قوانين الإعدام: هل هي للتنفيذ أم التزامات سياسيّة؟
في عالمٍ موازٍ لارتفاع ألسنة لهيب المعركة الانتخابيّة البرلمانيّة القريبة والمتوقّعة في نهاية تشرين الأول القادم أو ربّما، حسب اعتبارات مصلحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أوائل أيلول القريب، ورغم اشتداد التلاسُن العلنيّ والإعلاميّ حول قضيّة لجنة التحقيق الرسميّة التي تطلبها المعارضة لفحص ملابسات هجمات السابع من أكتوبر عام 2023
ومسؤوليّة الحكومة الحاليّة برئيسها بنيامين نتنياهو عنها، مقابل تهرّب الحكومة من ذلك، وسعيها لسنّ قانون لتشكيل لجنة تحقيق تسمّيها بالوطنيّة، تعتبر مولودًا هجينًا في القانون الإسرائيليّ، والنقاشات حول الانقلاب القضائيّ والتعيينات في رئاسة الشاباك والموساد، والتي من الواضح أنها تخدم أجنّدات ومبتغيات رئيس الوزراء نتنياهو السياسيّة والشخصيّة والحزبيّة، مع الخلاف حول ترتيبها ومن هو الاعتبار الأوّل بالنسبة له، وجد البرلمان الإسرائيلّي – الكنيست- في القانون الخاصّ الذي بادر إليه وزير القضاء، ياريف ليفين من الليكود ، ورئيس لجنة القانون والدستور والقضاء في الكنيست سيمحا روتمان من حزب الصهيونيّة الدينيّة الائتلافيّ، وعضو الكنيست يوليا مالينوفسكي من حزب إسرائيل بيتنا المعارض، لمحاكمة مسلّحي النخبة من حركة "حماس" ضالّته التي تمكّنه من الاتّحاد حولها، ائتلافًا ومعارضة، طبعًا مع استثناء الأحزاب العربيّة. إقرار القانون بالقراءتين الثانية والثالثة مطلع هذا الأسبوع، بتأييد غير مسبوق من قبل 93 من أعضائه، ودون أيّ تحفّظات باستثناء تلك التي جاءت من بعض النوّاب العرب في البرلمان
وهو حدث نادر يتمثّل في التعاون التامّ والتوافق المطبق بين الائتلاف والمعارضة، لم يشهده البرلمان الإسرائيليّ منذ عقود، في مشهد ختاميّ لقضيّة دارت خلف الكواليس، بل خلف جدار من الصمت والسريّة والتكتّم التامّ، دارت فصوله بسريّة كما قلنا في أروقة لجنة الخارجيّة والأمن البرلمانيّة، وتحديدًا في جلسة عقدت قبل شهرين ونصف، وعشية الحرب الأخيرة بين إسرائيل وأميركا وإيران، لبحث مشروع القانون المذكور، والذي يشكّل في دوافعه وسببه وظروف سنّه ومضمونه وسيرورته والتي سنعرّج عليها لاحقًا، واحدًا من الأسئلة الملحّة والتي فرضتها هجمات السابع من أكتوبر، والتي تمّ بعدها اعتقال نحو 350 من مسلّحي حماس ومساعديهم، بتهمة المشاركة في الهجمات المذكورة، وارتكاب اعتداءات وفظائع يصنّفها القانون المذكور على أنها جرائم ضدّ الشعب اليهوديّ وجرائم ضدّ الإنسانيّة، تستوجب محاكتهم أمام هيئة قضائيّة خاصّة ومميّزة تقام لهذا الغرض هي محكمة عسكريّة خاصّة في القدس بهيئة مؤلّفة من ثلاثة قضاة، تعمل وفق القانون الذي سيسمح بفرض عقوبة الإعدام، ويضمن آليّة استئناف تلقائيّة، ورغم ذلك فإنه يثير، ولا بدّ أن يثير أسئلة عديدة ومتفاوتة.
الأسئلة كثيرة يتعلّق أوّلها بالتوقيت، ولماذا اليوم بالذات؟ خاصّة وأنه مرّ من الوقت أكثر من عامين ونصف منذ هجمات السابع من أكتوبر، وكان لا بدّ لكل عاقل أن يسأل، واستنادًا إلى كافّة التصريحات التي وردت منذئذٍ على لسان كافّة المتحدّثين من أحزاب المعارضة والائتلاف على حدّ سواء، وهذا ما يتّضح أيضًا من هويّة مقدّمي مشروع القانون، أن الحديث يدور حول قانون خاصّ بحثته طيلة عامين وأكثر ومنذ الهجمات، لجنة فرعيّة سريّة تابعة للجنة الخارجيّة والأمن البرلمانيّة، ومن هنا سيتم تفصيله بمقاس خاصّ ومواصفات خاصّة، ليلائم الحدث الذي اتّفق الجميع في إسرائيل على أنه الاختراق الأمنيّ الأكبر والخطر منذ العام 1948، خاصّة وأنه المرّة الأولى التي تمكّنت فيها قوّة عسكريّة غريبة أو خارجيّة من اختراق الحدود والسيطرة ولو لساعات على أراض إسرائيليّة واختطاف مدنيين من منازلهم وجنود من مقرّاتهم العسكريّة دون مقاومة تذكر
إضافة إلى تبعات هذا الحدث العسكريّة والعملياتيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وملخّصها حرب لمدّة عامين ونيّف اضطرّت إسرائيل لخوضها في قطاع غزة هي الأطول والأبهظ ثمنًا في تاريخها ومن كافّة النواحي، وإلى ذلك يضاف إخلاء مناطق شاسعة من جنوب إسرائيل بفعل نتائج هذه الهجمات وشمال إسرائيل بفعل هجمات حزب الله اللبنانيّ، وأعداد الضحايا من الجنود والمدنييّن واختطاف أكثر من 230 من المواطنين والجنود، وما شكله ذلك من ضربة معنويّة لإسرائيل التي كانت حكومتها برئاسة نتنياهو والحكومات السابقة برئاسته قد ضمنت لها ، وبتمويل من قطر، 30 مليون دولار شهريًّا منذ العام 2018
ومن هنا جاء السؤال حول التوقيت ولماذا تأخّر، أما الجواب وانطلاقًا من مجريات بحث مشروع القانون، وإبعادها بشكل مقصود عن الاهتمام الإعلاميّ، فيتعلّق بقضية الرهائن والمختطفين الاسرائيليّين اللذين احتجزتهم حماس لنحو عامين، وبالتالي وجدت حكومة إسرائيل، كما المبادرين إلى القانون، نفسها أمام واقع عليها فيه التزام الصمت بهذا الصدد، وعدم إطلاق العنان لتصريحات قد تعرقل عمليّة إطلاق سراح الرهائن والمختطفين، ناهيك عن عدم الكشف عن جلسات لجنة الخارجيّة والأمن البرلمانيّة المتعلّقة بالقانون، وليس صدفة أن يتم الإعلان عنه الآن بعد أن انتهت عمليّات إطلاق سراح الرهائن، وبعد انتهاء جزء من الترتيبات التي شملها وقف إطلاق النار، أو بكلمات أخرى اتّفاق إنهاء الحرب في غزّة بمبادرة أميركيّة ودعم عربيّ وفق نقاط دونالد ترامب العشرين.
ما سبق عن التوقيت من جهة، والسريّة من جهة أخرى والتي رافقت جلسات بحث هذا القانون، يزداد بروزًا وحدّة، مقارنة بقانون آخر مشابه ومختلف في نفس الوقت، وهو قانون حكم الإعدام الذي بادرت إليه كتلة وزير الأمن القوميّ إيتمار بن غفير، "القوة اليهوديّة" والذي يلزم المحاكم بإنزال عقوبة الإعدام على فلسطينيّين ارتكبوا عمليّات قتل ضدّ إسرائيليّين على خلفيّة قوميّة، أو من منطلق إنكار وجود دولة إسرائيل، والذي تحوّلت جلساته إلى مسرح للتصريحات الرنّانة ودعوات الموت وتخلّله صياغة دبوس احتفاليّ على شكل حبل مشنقة وضعه أعضاء الحزب المذكور على ملابسهم، وصاغوا على شاكلته كعكة عيد ميلاد بن غفير مؤخّرًا، دون أن تكون صدفة حقيقة كون هذا القانون الذي رافقته بهرجة إعلامية وتصريحات عديدة، يستثني مسلّحي قوات النخبة من حركة حماس، وهو ما كان المنطلق لاتهام المبادرين إليه بالغوغائيّة والسطحيّة، وكونهم يدركون سلفًا أنه لن يصل حيّز التنفيذ خاصّة وأن المحاكم العسكريّة مخوَّلة ومنذ عقود بفرض عقوبة الإعدام على المدانين بقتل إسرائيليّين على خلفيّة قوميّة، دون أن تفعل ذلك ولو مرّة واحدة بسبب معارضة الشاباك لذلك، ناهيك عن التماسات للمحكمة العليا قدّمت ضدّه إضافة إلى بعض بنوده التي تؤكّد أنه لن يتم تطبيقه بأثر تراجعيّ، بل فقط على أولئك الذين ستتمّ إدانتهم بعد تشريعه
بخلاف القانون الخاصّ بمسلّحي النخبة، الذي يشير بصريح العبارة إلى أنه يخصّ فئة معيّنة من مسلّحي حماس شاركوا في هجمات السابع من أكتوبر وعمليّات عسكريّة وقعت بين السابع من أكتوبر عام 2023 حتى العاشر منه، أو وكما جاء في نصّ القانون، تلك الأعمال التي ارتكبها مسلّحو النخبة من حماس، بين 7 و10 أكتوبر 2023 والتي يعرفها القانون على أنها جرائم ضد الشعب اليهوديّ، وجرائم ضد الإنسانيّة، وجرائم حرب ، علمًا أن حكم الإعدام تم تنفيذه في إسرائيل مرة واحدة بتهمة مشابهة لنصّ هذا القانون ، وهي محاكمة أدولف أيخمان الذي اعتقله الموساد في الأرجنتين عام 1961، والتي جرت أمام توليفة المحكمة المركزيّة في القدس، ولكن في قاعة خاصّة في بيت الشعب، بحضور مئات الأشخاص، وأدانته بتهم عديدة منها جرائم الحرب ضد اليهود والجرائم ضد الإنسانيّة ضد غير اليهود، وارتكاب عمليات طويلة وخطيرة من القتل المنهجيّ لليهود خلال الحرب العالميّة الثانية والتي انتهت إلى إعدامه في شهر أيار العام 1962، وأُحرقت جثته وألقي رمادها في البحر.
خصوصيّة القانون الحاليّ، تتجسّد في كونه يتجاوز هذه النقطة، وأقصد أين ستتم محاكمة مسلّحي قوّات النخبة، فهو وانطلاقًا من هذا ولكونه سيُطبّق تحديدًا وفقط على الجرائم المرتكبة ضدّ المختطفين من إسرائيل إلى غزة خلال تلك الأيام، بمن فيهم المختطفين الذين قُتلوا أو الذين قُتِلوا في الأسر، ينصّ على أن محاكمتهم ستتم أمام محكمة عسكريّة خاصّة تُنشأ في القدس، وتملك صلاحية إصدار حكم الإعدام، يرافقه وفق القانون استئناف تلقائيّ حتى لو لم يقدّمه المُدان، أو موكليه أو أيّ جهة أخرى باسمه، وهو ما اعتبره وزير القضاء ياريف ليفين تحقيقًا للعدالة حتى لمسلّحي النخبة الذين ارتكبوا أعمالًا شريرة، على حدّ قوله، مع الإشارة هنا في هذا الصدد إلى أن هذه المحاكمات وبنفس التهم ، حدثت وتكرّرت في الأسبق في دول عديدة في العالم، ومنها محاكمات نيرنبرغ التي بدأت بعد أن احتلّت دول التحالف كافّة الأراضي الألمانيّة، وبعد أن استسلم الجيش الألمانيّ وسلّم أسلحته بالكامل، وحوكم فيها 24 متهمًا واستمرت 218 يومًا ، ومحاكمات طوكيو، أو حتى جلسات محكمة الجنايات الدوليّة المتعلّقة بالحرب في يوغسلافيا والتي تم في نهايتها أدانة الرئيس الصربيّ سلوفودان ميلوسوفيتش بارتكاب جرائم حرب خلال الحرب الأهليّة في يوغسلافيا مطلع تسعينيات القرن الماضي
لكنها كلّها جرت أو أجريت أمام محاكم خاصّة تمّت إقامتها وفق تشريعات وتعليمات وقرارات الأمم المتحدة، وبالمقابل لا تتوفّر هذه الشروط التي سبقت في حالتنا هنا، وذلك بشكل مقصود فإسرائيل التي لا تعترف بقرارات الأمم المتحدة ولا بمحكمة الجنايات الدوليّة، ولا محكمة العدل الدوليّة وميثاق روما وغيرها، لا يمكنها جرّاء ذلك، تنظيم محاكمة لمن تتهمهم هي بانتهاك القانون الدوليّ، وارتكاب جرائم ضد الإنسانيّة وجرائم حرب، وفق معايير الأمم المتحدة وتعليمات المؤسّسات الأمميّة، إضافة إلى ذلك وبخلاف محاكمات نيرنبرغ مثلًا، فإسرائيل لم تحتلّ قطاع غزة بالكامل وحركة حماس لم تسلّم أسلحتها بل بالعكس تمامًا، فالتقييمات الاستخباراتيّة والعسكريّة التي وضعت هذا الأسبوع تحديدًا أمام المستوى السياسيّ في إسرائيل ، تؤكّد أن حماس بدأ يستعيد عافيته وقوّته واستأنف تصنيع العبوات الناسفة والأسلحة وتجنيد مسلّحين جددًا إلى صفوفه، وليس ذلك فقط فالمحاكمات وفق القانون الجديد ستطال مسلحين ارتكبوا داخل إسرائيل أعمالًا تصفها إسرائيل أنها إرهابيّة، لكنهم انطلقوا من منطقة لا تخضع للسيطرة السياسيّة، أو الرسميّة الإسرائيليّة ولا يمثّلون كيانًا سياسيًّا كما تنصّ تشريعات وقرارات الأمم المتحدة
ناهيك عن أن المحاكمات ستتمّ بفعل قانون إسرائيليّ دون أن يكون له دعم دوليّ أو أمميّ، وأنه سيخضع لها نحو 350 مسلّحًا، ستتم محاكمتهم أمام محكمة عسكريَّة كدرجة أولى وبتركيبة 3 قضاة، يعيّن القاضي فيها شرط أن يمتلك خبرة وكفاءة في القانون الجنائيّ، بناءً على اختيار لجنة اختيار وفقًا لقانون محكمة الاستئناف العسكريّة، وستكون قراراتها خاضعة لمحكمة استئناف سيتمّ تعيين قضاتها بشكل خاصّ من قبل رئيس الدولة ، ممّن شغلوا أو يشغلون مناصب قضائيّة، بناءً على اختيار رئيس الأركان وتوصية رئيس محكمة الاستئناف العسكريّة، التي سيرأسها قاضٍ، أو قاضٍ متقاعد من المحكمة العليا، ومعه رئيس محكمة مركزيّة عاملًا أو متقاعدًا، بالإضافة إلى قاضيين آخرين هما رئيس أو نائب رئيس محكمة مركزيّة عاملًا أو متقاعدًا. ويجوز استئناف الأحكام أمام محكمة الاستئناف العسكريّة التي سيرأسها قاضٍ متقاعد من المحكمة العليا، ويحيط به رئيس محكمة ابتدائيّة هو قاضٍ متقاعد أو ما زال يعمل، بالإضافة إلى قاضيين آخرين هما رئيس أو نائب رئيس محكمة مركزيّة متقاعدًا أو ما زال يعمل ، ويجوز استئناف الأحكام أمام محكمة الاستئناف العسكريّة، وستتم المحاكمة وفق أدلّة ومستندات ووثائق مكتوبة ومصورة، و ستكون الجلسات علنيّة، وسيتم تسجيلها صوتيًّا ومرئيًّا وحفظها في الأرشيف الوطنيّ، كما سيتم بثّ الجلسات الرئيسيّة على موقع إلكترونيّ مخصّص، وسوف يُسمح للضحايا والمتضرّرين الحضور في قاعة الجلسات، أو في غرفة مشاهدة خاصّة.
الأسئلة المتعلّقة بالقانون كثيرة ومنها ما يتعلّق بالمستقبل، خاصّة وأنه ينصّ في أحد بنوده على منع إطلاق سراح مسلّحي النخبة الذين اعتقلتهم إسرائيل وستتمّ محاكمتهم وفق القانون الجديد، وكما جاء في نصّه أن عمليّات إطلاق السراح ضمن صفقات التبادل المستقبليّة لن يشمل أيّ شخص مشتبه به، أو متهم أو مدان بارتكاب جريمة ضمن هجمات السابع من أكتوبر، في حالة تثير أسئلة حول ما إذا كان هذا البند سيحدّ من عمليّات أو محاولات اختطاف الإسرائيليّين أو سيدفع إلى مزيد من المحاولات، في تكرار للنقاش الذي تشهده إسرائيل منذ سنوات حول ما إذا كانت صفقات تبادل الأسرى والمختطفين تمنع عمليّات أو محاولات اختطاف إسرائيليّين أو أنها تزيد من احتمالات ذلك، وهو ما كانت لجنة شمغار التي تشكّلت بعد صفقة التبادل التي أطلق بموجبها عام 2012، سراح الجنديّ غلعاد شاليط، قد أشارت إليه وإلى إشكاليّة فيه سببها أن القانون الدوليّ يعتبر الأسير أنه جنديّ تم أسره من قبل كيان سياديّ أو دولة، وحركة "حماس" ليست كذلك.
المرحلة الأولى من مسيرة هذا القانون انتهت، وهي المرحلة التصريحيّة أو التقنية، التي تعني وضع الأسس القانونيّة للقانون الذي يهدف وفق مقترحيه (وبينهم وزير القضاء ياريف ليفين)، الذين عملوا بالتنسيق التامّ مع المستشارة القضائيّة للحكومة غالي بهراف ميارا، إلى توفير أساس قانونيّ لمحاكمات تتعلّق بأحداث أمنيّة كبرى، لكن إقراره رغم الأغلبيّة الساحقة التي حظي بها ، لا تعني أن تطبيقه سوف يبدأ فورًا خاصّة وأن المرحلة القادمة وملخّصها بناء وتشكيل آليّات تطبيقه ستشهد كما العادة جدلًا قانونيًّا وحقوقيًّا متواصلًا ، لكونه رغم ما سبق ،يثير جملة من المخاوف المرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة، خصوصًا في ظلّ الطابع العسكريّ للإطار القضائيّ، إضافة إلى احتمال تحوّل محاكمات الجرائم المرتبطة بهجمات السابع من أكتوبر، إلى إجراءات ذات طابع سياسيّ أو رمزيّ واستعراضيّ، يراد منه إضافة إلى إحقاق القضاء، كما جاء في مشروع القانون، الردع وردّ الصاع صاعين
ولتبرير تمرير قوانين عقابيّة متطرّفة، بدعوى "محاربة الإرهاب"، بضمنها قوانين تسمح بفرض عقوبة الإعدام أو تجعلها ملزمة، وهي قوانين ومواقف بقيت طيلة عامي 2023 و2024 ، مجرّد التزام سياسيّ فرضه الواقع، ولم تصل حدّ الالتزام القانونيّ، ولكن استمرار طرح المقترحات في أروقة اللجان البرلمانيّة وعلى ضوء التطورات التي رافقت هجمات السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبها من حرب طويلة ودامية مع حركة "حماس"، أحدثت تحولًا في منطلقات ومبرّرات وحيثيات النقاش حول الأمر، والذي لا يخلو ولم يخلُ من منطلقات ودوافع سياسيّة وشعبويّة ضيّقة تريد استدرار التأييد والعطف رغم تيقّن أصحابها من أن الحديث شيء والتنفيذ والفعل شيء آخر. ويبدو أنه ومع إنهاء صفقات التبادل الأخيرة وإغلاق ملفّ الرهائن والمختطفين الأحياء، لم تعدّ الحكومة تعتبر وجود أسرى إسرائيليّين حاجزًا أمام إقرار عقوبة الإعدام، بل إن هناك من يؤكّد إنه تم توظيف هذا الواقع لتبرير تشريعات تضمن عقوبة الإعدام باعتبارها الردّ النهائيّ والملائم والمناسب على هجمات السابع من أكتوبر عمليّات الخطف والهجمات المستقبليّة.
ويبقى السؤال والذي سيتكفل المستقبل بالردّ عليه، وهو هل تعني قوانين الإعدام انطلاق مرحلة جديدة في الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، تكون جوانبها القضائيّة دمويّة وقاتلة، تشكّل استمرارًا مباشرًا لساحة الحرب ومجرياتها التي تكون في كثير من الأحيان غير عقلانيّة وغير منطقيّة، أم أن جهاز القضاء سيبقى تلك المساحة العقلانيّة والواعية التي تبحث عن العدالة وليس الانتقام؟؟ انطلاقًا من كون العدالة والانتقام واحدًا من ردود الفعل الممكنة على الظلم والجريمة ، لكنهما يختلفان في الغاية المرجوّة من كل منهما، فالعدالة ترنو إلى العقاب كوسيلة للإنصاف والإصلاح عبر آليّات محايدة وقانونيّة، أما الانتقام، وهو في العادة ردّ فعل عاطفيّ، وربما غرائزي لأشخاص وأفراد وليس لدول، فيسعى إلى إلحاق الأذى بالمجرم ومواجهة الفعل بفعل مماثل له في نفس الاتجاه ونفس النتيجة، وهو ردّ غالبًا ما يعني إشباع الغرائز واستمرار دوّامة العنف ولا يحلّ الصراع... فما الذي يريده الطرفان وماذا وكيف ستكون النتيجة وخاتمة الأمور؟؟ .
علينا أن ننوّه إلى ما سيكون عليه موقف الأحزاب اليمينيّة المتطرّفة، أو الأطياف الإسرائيليّة السياسيّة والحقوقيّة وغيرها، الحاقدة على "حماس"، في حال قرّرت المحكمة العسكريّة التي سيتم تشكيلها لتطبيق هذا القانون، إذا تقرّر في النهاية عدم فرض عقوبة الإعدام، رغم الإدانة لهذا المتّهم أو ذاك، وإذا ما قرّرت محكمة الاستئناف تبرئة ساحة متّهم ما، من التّهم المنسوبة إليه، خاصّة أن هناك سابقة في هذا الخصوص، حيث كانت المحكمة المركزيّة الإسرائيليّة، قد أدانت إيفان ديميانيوك عام 1988بارتكاب جرائم ضد الإنسانيّة، وارتكاب جرائم قتل بحقّ اليهود خلال المحرقة النازيّة، لكن محكمة الاستئناف العليا برئاسة القاضي مئير شمغار في حينه، قبلت عام 1993 الاستئناف المقدَّم ضد الإدانة، وأعلنت تبرئته من التهم المنسوبة إليه، فهل ستملك المحاكم العسكريّة المُقامة وفقًا لقانون الإعدام وخصّيصًا لتنفيذه، الجرأة على تبرئة متّهم أو متّهمين ، على خلفيّة هجمات السابع من أكتوبر؟؟ هذا هو السؤال الأهمّ، والإجابة عنه هي الأصعب!!.

















