ترامب بين إيران ولبنان والباكستان مرورًا بهنغاريا والفاتيكان
رغم أنه أسبوع يبدو، لأوّل وهلة، وكأَنّه اختلطت فيه العناوين بين الباكستان التي غادر الوفد الأمريكيّ المفاوض برئاسة جي. دي فانس، نائب الرئيس دونالد ترامب وعضويّة جاريد كوشنير وستيف ويتكوف، عاصمتها إسلام أباد، معلنًا رسميًّا فشل المفاوضات المباشرة مع إيران في التوصّل إلى اتّفاق بعد جولة واحدة فقط استمرت 21 ساعة, ما يؤكّد الصفة الترامبيّة الملازمة كما يبدو للإدارة الأميركيّة الحاليّة برمّتها من حيث السعي إلى نتائج فوريّة.
في خطوة حوَّلت المفاوضات التي جاءت لإيجاد الحلول إلى ساحة لاستعراض متبادل للقوّة خاصّة بعد اعتبار كلّ طرف من طرفي المفاوضات أن مطالب الطرف الآخر غير معقولة، أو بكلمات أخرى نقل الصراع من الميدان عسكريًّا إلى غرفة المفاوضات المغلقة،
وبين إيران التي زاد وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة بوساطة باكستان، ولأسباب ربما غير واضحة، من شعور قياداتها بعلو كعبها وانتصارها سياسيًّا على الأقل إن لم يكن عسكريًّا أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي استمرار إعلانها عدم التنازل أو حتى عدم إبداء المرونة خلال المفاوضات،
وبين لبنان التي أرادتها إيران جزءًا لا يتجزّأ من اتّفاق وقف إطلاق النار وأصرّت على ذلك وصولًا إلى مطالبة أمريكيّة علنيّة لإسرائيل بتخفيف عمليّاتها العسكريّة في جنوب لبنان ووقفها نهائيًّا في بيروت تلتها تحرّكات حكوميّة لبنانيّة استهجنها البعض باعتبارها حالت دون تنفيذ الطلب الإيرانيّ واستبداله بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركيّة كان من المقرّر أن تبدأ يوم الأحد في واشنطن بين سفيري إسرائيل ولبنان ثمّ تأجّلت حتى الثلاثاء،
بموافقة الحكومة اللبنانيّة ذاتها التي أرادت وقف إطلاق النار مع انطلاق المفاوضات، ولذلك فتأجيلها هو قبول من الحكومة ذاتها لاستمرار الحرب والقصف والضحايا، وبين حاضرة الفاتيكان التي وجدت نفسها وقداسة البابا ليو الرابع عشر، وهو أمريكي الجنسيّة، وقد تمّ الزجّ به في أتون الحرب الإيرانيّة،
وليس ذلك فقط بل اتهامه بأَنه ضعيف في مواجهة الجريمة وسيّئ في السياسة الخارجيّة، وأنه يُحابي اليسار المتطرّف ويقبل امتلاك إيران سلاحًا نوويًّا، قبل أن ينشر ترامب صورته بواسطة الذكاء الاصطناعيّ وكأنه السيد المسيح ثمّ يعتذر، وبين هنغاريا فيكتور أوربان التي جاءت نتائج انتخاباتها استمرارًا ربما لنهاية عهد جايير بولسينارو في البرازيل، لتشير ربما إلى توجّه جديد يرفض الانعزاليّة والتقوقع والدكتاتوريّة حتى لو كانت دكتاتوريّة الأغلبيّة وترفض قيام القادة بمحاربة الجهاز القضائيّ والمحاكم والإعلام الحرّ والأكاديميا ومحاولة تطويعها ،
إلا أن خيطًا رفيعًا واحدًا يربطها وهو كونها جميعًا تتعلّق بالولايات المتحدة، وربما بشكل أدقّ بشخص دونالد ترامب الرئيس الأمريكيّ الحاليّ، وسياساته التي تشير في نظر البعض، وربما من منطلق عدم الدراية الكافية بالتاريخ، أو منح الاعتبار فقط للتاريخ المعاصر، أو الانتقائيّة المفرطة في إصدار الأحكام والأوصاف، وكأن الولايات المتحدة تنحو منحًى جديدًا يتعمد استخدام القوّة، وربما تلك المفرطة أحيانًا لحلّ الصراعات والنزاعات السياسيّة والاقتصاديّة والجغرافيّة سواء كان ذلك مع الصين، أو إيران أو فنزويلا أو الدانمارك حول جزيرة غرينلاند وغيرها وفي كافة المناطق ، وهو الخطأ بعينه.
وتيرة الأحداث خاصّة في فترة ولاية ترامب الثانية وصداماته مع الصين اقتصاديًّا والدول الأوروبيّة سياسيًّا وفنزويلا وإيران(مرتين خلال اقل من عام واحد) عسكريًّا، وكلّها صدامات جاءت بقرارات شخصيّة من الرئيس ودون استشارة أحد، وأحيانًا وكما تكشف حول الحرب الأخيرة مع إيران، خلافًا لتوصيات ومواقف أصحاب الشأن والخبرات خاصّة العسكريّين، يستوجب وبحقّ طرح السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة، وبعد أن أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم وبخلاف ما كان الأمر عليه خلال فترة التوازن في الردع بين حلفي الأطلسيّ ووارسو، لكنّه يستوجب سؤالًا أوسع من ذلك ومن شقين أوّلهما ما إذا كانت الولايات المتحدة اليوم، وبإدارة ترامب،
وبعد سنوات ارتبط فيها اسمها خاصّة في الشرق الأوسط بحلّ الصراعات، وتحديدًا دورها بقيادة رئيسها الحاليّ دونالد ترامب في توقيع اتفاقيّات أبراهام بين إسرائيل والإمارات العربيّة المتحدة والبحرين، ودورها برئاسة جيمي كارتر في اتفاقيّات السلام بين إسرائيل ومصر ، ودورها بقيادة رئيسها بيل كلينتون في اتفاقيّات أوسلو مع الفلسطينيّين واتفاق السلام مع الأردن وقبلها ربما تحرير الكويت، وهو النصف الملأى للكأس ، هي الولايات المتحدة الحقيقيّة،
أو الصورة الحقيقيّة للولايات المتحدة، وقبل ذلك الشق الثاني والأوسع وهو أوجه الشبه والاختلاف بين الولايات المتحدة اليوم، وتلك في أيامها الأولى لاستقلالها عام 1776، أي قبل 250 سنة، وهو استقلال جاء على خلفيّة خلافات مع بريطانيا وملكها جورج الخامس، جاء حولها في وثيقة الاستقلال الأمريكيّة أنها قادت الشعب الأمريكيّ إلى اتّخاذ قرار بفض الشراكة مع الشعب الآخر( الشعب البريطانيّ)، وتحديدًا تجاوزه الجهاز القضائيّ ومحاولته إضعافه ومنع أو تقليص الحقوق والحريّات وتجاهل القوانين والأعراف، وإخراج الجنود إلى الشوارع لاستخدام القوة والعنف لقمع الحريّات، وإعلان مجموعة من المستعمرات الحرب ضد المملكة المتحدة على خلفيّة المبالغة في جباية الضرائب، وبالتالي ولأنه يفعل كلّ هذا، فإنه طاغية وليس أهلًا ليكون قائدًا لشعب حرّ،
وهو حال يشبه ما عليه الولايات المتحدة اليوم وعشيّة يوم استقلالها ال 250 من انقسام داخليّ وتوتّرات داخليّة تصل حدّ الكراهية والانقسام والتخوين واستخدام الحرس الوطنيّ لقمع التظاهرات وتحت قيادة رئيس يستهتر بكافّة الأعراف والتقاليد وتجاهل للقوانين،
وكراهية معلنة للغير وللنساء خاصّة إذا كانوا من الحزب الديمقراطيّ، بخلاف سلفه جورج بوش الابن الذي افتخر في خطابه الموجه إلى الشعب الأميركيّ عام 2007 بأنه أول رئيس أميركيّ يخاطب الكونغرس قائلًا "سيّدتي الرئيسة" موجّهًا كلامه إلى غريمته الديمقراطيّة نانسي بيلوسي،
وبالتالي سينظر الأمريكيّون بقلق ربما إلى مسيرتهم منذ الاستقلال بعد حرب دامية احتجاجًا على تصرّفات جورج الخامس، انتهت إلى استقلال وإقامة دولة جمعت مواطنين من كافّة بقاع العالم جمعتهم مبادئ الحريّة والديمقراطيّة والعيش الكريم والبحث عن السعادة، وبالتالي وبعد أن تحقّق الاستقلال ما على قياداتها إلا أن تصونها حرّة وديمقراطيّة وجعلها قريبة من الكمال خاصّة بعد المساواة التي تحقّقت وفق نصوص قانونيّة على الأقل من حيث تحرير العبيد بعد حرب بين الشمال والجنوب، ومنح النساء حريّة التصويت وإزالة التفرقة العنصريّة مطلع ستينيّات القرن الماضي، كما قال الرئيس باراك أوباما في خطاب تنصيبه رئيسًا ليكون الأول، وربما الأخير من غير البيض.
الشقّ الأوّل حول الولايات المتحدة والحروب، يستوجب وقفة طويلة، فمراجعة التاريخ تكاد تثبت، أن أميركا لم تكن أبدًا بلدًا مسالمًا، بل إنها خاضت من الحروب والعمليّات العسكريّة ربما أكثر من غيرها من دول العالم بما في ذلك الاتحاد السوفييتيّ وبعده روسيا والدول الأوروبيّة، بل إنها دولة خاضت منذ استقلالها،
وإضافة إلى حرب الاستقلال، حروبًا متواصلة كانت نتائجها أن تحوّلت من 13 ولاية إلى قوّة عظمى مهيمنة عالميًّا، منها الحرب الأهليّة بين السنوات 1861-1865 والتي أوقعت مئات آلاف الضحايا، والحروب المبكّرة فور استقلالها ومنها حرب 1812 ضد بريطانيا، والحرب المكسيكيّة الأمريكيّة (1846-1848) لضمّ أراضٍ جديدة،
والحرب العالميّتين الأولى التي انضمّت إليها في نيسان عام 1917، بعد سنتين ونصف من جهود الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عدم خوض هذه الحرب وكذلك الحرب العالمية الثانية التي دخلتها مضطرة بعد الهجوم على بيرل هاربور، وهي حرب تحوّلت الولايات المتحدة بعدها إلى منتجة عالميّة أولى للسلاح ومغرمة بالحروب خاصّة بعد إلقاء القنبلة الذريَّة على هيروشيما وناغازاكي في اليابان ،
وحروب متعدّدة ضمن الحرب الباردة والصراع غير المباشر مع الاتحاد السوفييتيّ بين عامي 1947-1991 حتى انهيار الإتحاد السوفييتّي، وشملت حرب كوريا وحرب فيتنام وأزمة الصواريخ الكوبيّة سنة 1961، وبعدها حرب الخليج الأولى والتي عرفت باسم عاصفة الصحراء عام 1991، وهو ما استمر في القرن الحادي والعشرين عبر حروب أفغانستان بعد 11 أيلول، والتي أوقعت 6800 قتيل أمريكيّ، وحرب الخليج الثانية (غزو العراق) عام 2003،
وبعدها وربما حاليًّا، الحرب على فنزويلا واعتقال أو اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو والحربين على إيران، ناهيك عن اغتيال قادة منظّمات اعتبرتها إرهابيّة منهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهريّ وأبو بكر البغدادي وقاسم سليماني وغيرهم.
وفي ظلّ هذا المشهد من حيث نوعيّة وسمات القيادة الأميركيّة، والتي تذكّر بتصرّفات الملك جورج الخامس، وسرعة توجّه أميركا إلى استخدام السلاح عبر كسر للقوانين والقواعد ومنها ضرورة العودة إلى الكونغرس للحصول على موافقته والالتفاف عليه عبر وصف الأمر بأنه عمل عسكريّ، أو حملة وليس حربًا، تمامًا كما يحصل في إسرائيل بغرض التهرّب من تعويض المتضرّرين، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام حالة لم تشهدها سابقًا فهي التي اعتادت الانتصار في كافّة الحروب، حتى تلك التي شاركت فيها مضطرة كالحرب العالميّة الثانية وخرجت كالمنتصر الأكبر، حالة قوامها ثلاثة سيناريوهات حلوها مرّ بالنسبة لها وللمشاركين في الحرب الحاليّة،
وربما للمنطقة والعالم، أولها وهي الأقرب أن يكون انسحاب الوفد المفاوض خطوة تكتيكيّة لدفع إيران إلى تقديم تنازلات لاحقة، مع المخاطرة بإطالة الأزمة ،وثانيها العودة إلى التصعيد العسكريّ ومعنى ذلك استئناف الحرب بشكل واسع، أو ربما بالعكس تنفيذ عمليّات عسكريّة محدودة وموضعيّة كما فعلت عبر محاصرة مضيق هرمز المُحاصَر إيرانيًّا أصلا،، والمخاطرة هنا بزعزعة أسواق الطاقة العالميّة وارتفاع معدّلات التضخّم المالي في الولايات المتحدة والعالم وسط زيادة الضغوط السياسيّة الداخليّة عليها باعتبار أنه تمّ جرّها إلى حرب ليست لها،
أما الخيار الثالث فهو أن يختار ترامب إعلان نفسه منتصرًا وإنهاء العمليات العسكريّة دون اتفاق رسميّ تمامًا، كما تم في حرب الاثني عشر يومًا في حزيران 2025 ، أي أننا وبحقّ نعود إلى سياسة هنري كيسينجر الذي يقول أنه بعد تصاعد الحرب يأتي السلام كما حصل بعد حرب أكتوبر عام 1973، بين مصر وإسرائيل والتي أمكنها لو أرادت،
القضاء على الجيش المصريّ الثالث ووصول مشارف القاهرة، لكنّ الأمريكيّين أرادوا أن تظهر مصر بمظهر المنتصرة، ليتم بعد ذلك الوصول إلى طرح مبادرة السلام من الرئيس المصري أنور السادات عام 1977، والتي لو تبناها العالم العربي لانتهت الحروب منذ ذلك اليوم وتم حلّ القضيّة الفلسطينيّة والتي أراد لها الرئيس السادات ذلك ضمن مبادرته، وها نحن نقف الآن أمام واقع معقّد، خاصّة وأن الولايات المتحدة لا ترغب في حرب طويلة بينما تتظاهر إيران حتى اليوم برفض تقديم تنازلات جوهريّة في قضيتي الأسلحة النوويّة ومضيق هرمز،
ليبقى الباب مفتوحًا على مصراعيه على الاحتمالات سابقة الذكر، وهي تفاوض يطول أو تصعيد خطير، أو تسوية متأرجحة وغير واضحة المعالم، وتبقى معها المنطقة والعالم رهينين لتطورات غير متوقّعة، بل غير منطقيّة، تنذر بها التصريحات والمواقف المتناقضة أحيانًا لترامب الذي أعلن الحصار على مضيق هرمز، وأتبع ذلك بتصريح حول تقدّم ملموس واتّصال من قيادات إيرانيّة تريد التفاوض،
ونائبه جي دي فانس، الذي أعلن انهيار المفاوضات ثم أتبع ذلك بتصريح متفائل حول تقدم ملموس وإمكانيّة التوصل إلى اتفاق ما، مع الإشارة إلى أن عدم التوصل إلى اتفاق من جهة، ورغبة إسرائيل الواضحة أو على الأقلّ استعدادها وربما أمنيتها بالعودة إلى الحرب من جهة تجعلنا لا نستبعد استئناف الحرب قبل انتهاء مهلة الأسبوعين يوم الثلاثاء، أو صبيحة الأربعاء القريب، مع مواصلة الوسطاء وخاصّة باكستان وتركيا، دفع إيران والولايات المتحدة نحو اتّفاق، وخلاصة القول هنا أن الطرفين يستخدمان في مسار التفاوض كل الأدوات،
بما في ذلك التهديد بوقفها لمواصلة التفاوض في شروط أفضل لكل منهما ، رغم أن الأجواء السائدة حاليًّا بين البلدين هي أجواء انعدام ثقة تجعل الحرب والصدام أقرب من السلام والاتفاق وهذا في العلن، لكن المخفيّ أعظم فالواضح أن العالم سئم الحروب خاصّة تلك التي تهدّد اقتصاده ورفاهية شعوبه.
وكأن هذا لا يكفي، تجد الولايات المتحدة عبر "حربجيّة "رئيسها الاقتصادية في حرب اعتقدت أنها انتهت، وهي الحرب الاقتصاديّة أمام الصين، والتي يؤكّد الجميع أن قرار ترامب محاصرة مضيق هرمز جاء في حقيقة الأمر لمنع إيران من مواصلة السماح للسفن الصينيّة دون غيرها بنقل النفط عبر مضيق هرمز، خاصّة وأن الصين تستورد يوميًّا قرابة مليوني برميل من النفط الإيرانيّ وهو ما يمثّل حوالي 80% إلى 90% من إجمالي صادرات النفط الإيرانيّة ،
إضافة إلى الغاز المسال الذي تمرّ سفن شحنه من نفس المضيق، وكلّ ذلك قبل أقل من شهر من زيارة دونالد ترامب إلى الصين ولقاء نظيره الصينيّ شي جين بينغ في أولى زياراته إلى الصين منذ ثماني سنوات وهي زيارة تحمل أهميّة كبرى، وتشكّل نتائجها سبيلًا نحو المصالحة، أو ربما زيادة لهيب المواجهة الاقتصاديّة مع الصين خاصّة وأن المحكمة العليا الأمريكيّة قلّصت في شباط الأخير صلاحيّات الرئيس الأمريكيّ في فرض الرسوم الجمركيّة،
الأمر الذي وضع مزيدًا من الضغط على ترامب، وأفقده وسائل ضغط مقابل ثالث أكبر شريك تجاريّ للولايات المتحدة، قبل أن تضاف إلى ذلك الحرب التي شنّها ترامب مع إسرائيل ضدّ إيران وشكّلت نقطة توتر جديدة مع بكين، المشتري الرئيسيّ للنفط الإيرانيّ، وكل ذلك قبل التطرّق إلى قضية تايوان والتي زادت واشنطن ما تصدير الأسلحة اليها لتزيد بذلك الاحتقان الذي تسببه هذه القضيّة.
داخليًّا ومع ازدياد المعارضة للحرب والأسئلة والانتقادات حول دوافعها ومخرجاتها، ومعها ازدياد تصريحات ومواقف ترامب ضد معارضيه، حتى من دائرة مقربيه اللصيقة وإقالة بعضهم، لأنهم لا ينفّذون سياساته حتى في مجال الأمن القوميّ، وازدياد مشاعر التململ داخل منظّمة أو حركة "MAGA ماغا" وارتفاع الأصوات المطالبة ربما بتنحيته على خلفيّة حالته الصحيّة أو تصرّفاته المنافية للدستور ومحاولته تقليص الحريات للأقليّات خاصّة وتضييق الخناق على المؤسّسات الأكاديميّة ومحاولة إخضاعها لأجندات سياسيّة واضحة، فيزداد التوتّر الداخليّ مع اقتراب انتخابات منتصف الفترة،
وإدراك ترامب أن انهيار نسب التأييد في هذه الانتخابات هي نذير شؤم كما تثبت التجارب، ما يثير في قلوب الكثيرين في الولايات المتحدة المخاوف من تكرار مقصود،
أو عرَضي لأحداث سابقة شهدتها الولايات المتحدة أكّدت أن الديمقراطيّة ليست حالة مفروغ منها، بل إنها أمر يجب صيانته ، خاصة وأن الكثير من الجمهوريين لا يستبعدون حاليًّا رفض نتائج الانتخابات الديمقراطيّة، أو حتى استخدام العنف كوسيلة للحصول على السلطة، استمرارًا لعمليّة اقتحام مبنى الكابيتول في كانون الثاني، يناير عام 2021،
ويكرّسون نظريات المؤامرة والتهديد، ما يعيد إلى الأذهان تلك الانتخابات التي شهدتها الولايات المتحدة عام 1800، والتي شهدت تحضيرات وصلت حدّ التسلّح لكلا الحزبين أو الأزمات التي عصفت بالولايات المتحدة خلال النضال من أجل المساواة المدنيّة وخاصّة مساواة المواطنين من أصول أفريقيّة،
وهي توتّرات سببها مشاعر كانت حينها وتتكرّر اليوم ، يمكن أن تدفع إلى ارتكاب أعمال متطرّفة وأحيانًا تصرّفات عنيفة وغير منطقيّة، وما يزيد من خطورة هذه المشاعر اليوم وجود شخصيّات متنفّذة وفي مواقع اتّخاذ القرار، تعمل عبر خطوات مدروسة على تقويض الديمقراطيّة وإضعافها، كما الرئيس ترامب وأعوانه،
وصولًا إلى تغيير الدستور لضمان البقاء الأبديّ، أو إلى أطول فترة ممكنة في السلطة، خاصّة مع اقتراب الانتخابات النصفيّة واحتمال استعادة الديمقراطيّين السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، وبالتالي تقييد صلاحيّات الإدارة المركزيّة، ما قد يجعل ترامب "بطة عرجاء" وفق المصطلح السياسيّ الأميركيّ المعروف، وليس ذلك فقط بل لإخضاع أنظمة ديمقراطيّة أخرى، كما يحاول ترامب أن يفعل عبر تهديداته للدول الأوروبيّة وكسر قواعد التعامل الدبلوماسيّ بينهم وبين الولايات المتحدة في حالة تشبه الطلاق التامّ، عبّر عنها رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر،
رغم حالة الضعف التي يعانيها سياسيًّا، قائلًا إنه يرفض توجّهات واشنطن مؤكّدًا أن بلاده لن تنجرّ إلى الحرب مع إيران مهما كانت الضغوط، مقابل تهديد ترامب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسيّ، وإلى ذلك يجب أن نضيف فشل أميركا في أنهاء الحرب الروسيّة الأوكرانيّة والإنجازات الاقتصاديّة والسياسيّة التي حقّقتها روسيا على خلفيّة الحرب الأخيرة مع إيران والتي يمكن إن تكون روسيا أنها الرابح الأكبر اقتصاديًّا وسياسيًّا منها.
خلاصة الأمر تتمثّل في أن ترامب الذي أعلن النصر الكامل في أكثر من مناسبة، يقف أمام اتهامات بأنه أدخل الولايات المتحدة بيديه ومع سبق الإصرار والترصّد إلى عشّ للدبابير، أو ربما خلق بنفسه ذلك العشّ، وبالتالي فإن انسحابه وإنهاء الحرب يعني ترك دول المنطقة وخاصّة الدول الخليجيّة، تواجهه وحدها، تمامًا كما فعلت أميركا وحليفاتها الأوروبيّات في الحرب الأوكرانيّة،
وإشارات إلى أن تقديراته ومبالغاته وانفراده بقرار دخول الحرب دون الرجوع الى أصحاب الخبرة، بل اتخاذ قرار وفق معلومات وعارضة من رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ، أدخلت الولايات المتحدة في مأزق استراتيجيّ تكون فيه خيارات التصعيد، أو وقف القتال على حدّ سواء مكلفة لرئيس يدعي مرة تلو الأُخرى أن الحرب ستتوقف قريبًا، بينما يفضّل الحلفاء الخليجيّون عدم وصول قوات بريّة أميركيّة إلى إيران،
قائلين إن ذلك قد يؤدّي إلى ردع طهران بمزيد من الضربات، ربما ضد البنيّة التحتيّة للطاقة وأهداف مدنيّة لديهم، وفي إسرائيل فالحال لا يختلف إذ نشهد عودة إلى مصطلح كان خلال سنوات خارج الخدمة في إسرائيل وهو المصطلح القائل أن لا حلول عسكريّة للنزاعات، بعكس ما تحاول إسرائيل فعله منذ السابع من أكتوبر عام 2023، وملخّصه أنها تفشل وعلى كافّة الجبهات التي تحارب عليها من غزة التي لم يتمّ فيها تدمير حماس حتى لبنان الذي ما زال حزب الله فيه يحتفظ بسلاحه وإيران والحوثييّن في اليمن في تحقيق الحسم العسكريّ، وترفض تجربة الجانب السياسيّ، أو رفد العمل العسكريّ بجهد سياسيّ. يبدو أن السياسيين في إسرائيل،
يستسخفّون مضمونه ويحتقرونه، وهو الحال في إيران التي عانت الأمرين والخراب والدمار جرّاء مشروعها النوويّ ومنظّماتها المسلحة في المنطقة وكذلك بالنسبة لحزب الله في لبنان الذي جرّ البلاد إلى دمار وخسائر دون إنجازات تذكر وقبله حماس في غزة الذي رفع راية تدمير إسرائيل واعتبار فلسطين وقفًا إسلاميًّا خالصًا ليمنى بالفشل الذريع ويدمر العديد من الدول العربيّة، ومن هنا السؤال : ألم يحن الوقت في أميركا وإسرائيل وإيران ولبنان وقيادات الحركات المسلّحة الجهاديّة والدينيّة للكفّ عن الخلط بين التحليل السياسيّ والعسكريّ المنطقيّ والواعي وبين الأمنيّات وأحلام اليقظة، وباختصار ألم يحن الوقت ليعتبر قادة الدول العظمى وقيادات دول المنطقة والمنظّمات المسلّحة فيها خاصّة، أن الأفضل هو استبدال الحرب بالسلام والبغضاء بمشاعر التفاهم بين الشعوب والديانات إلى جانب الصلح الداخليّ بين الأطراف والجماعات السياسيّة والأخرى في كلّ دولة ودولة،
سعيًا إلى ضمان العيش الكريم والبقاء وهم ما قال عنه مارتن لوثر كينغ :"إنّ الأمة التي تستمر عامًا بعد عام في إنفاق أموال أكثر على الدفاع العسكريّ مقارنة ببرامج الارتقاء الاجتماعيّ تقترب من الهلاك الروحيّ". ونحن نقول الجسديّ أيضًا، وهل تدرك القيادات وبعد هزيمة فيكتور أوربان في هنغاريا، وهو الصديق المقرّب من دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو، أن شعوبها تنتخبها لضمان الحقوق والحياة وحسن الجوار، وليس لتمكينها من تكريس السلطة وتنفيذ النزعات الشخصيّة، وإضعاف الديمقراطيّة وسلب الحقوق وتعزيز سياسات العداء والإقصاء؟؟ ألم تعلم أن إرادة الشعوب أقوى من قياداتها؟!.















