الكاتب الذي تشمّ قصصه رائحة الأرض
محمد علي طه أسطورة الأدب الفلسطيني
حين يغلق الليل أبوابه على قرية مهجّرة، ويظل الحنين يطارد ذاكرة الطفولة في أزقة الحقول المدمّرة والمنازل التي لم يعد فيها سوى صدى الأصوات، يظهر قلم واحد قادر على أن يضيء الظلام، ويعيد للحياة روحها المسلوبة ، قلم كتب قصة الفلسطيني العادي، الذي عانى التهجير والضياع، وحوّل الألم اليومي إلى نصوص نابضة بالحياة، قصصًا تحمل بين أسطرها التراب والريح والذكريات التي لا تموت، هذا القلم هو قلم محمد علي طه، الأديب الفلسطيني الذي حمل على كاهله تاريخ شعب بأكمله، من ميعار المهجّرة إلى كابول الحاضرة، ومن المخيمات إلى القلوب، ومن تفاصيل الحياة اليومية إلى أعظم لحظات الكفاح، من الشتات إلى الحنين، ومن الألم إلى الصمود.
حين تغوص في عالم محمد علي طه، تشعر أن كل كلمة تكتبها شخصياته هي جزء من ذاكرة فلسطين، وأن كل قصة تنبض بالحياة كما لو كانت تنبض بها الشوارع، الحقول، الأطفال، النساء، الفلاحون، المخيمات، وحتى الحجر الذي يحمل ذكريات الأجيال ، في مجموعاته القصصية مثل لكي تشرق الشمس، سلامًا وتحية، جسر على النهر الحزين، عائد الميعاري ، يبيع المناقيش في تل الزعتر،
وردة لعيني حفيظة، عائد وحفيظة، ويكون في الزمن الآتي، النخلة المائلة، الولد الذي قطف الشمس، بير الصفا، العسل البري، في مدح الربيع، مدرّس الواقعية السحرية، الرجل الذي يبحث عن ظهره،
والمجموعة القصصية الكاملة من ثلاثة مجلدات، يلتقي الواقع بالخيال في لوحات سردية غنية بالصور، يصعب على القارئ أن يتركها قبل أن يعيشها بالكامل ، الألم والصمود، الحب والحنين، الطفولة والحكمة كلها تتلاقى في نصوصه، لتصنع صورة متكاملة للشعب الفلسطيني في أصغر تفاصيله وأعظم معانيه ،
"عائد الميعاري يمشي بين الطين والحجارة، يحمل صوانيه المليئة بالمناقيش، كأنها ذكريات القرية التي لم تعد هناك" كل قصة قصيرة لدى طه ليست مجرد حدث يُروى، بل تجربة حسّية كاملة، حيث تصير رائحة التراب، صوت الريح بين الأشجار، وقع خطوات الأطفال على الأرض الموحلة، وحتى عبق الخبز والمناقيش جزءًا من النص ، في هذه التفاصيل الصغيرة ينجح طه في تصوير حياة الفلسطيني العادي، المعاناة اليومية، والأمل الصامت الذي لا يموت، وصمود إنساني يتحدى الزمن والظروف.
وعندما ننتقل إلى رواياته مثل سيرة بني بلوط، نوّار العلت، عين الزيتون، ونوم الغزلان (سيرة ذاتية)، نكتشف أن طه يصنع من السرد رحلة زمنية، تمتد من النكبة إلى الحاضر، مع الحفاظ على كل رائحة، كل صوت، وكل ذكرى، وكأن الرواية سجل حي للذاكرة الجمعية الفلسطينية ،
الرواية عنده ليست مجرد حكاية عن الماضي، بل هي خريطة للمشاعر والهوية والجذور، رحلة عبر القرية والمدينة، عبر المخيم والفلسطيني المغترب، عبر قلب الإنسان الذي لم ينس وطنه حتى لو ابتعدت الأرض عنه "كل حجر في القرية يحمل صوت جدي، وكل شارع يروي قصة لا تموت، وأنا أكتب لأجعل الحكاية حية فينا."
محمد علي طه لم ينس الأطفال في مسيرته الأدبية، فقد كتب لهم قصصًا ممتعة ومليئة بالخيال مثل ليلى الحمراء، فرخ البط القبيح، بنيكيو، سندريلا، الأميرة رشا، ملك الفواكه، الحفلة الكبيرة، ماذا قالت الطيور؟، العصفورة العجيبة، وجبة فطور، السمكة السخية، القط الذي يتكلم لغتين، الفأر الشجاع، لغة الضاد، ديمة والحسون، الأرنب الفطين، أميرة الفصول، في حارة المهن، حيث يحوّل الواقع إلى عالم ساحر، ويزرع القيم والأخلاق، ويعلّم الأطفال أن القراءة ليست مجرد متعة، بل نافذة لفهم الحياة وفهم النفس والعالم "الطفل يرى العالم بعينيه الصغيرة، وأنا أكتب ليحلم بما هو أكبر من حدود الغرفة التي يعيش فيها."
محمد علي طه ليس مجرد كاتب، بل هو مرآة الشعب الفلسطيني، شاعر حكاياته، وناقد الواقع، وساحر الكلمات ، كل كلمة يكتبها لها وزنها، كل عنوان يحمل شحنة تاريخية، وكل نص هو شهادة حب لأرض وهوية لا تموت ، إنه الكاتب الذي تشمّ في قصصه رائحة فلسطين، وتشعر كما لو أن الأرض نفسها تتكلم من خلاله، وأن التاريخ والحاضر والحلم والواقع يتلاقون في كل سطر ، لقد حظي طه بتقدير واسع على المستويين الوطني والدولي، ونال جوائز وأوسمة من مؤسسات فلسطينية وعربية، وحصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة أوريل فلايكو في رومانيا، وكرّمته المؤسسات الثقافية لجمال كتاباته وإبداعه، ليس فقط لأدبه، بل لأنه جسّد فلسطين في أبسط تفاصيل الحياة اليومية وأعظم لحظات الكفاح.
محمد علي طه عضو في لجنة جائزة فلسطين في 2019 ورئيس لجنة جائزة فلسطين في 2020، وعضو اللجنة التنفيذية لمؤسسة محمود درويش منذ تأسيسها. وقد حصل على وسام القدس للثقافة والفنون والآداب من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في 1997، ووسام الاستحقاق والتميز من الرئيس محمود عباس في 2013، وجائزة ديوان العرب لأدب الطفل 2005-2006، وجائزة فلسطين للآداب 2015، وجائزة الإبداع من مجمع اللغة العربية في الناصرة عام 2017.
لقد زار وحاضر في مصر، الأردن، تونس، المغرب، سوريا، اليمن، البحرين، روسيا، الصين، كندا، رومانيا، ألمانيا، إيطاليا، تشيكيا، سلوفاكيا، بلغاريا، هنغاريا، لاتفيا، النمسا، سويسرا، بلجيكا، فرنسا، وكوبا، حيث شارك في ملتقيات أدبية وأكاديمية، وقدم محاضرات حول الأدب الفلسطيني وقوة القصّة في نقل الواقع والهوية.
إن حضوره وأعماله تجعل القارئ يعيش فلسطين بكل تفاصيلها، في الشتات والمخيم والمدينة والقرية، وتظل النصوص شاهدة على صمود الأجيال، على قوة الإرادة، وعلى قدرة الأدب أن يكون آخر حصن للهوية والذاكرة ، محمد علي طه، بقلمه وأعماله، لم يكتب فقط عن فلسطين، بل جعلها حية فينا، متوهجة في وعينا، لا تُمحى، لا تموت، وكأن كل نص هو رسالة حب للأرض والشعب والهوية، مكتوبة بحبر الصمود وشغف الإنسان الحر.
إن محمد علي طه هو الشاهد على النكبات، الصوت الذي لم يصمت، والقلم الذي يضيء الظلال، يحوّل الألم إلى أمل، والحزن إلى سرد خالد، ليبقى ذكره منارة لكل أجيال الأدب الفلسطيني والعربي، وشاهدًا على أن الكلمات يمكن أن تصون الهوية حين يغيب العالم، وأن الأدب هو آخر حصن للذاكرة وللحلم، وحين يكتب طه، تحيا فلسطين فينا جميعًا.
آمال ابو فارس المربية الاديبة والشاعرة, المسؤولة عن زاوية المنتدى الثقافي. يمكنكم الاتصال بها Amlabo@walla.com او على هاتف 0549026108


















