هل ستعود العلمانيّة إلى إيران بدلًا من التزمّت الدينيّ؟
بين تصريحات كافّة الأطراف ذات العلاقة بالوضع في إيران مؤخّرًا، واحتمالات الضربة العسكريّة، وأولها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والتي بدأت بوعد قاطع للمحتجّين في شوارع طهران والمدن الإيرانيّة المختلفة بمساعدة فوريّة كانت في الطريق، واستمرّت بتراجع لبق مردّه أنه تلقى معلومات مؤكّدة حول وقف النظام الإيرانيّ.
عمليّات القمع وخاصّة عمليّات الإعدام وصولًا إلى إعلانه بعد هجوم آية الله خامنئي المرشد الأعلى التي هاجم فيها ترامب شخصيًّا، بأنه حان الوقت لقيادة جديدة في إيران، وأن المرشد الإيرانيّ علي خامنئي يتحمّل المسؤوليّة عن تدمير بلاده بالكامل، وثانيها القيادة الإيرانيّة التي قمعت المحتجّين، ووصفهم الرئيس الإيرانيّ مسعود بازاكشيان بمثيري الشغب، بينما وصفهم مسؤولون حكوميّون آخرون في إيران بـالإرهابيّين،
وصولًا إلى اتهام ترامب بالتحريض على الاضطرابات والتسبّب بسقوط القتلى، وانتهاءً بالقول إن الولايات المتحدة أبلغت طهران أنها لن تهاجمها عسكريًّا، وثالثها المعارضة الإيرانيّة التي حاولت ركوب موجة الاحتجاجات،
دون أن تعرض أيّ بديل واضح ومتّفق عليه يكون فيه الجديد والتجديد، ورابعها إسرائيل التي حاولت أن تنسب لنفسها سبب اندلاع الاحتجاجات فاعتبرتها في بعض محافلها السياسيّة والإعلاميّة نتيجة حرب حزيران 2025، وتحدّثت عن ضرورة، بل قرب انهيار النظام ولوّحت بخليفته وهو رضا فهلوي نجل الشاه الإيرانيّ السابق محمد رضا فهلوي، وحذّرت من ضربات انتقاميّة إيرانية إذا قصفت واشنطن طهران، بين كلّ ذلك خيط رفيع واحد قوامه مقولتي الفيلسوف فولتير المولود في القرن السابع عشر، أوّلهما وتحديدًا في حالة موقف ترامب من الهجوم العسكريّ على إيران بسبب قمع الاحتجاجات، أو الاكتفاء بعقوبات اقتصاديّة وهجمات سايبر،
تؤدّي إلى شلّ مشروع الصواريخ بعيدة المدى( البالستيّة)، أن كل طغيان يبدأ بادّعاء الفضيلة ، والمقصود هنا ليس فقط الفضيلة بمعناها الدينيّ الضيّق، بل الفضيلة بمعناها الواسع الذي يشمل الحديث عن أن أمرًا ما، أو قرارًا سياسيًّا محلّيًّا، أو عالميًّا ما، يجيء بداعٍ أو بادّعاء ضمان الحرية الشخصيّة وحقوق الإنسان والاستقلال القوميّ وردّ الاعتبار وتصليح الغبن السياسيّ والاجتماعيّ والقضائيّ، وضرورة تصحيح مسار من اعوجَّت سبُلهم، والتي تشكّل في كثير من الأحيان شماعة يعلّق عليها السياسيّون كافّة تصرّفاتهم وأعمالهم من جهة، وفزّاعة يهدّدون بها خصومهم ومعارضيهم والمحتجّين ضدّهم عبر اتهامهم بالمسّ بالأمن القوميّ والتعاون مع العدو،
وتلقي الدعم من جهات معادية هي إسرائيل والولايات المتحدة في حالة إيران والاحتجاجات فيها، وتبيري الحالتين السابقتين، حالة الشماعة والفزّاعة، بتبريرات منمّقة وجميلة قد تبدو اليوم مناقضة لما كان بالأمس، أو مناقضة للواقع والحقيقة، وهنا يصحّ القول الثاني لفولتير وهو أن السياسة هي الوسيلة التي يتبعها رجال بدون مبادئ لقيادة رجال( أناس) بدون ذاكرة، وبالتالي لا تعدو خاصّة في حالتنا هذه كونها معركة تصريحات رنّانة، تخفي الحقيقة من جهة وتخدم مصالح من يطلقها من جهة أخرى.
والحقيقة هنا معقّدة ومركّبة ، فما يحدث في إيران من احتجاجات وردّ السلطات عليها وتحديدًا قمعها عسكريًّا ما أسقط آلاف القتلى باعتراف السلطات الرسميّة التي قدّرت العدد بخمسة آلاف، وأميل جازمًا إلى أن العدد الحقيقيّ أكبر بكثير ويبلغ نحو 16000 كما أعلنت الصحف البريطانيّة استنادًا إلى مصادر استخباريّة، يؤكّد أمورًا عدّة أولها ضعف النظام الحاليّ خاصّة بعد الضربات العسكريّة الأخيرة الأميركيّة والإسرائيليّة في حزيران 2025، واستمرار العقوبات الاقتصاديّة التي فرضتها الولايات المتحدة منذ العام 2018 وتراجع الدعم الروسيّ الاقتصاديّ والعسكريّ خاصّة بعد تورّط روسيا منذ سنوات في حرب مع أوكرانيا، وليس ذلك فقط، بل يشير إلى بداية انكسار حاجز الخوف من النظام، فهي ليست المرّة الأولى التي تشهد إيران احتجاجات فيها، لكنها كانت محصورة جغرافيًّا ومحدودة عرقيًّا كاحتجاجات الأقليّة العربيّة في منطقة الأحواز،
لكنها كانت هذه المرّة عامّة وشاملة شارك فيها الجيل الشاب ، الذي بات يعتبر استمرار النظام الحاليّ، نظام ولاية الفقيه والسلطة المطلقة لرجال الدين وتوجّهاتهم التي تركّز على تصدير الثورة الإسلاميّة الخمينيّة إلى الخارج وخلق جهات ومنظّمات عسكريّة تابعة تموّلها طهران بمليارات الدولارات، بينما يعاني شعبها وضعًا اقتصاديًّا متدهورًا وتتراجع قيمة العملة الإيرانيّة، وارتفاع نسبة البطالة وخنق حريّة التعبير عامّة وحريّات المرأة خاصّة، وكلها ظواهر لا تخفّ حدّتها، بل تزداد كلما طال أمدها، ومن هنا كان الردّ الرسميّ وبهذه القسوة دليل ضعف وخوف. وكانت الاتهامات التي رافقته واتهمت المشاركين فيه بالعمل وفق أوامر خارجية أميركية وإسرائيلية ،
محاولة ترهيب وتخويف ودمغ للاحتجاجات بأنها سياسيّة وهي ليست كذلك، ولكن الأهمّ من ذلك أن بوادر الضعف لم تكن نحو الداخل فقط، بل خارجيّة أيضًا تجاه الولايات المتحدة وذلك عبر مدّ اليد إليها في محاولة لمنع الضربة العسكريّة التي كانت في لحظة ما مسألة وقت، خاصّة بعد أن أعلن ترامب أن المساعدة في الطريق، وهو خطوة امتنعت إيران في الماضي عن القيام بها، وأصرّت على المواجهة سواء مع العراق في حرب الخليج عام 1980 أو مع إسرائيل حول الأسلحة النوويّة والصواريخ البالستيّة بعيدة المدى، وملخّصها أنها ورغم إدراكها أن ضربة عسكريّة أميركيّة متزامنة مع الاحتجاجات الشعبيّة لن تؤدي إلى الانهيار المباشر للنظام،
أو الانهيار الفوريّ له، إلا أنها تدرك حقّ المعرفة أنها سوف تسرِّع من انهياره ، بل أكثر من ذلك فالقيادة في إيران تشعر اليوم أن خطر انهيار نظامها قائم وربما مسألة وقت تطول إذا أجادت التصرّف بعقلانيّة وتصبح قصيرة إذا واصل تعنّته، خاصّة بعد انهيار ركائزه في لبنان وسوريا والعراق وغزة واليمن ولو بشكل جزئيّ، وبالتالي ضعفها وهو ما تجلى في موقف الدول الجارة في الخليج والتي طالبت الولايات المتحدة بعدم شنّ حرب شاملة على إيران،
ربما من منطلق أمرين أولهما إدراكها أنه من الأفضل أن تكون ضعيفة بدلًا من انهيارها والفوضى العارمة التي قد يخلقها ذلك، وإيمانها أن تغيير السلطة في إيران قادم وبالتالي ستنتهي معه موضة أنظمة الحكم، أو الجماعات المنتمية إلى تيار دينيّ شيعيّ كحزب الله، بعد أن انتهت تلك التي تنتمي إلى تيار دينيّ سنيّ كما حدث في مصر وغزة، وغيرها.
والحقيقة مركّبة ومعقّدة أكثر بالنسبة للمعارضة الإيرانيّة والتي حاولت استغلال وتعزيز الاحتجاجات، دون أن تقف وراءها، مع ذلك، فمشكلة المعارضة الإيرانيّة لا تتوقّف عند صورة وشخص رضا فهلوي الذي وصفه البعض بأنه معارضة ضد المعارضة،
خاصّة وأنه لا يملك أيّ رصيد نضاليّ، أو شعبيّ أو سياسيّ يذكر،ومن هنا مصدرالشكوك التي تدور حوله، خاصّة وأن اسمه تردّد من قبل أميركا وإسرائيل في الوقت نفسه، ما يجعله إذا وصل السلطة، زعيمًا وصلها على ظهر الطائرات الأميركيّة والقوة العسكريّة الإسرائيليّة، فضلًا عن أن أحدًا لا يُعرف بالضبط مدى الدعم الشعبيّ الحقيقيّ له، فنتائج الاستطلاعات حول ذلك متفاوتة يمنحه أفضلها نحو 30 بالمائة فقط، وبالتالي لا يملك الأغلبيّة، وفوق كلّ ذلك لم تنجح المعارضة الإيرانيّة التي تتكوّن من جماعات مختلفة مصالحها متفاوتة، وربما متناقضة منها جماعات تشكّلت على أساس عرقيّ منها الأكراد والبلوش والعرب الأذربيجانيين وغيرهم،
إلى جانب جماعات قوميّة فارسيّة وجماعات ما زالت تدين بالولاء والحنين للحكم الملكيّ المشابه لأيام الشاه، ومنظّمات يساريّة ومسلمون يمكن وصفهم بأنهم تقدميّون وسنّة ومنظّمات مسلّحة منها منظمة مجاهدي خلق اليساريّة المسلّحة، وهي فئات ما زالت حتى اليوم ورغم احتجاجات عام 2022 بعد مقتل الشابة ماسة أميني على أيدي الشرطة، تعمل دون تنسيق أيًّا كان، بل كمنظّمات متنافسة دون محاولة بناء تفاهمات وتوافقات شاملة بينها، وبالتالي كان تكرار اسم رضا فهلوي في عيون الكثيرين بشكل أو بآخر استمرارًا لنهج توريث السلطة، وهنا انتقالها من الوالد الذي تمّت تنحيته إلى ابنه، بدلًا من توريثها دينيًّا ومن قبل المجلس الأعلى للثورة الإيرانيّة، وباختصار معارضة تجمعها الرغبة الفضفاضة في إسقاط النظام لكنها منقسمة أيديولوجيًّا، وعاجزة عن صياغة استراتيجيّات عمل مشتركة تضمن ليس فقط إسقاط النظام، بل خلق بديل حكم له.
التعقيد وعدم الوضوح هو سمة الموقف الأميركيّ المتغيّر، والذي تحدّث عن عملٍ عسكريٍّ وشيك في إيران وربما خلال يومين أو أقلّ، ورافقه تصريحات إسرائيليّة حول أن إدارة ترامب قرّرت التدخّل عسكريًّا في إيران، إضافة إلى أنباء عن دعوة ترامب للمتظاهرين السيطرة على مؤسّسات الدولة، في إشارة فهمت على أنها تعني أن الحديث عن هجوم انتقل من مرحلة التحذير إلى مرحلة التنفيذ القريب. وهو أمر استوجب مناقشة جادّة حتى من قبل الرئيس ترامب رغم تسرعه ونزواته، لمرحلة ما بعد العمليّة العسكريّة ومناقشة تأثيراتها الجيوسياسيّة الإقليميّة والدوليّة،
وسط قناعة، بل اتفاق بين الجميع على أن عملًا عسكريًّا سريعًا وموضعيًّا مهما بلغت شدّته، لن يؤدّي إلى الإطاحة بالنظام الإيرانيّ في المستقبل القريب، بل أكثر من ذلك فإنه قد يمسّ بالجهود الدبلوماسيّة وإمكانيّة استئناف المفاوضات بين أميركا وإيران بهدف إيجاد حلّ دبلوماسيّ للخلاف حول البرنامج النوويّ الإيرانيّ، وإذا كان ذلك لا يكفي فإن موقف الولايات المتحدة من حقيقة ما يجري في إيران، كان أشبه بموقف المعارضة الإيرانيّة من حيث الرغبة ربما في إسقاط النظام،
ولكن باختلاف جوهريّ واحد كانت ابرز سماته التناقض في موقف واشنطن من الاحتجاجات في طهران والتي اعتبرها ترامب انتفاضًا على الدكتاتوريّة ورغبة في حياة ديمقراطيّة، وبالمقابل سمّاهم الرئيس الإيرانيّ مثيري شغب، في ذات الوقت الذي يتخلّى فيه ترامب عن بسط الديمقراطيّة في فنزويلا، مكتفيًا باعتقال، بل اختطاف الرئيس مادورو بتهمة تهريب المخدرات مع إبقاء باقي عناصر النظام في مناصبهم،
بل التخلّي عن زعيمة المعارضة الفنزويليّة ماريا كورينا ماتشادو ووصفها بأنها لا صلة لها بحكم فنزويلا، بل إنه هو من سيدير فنزويلا بنفسه بدلاً من إجراء انتخابات، فضلًا عن أن ترامب ينظر إلى كلّ احتجاج في العالم من منظوره الضيّق، فيدين قمع المحتجين في إيران ويعتبره عملًا غير مقبول يستوجب التدخّل العسكريّ، ثم يتنازل ويتراجع ويعتبر وقف الإعدامات سببًا كافيًا لعدم القيام بعمل عسكريّ، فالمسألة في هذا السياق بالنسبة له كرجل أعمال تتعلّق بالأعداد، بينما هو يبّرر بل يدعم العنف واستخدام القوة ضد المتظاهرين الذين يتحدّونه أو يتحدّون سياساته، ويرسل الحرس الوطنيّ لمواجهتهم ويسميهم بالإرهابيّين ويتغاضى عن قيام موظّفي سلطة الهجرة مثلًا بقتل المواطنة رينيه نيكول غود في مينيسوتا، وكان قد اختطف مادورو بحجّة الشفافية والديمقراطيّة،
أي أنه يدين الاستبداد في إيران وكوبا وفنزويلا ، لكنه لا يفعل ذلك إزاء ما يحدث في روسيا أو الصين، وليس ذلك فقط، بل إنه وبدلًا من الوقوف إلى جانب أوكرانيا ، وصف رئيسها المنتخب فولوديمير زيلينسكي بأنه ديكتاتور بلا انتخابات، كما ينتقد الدول الديمقراطيّة في أوروبا ويتهمها بالتسامح مع الحركات المتطرّفة ، ويعقد اتفاقيّات مع دول عربيّة غير ديمقراطيّة لا حقوق فيها. ومن هنا علينا أن نتساءل حول جدوى ومصداقيّة تصريحات ترامب هنا وفي باقي القضايا، وهل هناك استراتيجيّة وراءها أم أنها مجرد تكتيك قصير المدى وربما مجرد حيلة و خداع ، وليست محاولة حقيقيّة وجادة لتهدئة الأوضاع.
وهو الحال بالنسبة للموقف الإسرائيليّ، والفوارق واضحة بين الموقف المعلن والحقيقيّ، فالمعلن بالنسبة لإسرائيل هو أنه ما دام نظام آية الله موجودًا في إيران، حتى لو كان ضعيفًا ومهزوزًا، فإنها ستواصل استخدامه شماعةً وفزَّاعة في الوقت نفسه، فهو فزاعة تستخدمها الحكومات المتعاقبة خاصّة تلك برئاسة بنيامين نتنياهو للحصول على دعم الناخبين عبر إيهامهم أن إيران خطر وجوديّ، وأن نتنياهو واليمين الاستيطانيّ والخلاصيّ معه هما الضمان الوحيد لكبح جماح طهران، كما أنها فزّاعة تستخدمها لاستدرار عطف ودعم الولايات المتحدة والدول الأوروبيّة، ووسيلة لإقامة علاقات تعاون أمني مع بعض الدول الخليجيّة ومحاولة إقامة حلف أطلسيّ سنيّ، وفي ذلك تصدق الآية : " وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم"، لكنها تدرك في الحقيقة أن سقوط النظام الحاليّ لن يضمن نظامًا أقرب إليها أو نظامًا تريده هي، بل ربما فوضى جديدة تجعل المنطقة كلّها فوق صفيح ساخن وتعزّز سباق التسلّح، وربما ستخسر إسرائيل حينها تحالفاتها، أو علاقاتها مع دول خليجيّة باعتبار خطر البعبع الإيرانيّ قد زال.
وهي دول تعتبر وجود إيران بهذا الشكل أمرًا ربما يمنع تحقيق طموحات إسرائيليّة في الخليج وسوريا والعراق ولبنان، كما أن انهيارها لن يضمن، كما تؤكّد مصادر إسرائيليّة عدم نشوء نظام يعاديها من منطلقات قوميّة، أو طائفيّة وربما زيادة قوة وتأثير تركيا وقطر خاصّة على ضوء علاقتهما المميزة بإدارة ترامب والتي منحتهما دورًا في المرحلة الثانية والهامّة في غزة خلافًا لموقف نتنياهو المعلن.
ولا يخفى على إسرائيل أن تصاعد قوة الحركات الدينيّة لم يقتصر على العالم الإسلاميّ فحسب، بل يجب الإشارة إلى تصاعد نفوذ الإنجيليّين في العالم المسيحيّ والمستوطنين الخلاصيّين المتطرّفين في إسرائيل ذاتها والعالم اليهوديّ، وبالتالي فإن الإطاحة بنظام آية الله قد يؤدّي في حالة ما إلى تراجع نفوذ الدين، بنسخته السياسيّة القوميّة، خارج إيران أيضًا،
وربما يصل هذا إسرائيل ايضًا، وعندها ستضطرّ القيادات إلى وضع استراتيجيّات عمل جديّة، والكفّ عن إطلاق الشعارات الغوغائيّة التي تتعمّد الترهيب وإخضاع المواطنين عبر إخافتهم من تهديد وهميّ ربما، لكنه يمكن السياسيّين من مواصلة تضليل الرأي العامّ في كافّة المناطق في العالم،
والسيطرة على مقدراته ومصالحه وسرقة مستقبله وحرمانه من أمل المستقبل، عبر ترديد تصريحات تجعله يقتنع أنها صحيحة وبالتالي يواصل تأييد من يطلقها. وهي حالة سياسية كان فلتير قد وصفها بأنها السرقة السياسيّة، أو الخداع والتضليل السياسيّ وهو القاسم المشترك بين الأطراف التي ورد ذكرها في المقال.
ختامًا، عودًا على بدء، وعودة إلى فولتير الذي يلخّص السرقة السياسيّة والتضليل السياسيّ وظاهرة قبول الجماهير، خاصّة تلك الفقيرة والمقموعة والمتديّنة سلطة السياسييّن ورجال الدين ودكتاتوريّتهم وتصرّفاتهم ومواقفهم دون اعتراض أو نقاش أو محاسبة، مهما كانت نتائجها كارثيّة على المواطنين العاديّين ، وإيران مثالٌ ساطع على ذلك بفقرها وتراجعها الاقتصاديّ والأكاديميّ والاجتماعيّ وفي مجال الحريّات،
والمعارضين داخلها أيضًا والذين كانوا هذه المرة، على استعداد للتعلّق بحبال الريح ووعود قد تكون عرقوبيّة قادمة من واشنطن حول الخلاص والديمقراطيّة، وكما حدث في العراق قبل ثلاثة عقود حين رشّحت واشنطن الدكتور أحمد شلبي المعارض العراقيّ، قبل حرب الخليج الأولى ،لاستبدال صدام حسين الرئيس العراقيّ،
بعد أن تقوم واشنطن بإسقاطه، ولكن اتضح وبعد أن موّلته بمئات ملايين الدولارات ، أنه خدعها بمعلومات مخطوءة ومقصودة حول أسلحة للدمار الشامل في العراق، وبعد أن اتضح أن الدعم الشعبيّ الذي ادّعى أنه يمتلكه كان مجرد فقاعات إعلاميّة، فيحذر من السارق السياسيّ ، وليس العادي الذي يسرق مالًا أو أغراضًا، فالثاني يسرقنا في حاضرنا ويتعرّض للعقاب، أما الأوّل فيسرق المستقبل ويستغلّ منصبه لسرقة حق ّالشعوب في العيش الكريم والتعليم والصحّة، والأنكى أننا اخترناه وساعدناه في الوصول إلى منصبه، وربما نعيد اختياره مرة أخرى رغم ذلك، لتواصل خلط الدين بالسياسة. وهي تلك التي قال عنها فولتير:" أسوأ الحكومات هي تلك التي تخلط الدين بالسياسة". وهذا حال المنطقة وربما العالم اليوم.
لا بدّ أن نتذكّر بأن الرئيس الأمريكيّ قد يقوم بتعديل في قيادة النظام الإيرانيّ وليس إلغاء النظام برمّت،ه وعندها لا أستبعد بأن من سيخلف سلطة الفقهاء سيكون علمانيًّا. وعندها قد يقع التغيير الجذريّ بإلغاء الثورة الخمينيّة، وإعادة العلمانيّة بديلًا للتزمّت الدينيّ، وذلك على ضوء فشل الثورة الدينيّة الشيعيّة الأيرانيّة في بناء دولة لصالح مواطنيها، وليس لتصدير فكرها ونهجها وثورتها الدينيّة المتزمّتة على الشعوب الإسلاميّة فعليه السؤال هل ستستبدل العلمانيّة التزمّت الديني!!













