دور الأردن انطلاقًا ممّا سبق يشكّل امتحانًا حسّاسًا ومعقّدًا لعلاقاته مع إسرائيل،
فإضافة إلى العلاقات في مجال الطاقة وغيرها، فان تحوّل الأردن إلى جسر بريّ ومفترق طرق لوجستي عالميّ وإقليميّ يزيد من أهميّتها الاستراتيجيّة بالنسبة لإسرائيل، وحاجز يفصل بينها وبين سوريا والعراقـ وشريك في الحفاظ على الهدوء والاستقرار الأمنيّ الإقليميّ، ومن هنا من الُمفتَرَض أن اسرائيل بحاجة إلى استقرار الأردن أكثر من أيّ وقت مضى، خاصة على ضوء عدم الاستقرار في البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه فإن أيّ تعاون علني في هذا السياق يمكن أن يفسر على الصعيد الأردنيّ الداخليّ بأنه خضوع لضغوطات أميركيّة وإسرائيليّة، واشتعال موجة انتقادات خاصّة من جهة الحركات الإسلاميّة وفئات تدعو إلى تجميد اتّفاق السلام بين البلدين.
ما سبق هو امتحان كبير ومصيريّ للسياسة الخارجيّة الأمريكيّة، خاصّة وأن السياسة الخارجيّة للدول تعتمد على المصالح، وأنها كما قال عنها ميكيافيلي ليست عملًا تبشيريًّا أو خيريًّا، ومن هنا تقف واشنطن أمام مهمّة معقّدة، وهي الحفاظ على علاقات معقولة لها مع هذه الدولة مجتمعة أو على انفراد، وضمان علاقات معقولة بين هذه الدول المتخاصمة والتي يسود بينها الخلاف رغم أن واشنطن لا تزال بحاجة إلى إبقائها، رغم الخلافات والاختلافات، في المعسكر نفسه، فهل تنجح بذلك أم أنها، ومن منطلق كون السياسة ممارسة الممكن، وليس ما يجب أن يكون،
ستعمل ومن منطلق مصالحها على الاستفادة من هذه المحاور قدر المستطاع ثم ترك هذه الدول تواجه خلافاتها وحدها؟؟ وهل تدرك هذه الدول كلها مجتمعة، وكل واحدة منها أن عليها الاعتماد على ذاتها وضمان أمنها واقتصادها وسيادتها ورفاهية مواطنيها بنفسها، والتأكّد من أن اهل البلاد أدرى بأمنها وهم الذين يحافظون عليه أكثر من غيرهم، عملًا بقول المفكر والفيلسوف والسياسيّ الإيطالي نيكولا ميكيافيلي :
"من يقيم دولته على أسلحة قوّات مأجورة لن يستطيع التأكد من قوة وثبات ولايته. لأنها قوات مفكّكة ولها مطامعها الخاصّة، وغير منظّمة ولا عهد لها، وهي تبدو قوية أمام الأصدقاء، لكنّها جبانة عند مواجهة الأعداء". والسؤال إذن، هل ستبقى القوة العسكريّة سيدة الأحكام، أم سيعيد العالم حساباته، ليدرك أن الحروب هي الدمار، وأن السلام هو الحلّ الوحيد، مهما عظُمَت القوة العسكريّة؟
















