إستراتيجيّات الحرب فشلت
وإعادة الإعمار مُكلِفة، فإلى أين تتّجه الدول المتخاصمة؟, رغم أنها تمامًا كما كلّ الحروب التي سبقتها، ويقينًا تلك التي ستليها، وليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في كافّة أرجاء المعمورة، ومع اختلاف الأسباب والمبرّرات، تلك الصحيحة وتلك المضلِّلة، أي أنه لها معالمها وقواعدها وخواصّها التي تحدّد سيرها ومدّتها وتعرّجاتها، وبالتالي نتائجها وتداعياتها سواء على المدى القريب أو البعيد، باعتبار الحرب عمليّة مركّبة أكثر ممّا يبدو للعيان من حيث الإستراتيجيّات والأهداف المُعلنة منها والخفيّة
وكذلك ما يمكن أن يُقال فيها عنها، وما يُسكت عليه طوعًا، أو بفعل الرقابة المفروضة، وهي هذه المرّة في إسرائيل غير مسبوقة من حيث الحدّة والشدّة، ورغم أن الوقت ما زال مبكّرًا لمعرفة نتائج وآثار الحرب الحاليّة خاصّة على الصعيد الإسرائيليّ الداخليّ، إلا أنه ليس من المبكّر، بل من الضروريّ وحتى الواجب الأخلاقيّ والإنسانيّ بمفهومه الواسع، ومن الواجب السياسيّ بمعناه الموضوعيّ أيضًا من حيث فحص النوايا والخبايا وعدم قبول تصريحات السياسيّين على أنها نصوص مقدَّسة دون سؤال أو استفسار،
أو توضيح ومن باب واجب الصمت حين تدوي المدافع، يبدو أنها تختلف عن غيرها من الحروب، حتى تلك التي سبقتها في غزة بعد هجمات السابع من أكتوبر عام 2023 ولم تنته بعد، من حيث كميّة ونوعيّة وأهمية الأسئلة التي تدور حولها وبعضها مصيري للغاية، وعلى الصعيدين الداخليّ والخارجيّ في كلّ الدول التي تشارك في الحرب مباشرة وهي إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة،
وتلك المتضرّرة بسببها دون ذنب لها في نظر نفسها على الأقلّ، وهي دول الخليج ابتداءً من السعوديّة مرورًا بالبحرين والكويت والإمارات وانتهاءً بقطر ، وحتى وصولًا إلى تركيا والعراق، وهي أسئلة من المهمّ طرحها رغم ضجيج الحرب، وربما بسببه وتتلخّص في نهاية المطاف ورغم تشعّباتها الداخليّة في ثلاثة جوانب أساسيّة، هي حربُ من هذه، وما هي مبرّراتها الحقيقيّة، وما هي أهدافها الخفيّة مقارنةً بتلك العلنيّة، وهي أسئلة لا يمكن تأجيلها، ولا تكفي للردّ عليها تلك الإجابات المبتذلة والمختصرة، بل تتطلّب إجابات واضحة .
إسرائيليًّا، وقد أتمّت الحرب شهرها الأوّل بدأت تطفو على السطح تلك الأسئلة ولو بحياء واستحياء، لكنّها أسئلة حثيثة وحقيقيّة، تشير مع استمرار انخفاض نسبة الإسرائيليّين المؤيّدين لاستمرار الحرب مع إيران من نحو 90% في بدايتها إلى قرابة 60% أو أقلّ في هذه الأيام، إلى بداية مرحلة يطرح فيها الإسرائيليّون أسئلة دون أن يكتفوا، كما في بداية الحرب، بشعارات يطلقها الساسة من أن الحرب سوف تستمرّ بقدر ما يلزم،
أو تلك الشعارات التي تكرّر الحديث عن الاقتراب من نقطة حسم المعركة، أو القول إن الجبهة الداخليّة قويّة ومتماسكة تمامًا كما الجيش وقوّاته، بل إن الأسئلة التي تطرح تتطلّب إجابات واضحة، بدءًا من السؤال حول ما تمّ تحقيقه حتى الآن خاصّة وأن الإعلام الإسرائيليّ ورغم الرقابة المفروضة عليه، يكرّر مرّة تلو الأخرى أنه تم قصف أهداف كانت إسرائيل والولايات المتحدة قد قصفتاها في حرب الاثني عشر يومًا في حزيران من العام 2025،
وصولًا إلى السؤال حول ما تريد إسرائيل تحقيقه فعلًا، وما إذا كان ذلك واضحًا لقادتها أم أنهم هم أيضًا، دخلوا الحرب دون أهداف واضحة، أو أنهم منّوا النفس بإنجازات سريعة يعترف البعض كما اعترفوا قبل الحرب أنها ضرب من الخيال وأولها استبدال النظام الحاكم في إيران، وتنصيب نجل الشاه المخلوع حاكمًا على إيران/يمكن تسميته الحاكم بأمر إسرائيل وأميركا، إ ضافة إلى السؤال حول ما ينتظر المدنيّين في إسرائيل حتى نهاية الحرب.
وهل تملك حكومتهم أصلًا تصوّرًا أو بداية للتصوّر، المتعلّق بنهاية الحرب التي كانت قد حدّدتها بعدّة أيّام على أقصى حدّ وربما ساعات استنادًا إلى ما نشرته صحف أميركيّة حول سيناريو رسمه الموساد تنبّأ بسقوط النظام بفعل ضغوط بين فكي كمّاشة الضربات العسكريّة الإسرائيليّة والأمريكيّة وانتفاضة شعبيّة في إيران يساندها غزو أو عمل عسكريّ يزحف فيه مئات آلاف الجنود الأكراد إلى طهران،
وكلّها نبوءات تحطّمت على أرض الواقع، ناهيك عن السؤال الملح حول الشفافية والوضوح، أو انعدام ذلك بكلمات أصحّ، وأعني امتناع القيادة السياسيّة تحديدًا عن مصارحة المواطنين بأثمان الحرب وتكاليفها، وضرورة مساعدة المواطنين عامّة وخاصّة أصحاب المصالح التجاريّة وجنود الاحتياط الذين يتمّ استدعاؤهم للمرّة العاشرة على التوالي منذ أكتوبر 2023 دون أيّ اهتمام حكوميّ ما يدفعهم وأفراد عائلاتهم إلى حافة الانهيار الاقتصاديّ والاجتماعيّ،
وفوق ذلك قرارات سياسيّة وحكوميّة ومنها التصويت إلى جانب قانون تنفيذ حكم الإعدام بحقّ فلسطينيّين أدينوا بجرائم قتل إسرائيليّين اقترحه حزب إيتمار بن غفير المتزمّت والمتطرّف، وقبله إقرار ميزانيّة العام الحالي 2026، والتي تشمل مليارات الشواكل لدعم اليهود المتزمّتين الذين يرفضون الخدمة العسكريّة ودعم المستوطنين ، على حساب ميزانيّات التعليم والصحّة ودعم الجنود، خاصّة وأن ذلك يتزامن مع تحذيرات رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيليّ الجنرال أيال زمير ، حول نقص يقدر بأكثر من 12000 جنديّ في الجيش يجب توفيرهم فورًا،
وإلا سينهار الجنود تحت طائلة العبء العمليّاتيّ، وهي تصريحات رغم كونها إشارات إنذار حمراء فاقعة، لم تحرّك الحكومة شيئًا لمواجهتها، بل ردّت عليها بمهاجمة رئيس هيئة الأركان واّتهامه بإضعاف الجيش، ما يؤكّد أن الحكومة تريد استمرار الحرب بغضّ النظر عن التكاليف المدنيّة والعسكريّة ولغاية في نفسها، وهذا كلّه قبل بل دون التطرّق إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو،
والذي اتّضح أنه نجح في جرّ الرئيس ترامب إلى هذه الحرب، التي أرادها وربما يريد لها أن تطول وتتواصل، لغايات شخصيّة منها أنه يواجه تحدياّت سياسيّة وقضائيّة داخليّة، ولذلك يستند إلى الاعتقاد الإسرائيليّ السائد والمثبت تاريخيًّا، أن الحروب لطالما كانت ة وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسيّ الداخليّ وتوحيد الصفوف خلف القيادة، رغم أن كل الحروب التي فتحها نتنياهو لم ينهها،
ولذلك يميل كثيرون للاعتقاد أن ذلك يجيء للبقاء في السلطة والإفلات من محاكماتٍ تلاحقه ، مع الإشارة تحديدًا إلى أن هذه الحرب تأتي في سنة انتخابيّة يريد الخروج منها برئاسة جديدة للحكومة تجعله رئيس الحكومة الأطول عهدًا على الإطلاق، وتؤكّد كونه بطل إسرائيل وحاميها الذي يحارب العماليق على كل الجبهات وينتصر عليهم، عبر إعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط بفعل تفوّق إسرائيل عسكريًّا وسياسيًّا، وضعف خصومها المباشرين وغير المباشرين، والسؤال حول ما إذا كانت إسرائيل تربط بين المواجهة العسكريّة مع إيران وتلك الحالية مع حزب الله، أم أن وقف أحداها وهي إيران بقرار دونالد ترامب لا يعني وقفها على الجبهة الثانية، بل استمرارها إلى حين نزع سلاح حزب الله!!.
وإذا كان ما سبق لا يكفي جاء السؤال الأساسيّ إسرائيليًّا، وملخّصه أنه كيف يمكن لتصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول ضرورة منع إيران من صنع وامتلاك قنبلة نوويّة، بل قربها أو اقترابها من ذلك، أن يتفق مع اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي والذي كان من أشدّ المعارضين لامتلاك أسلحة نوويّة وليس ذلك فقط بل اشتهر بفتواه المعروفة حول ذلك منذ منتصف تسعينيّات القرن الماضي،
والتي جاء فيها قوله:"نؤمن بأنه بالإضافة إلى الأسلحة النوويّة، تشكّل أنواع أخرى من أسلحة الدمار الشامل، كالأسلحة الكيميائيّة والبيولوجيّة، تهديدًا خطيرًا للبشريّة. إن الشعب الإيرانيّ، الذي عانى بنفسه من ويلات الأسلحة الكيميائيّة، يشعر أكثر من أيّ شعب آخر بالخطر الذي يمثّله إنتاج وتخزين هذه الأسلحة،
وهو على أتمّ الاستعداد لاستخدام كافّة الوسائل المتاحة لديه لمواجهة هذه التهديدات. نعتبر استخدام هذه الأسلحة حرامًا، ونؤمن بأن من واجب الجميع العمل على حماية البشريّة من هذه الكارثة العظيمة"، وكيف تتّفق الحرب وعمليّة الاغتيال ونتائجهما المؤقّتة والمرحليّة على الأقلّ، وتحديدًا صعود قيادات أكثر تزمّتًا وتطرّفًا من خامنئي، في حالة قالت عنها الصحف الإسرائيليّة إن الفتوى المذكورة قد ماتت،
وأن القيادة الجديدة ، قد تتّجه، إلى تزمت أوسع وإلى إصرار على مواصلة العمل حتى إنتاج القنبلة النوويّة، وهو ما كانت شبكة سي.إن.إن قد لخّصته بأن إيران بقيادتها الجديدة، وتحديدًا مجتبى خامنئي، تواجه حالة تزداد فيها الدعوات للتخلّي عن الفتوى المذكورة، وذلك في ظلّ نفوذ العناصر الأكثر تطرفًا في الحرس الثوريّ وعدد من كبار مسؤولي النظام، وأن القيادة الإيرانيّة المتبقّية تتلقّى وتواجه دعوات داخليّة لتغيير سياستها النوويّةـ يقوّيها ويعزّزها تعزيز سلطة وسيطرة الحرس الثوريّ، وإعادة تعيين قادة متقاعدين من التيّار المتطرّف لقيادة جيل أصغر سنًّا وأكثر ميلًا للانتقام من المقاتلين، وهو ما جاء في تقييم للباحثة تريتا بيرسي من معهد كوينسي للحكم الرشيد في أميركا ( على اسم الرئيس الأمريكيّ السابق جون كوينسي آدامز( ، مفادها أنه انتهى عهد الفتوى النوويّة، وتغيّر الرأي العام بين النخبة، وكذلك بين عامّة الناس، بشكل كبير بشأن هذه القضيّة، وهذا ليس مفاجئًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن إيران تعرّضت للقصف مرتين من دولتين نوويّتين هما أميركا وإسرائيل وفقًا للإعلام العالميّ، وفي خضم المفاوضات بعد أن تيقنت أن امتلاكها القدرات التقنيّة النوويّة ستكون كافية لمنع مهاجمتها دون أن يجدي ذلك نفعًا، ليبقى البديل امتلاك فعليّ للقنبلة النوويّة.
أميركيًّا، ووسط مظاهرات مناوئة للحرب يشارك فيها نحو عشرة ملايين أميركيّ، تزداد الأسئلة الملحّة خاصّة مع تكشف حقيقة السيناريوهات المتفائلة الإسرائيليّة حول انهيار النظام الإيرانيّ خلال أيام، تتزايد الأسئلة التي يجمعها قاسم مشترك واحد، وهو أنها تربط بين هذه الحرب وبين حسابات داخليّة وشخصيّة، بل دوافع نفسيّة عند الرئيس دونالد ترامب، يؤكّدها دون شك إعلان الحرب دون تفويض واضح من الكونغرس أو دعم دوليّ،
وأن توقيتها يجيء وسط سياق انتخابيّ حسّاس مع اقتراب انتخابات منتصف الفترة، وبالتالي يخشى ترامب فقدان أغلبيّته، فهل هي محاولة لصرف الأنظار عن أزمات داخليّة في مقدّمتها ملفات جيفري إبستين، أو خارجيّة أولها إصرار ترامب على تكريس صورته كقائد حازم وصانع سلام خياليّ أعاد الاستقرار إلى عالمنا المضطرب كما قال،
فأنهى حسب ادّعائه سبع حروب خلال أشهر، وبالتالي وإذا كان هذا هدفه، فكيف يتماشى ذلك مع قيامه بافتعال وإشعال حرب جديدة ، كان هو نفسه قد أعلن أنها انتهت وأن إيران لن تعود إلى سابق عهدها ولا تريد أسلحة نوويّة، ولن تشكّل أيّ تهديد لجاراتها، مهنئًا إسرائيل وإيران بانتهاء حرب قال عنها إنها كانت ستؤدّي إلى دمار المنطقة لو استمرّت، مشيدًا بامتلاكهما القدرة والشجاعة والذكاء لإنهاء ما ينبغي أن تسمّى حرب الاثني عشر يومًا، وتزداد الأسئلة إلحاحًا على خلفيّة مواقف ترامب التي تدمج بين السياسة والجغرافيا والاقتصاد، وما إذا كانت الحرب جاءت لتحقيق هدف ترامب الإستراتيجيّ بعيد المدى وهو السيطرة على أكبر احتياط للنفط في العالم إضافة إلى أكبر إنتاج من النفط في العالم، ومن هنا وبعد استيلائه على نفط فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، جاء بالنسبة له دور نفط إيران،
والذي تعني سيطرته عليه أنه يسيطر على ثُلث الاحتياطيّ العالميّ من النفط وأكثر من 25% من الإنتاج الحاليّ، وهي الورقة الرابحة في سباقه مع الصين، وفوق كل ذلك السؤال الملّح حول ما إذا كانت فعلًا حربًا لا محالة منها أو حربًا مفروضة على أميركا ، أو ربما حربٌ أَمكن تفاديها بعكس التصريحات الرسميّة، وإلى ذلك يضاف السؤال حول حول ما إذا كان استخدام القوة العسكريّة هو السبيل الأول لتحقيق أطماعه كما حدث في فنزويلا وإيران، وكما هدّد بفعله في غرينلاند والمكسيك وغيرها،
والسؤال حول عودته إلى نمط سياسيّ كان قد أعلن تخلّيه عنه وهو إرسال جنود أميركييّن إلى ساحات النزاع والهدف من ذلك، خاصّة وأن كافّة وكالات الاستخبارات الأميركيّة تناقض في تقييماتها ادّعاءاته حول تهديد إيرانيّ واضح لبلاده ومصالحها، بل إنها تلمح إلى أن الحرب هي التي دفعت إيران إلى ضرب القواعد العسكريّة الأميركيّة في الخليج، والسؤال الأهمّ هو من سيتحمّل نفقات الحرب الأميركيّة الداخليّة من ارتفاع لأسعار الوقود وغيرها، حتى لو نجح ترامب في إقناع دول الخليج وكعادته في ترميم قواعده العسكريّة التي تضرّرت لديها.
والحال في إيران لا يختلف كثيرًا رغم أنه الأكثر تعقيدًا وخطورة، بل ربما يصل حدّ كونه مصيريًّا، وبالتالي فإن الأسئلة التي تطرح اليوم أشدّ إلحاحًا، فبخلاف حالتها لا يتهدّد النظام السياسيّ والدولة في أميركا أو إسرائيل أي خطر يذكر مهما كانت نتيجة الحرب، فهو في كلتا البلدين ثابت ومستقر، باستثناء إمكانيّة تغيير رأس النظام ديمقراطيًّا وعبر الانتخابات، وهي بعد نصف عام في إسرائيل وعامين ونصف في اميركا،
ومن هنا فإن الأسئلة التي تطرح إيرانيًّا ويجب أن تطرح إذا ما أرادت هذه الدولة الازدهار والتقدّم والرفاه والسلام وليس مجرد البقاء على قيد الحياة، وبغضّ النظر عما ستؤول إليه الحرب، تتعلّق ليس فقط بكيفيّة انتهاء أو إنهاء الحرب، بل كيفيّة إدارة المرحلة التي تليها؛ وهي المرحلة التي ستحدّد ما إذا كانت إيران ستدخل مسار إعادة الإعمار والاستقرار، أم ستجد نفسها، مثل بعض دول المنطقة،
عالقة في دوامة طويلة ومتواصلة من الأزمات الداخليّة قد تؤدّي وبسبب تركيبتها إلى قلاقل داخليّة وربما تفكّكها أو بداية ذلك، ومن هنا فالأسئلة مصيريّة ومنها كيف ستكون الأولويات الداخليّة الإيرانيّة وهل ستركّز على إعادة الإعمار وتحسين الاقتصاد وضمان الاستقرار وهل ستؤدّي الحرب بنتائجها التي لم تتّضح بعد حتى كتابة هذه السطور إلى إصلاحات سياسيّة تصبّ في مصلحة المواطن الإيرانيّ،
وهل سيتغيّر سلّم أولويات هذه القيادة ومعظمها جديدة من حيث التركيز على الاستثمار في الأكاديميا وأماكن العمل وتحسين البنى التحتيّة بدل الأسلحة، وهل استفادت القيادة الإيرانيّة، أو سوف تستفيد من العبر التاريخيّة التي تنذر شرًّا وسوءًا ونتائج كارثيّة بعد كل تدخّل أميركيّ ودوليّ في المنطقة، حتى لو اعتبرته الأطراف التي تدخّلت، وهي أميركا وإسرائيل هذه المرّة ناجحًا وفق مقياسها، والأمثلة على النتائج الكارثيّة داخليًا كثيرة منها حرب الخليج 1991 عام ، أو الصومال عام 1993، أو أفغانستان 2001عام ، أو حرب العراق عام 2003،
وهل ستنحو طهران وعلى الصعيد الخارجيّ، نحو تخفيض التصعيد أولًا وقبل كلّ شيء مع جاراتها الخليجيّات اللواتي قصفت بصواريخها قواعد عسكريّة فيها، وكذلك منشآت مدنيّة، لتكسر بذلك مسيرة كانت بدأت من إقامة علاقات دبلوماسيّة مع السعوديّة واقتصاديّة مع كافّة الدول هناك خاصّة الإمارات العربيّة المتحدة التي تنشط فيها قرابة 8000 شركة إيرانيّة، وحتى قطر الحليفة، وهل ستتبع القيادة الإيرانيّة بعد الحرب مسارًا براغماتيًّا يقود إلى خفض التصعيد مع الولايات المتحدة خاصّة والدول الأوروبيّة والهند عامّة، وبالتالي يوفّر الفوائد الاقتصاديّة لملايين الإيرانيين وصولًا إلى التعافي ولو بعد سنوات،
أم أن العكس هو ما سيحدث بمعنى أن يتحد النظام القائم بشخوصه الجديدة، حول شخص أكثر تشدّدًا، محافظ أكثر، يعمل على تعزيز عقيدة النظام ، وهل ستدرك القيادة الإيرانيّة ضرورة تغيير التوجّهات من قضية السلاح النوويّ، أم أن أعضاء القيادة الذين نجو من الهجمات المتكررة سوف يتمسّكون بمعتقدهم بأن القنبلة الذريّة هي الضمان الوحيد للبقاء، وأنه عليهم أن يرفدوا ذلك بقمع متزايد للمعارضة، في تكرار لنمط كوريا الشماليّة كدولة معزولة وخائفة ومنغلقة رغم امتلاكها سلاحًا نوويًّا، وبكلمات أخرى أشمل وأوسع،
هل ستعود إيران إلى مصاف الدول الراغبة في الحياة التي تدير سلم أولويّاتها لمصلحة مواطنيها وتدير علاقاتها الخارجيّة وفق ثقافة الحوار وحسن الجوار والعلاقات الجيّدة المتبادلة التي تبتعد عن الحروب قدر ممكن، أم ستواصل العمل على تصدير الثورة الخمينيّة واعتبارها الهدف الأول لها كما كان منذ 979 1، أو ستواصل داخلًا وخارجيًّا انتهاج ثقافة العقيدة والأيديولوجيا، التي تجعل من السياسة بشقيها الخارجيّ والداخليّ، وسيلة لتطبيق فكرة كبرى تعتبر الحروب والخلافات ليس مجرّد تنافس على النفوذ أو الموارد، بل صراعًا دينيًّا أو على الأقل صراعًا وجوديًّا بين توجّهات وحضارات متخاصمة ومتناقضة لا مجال للتوفيق بينها، ليبقى الحلّ هو انتصار أحدهما وهزيمة الآخر. للعالم.
أما دول الخليج فأمامها أسئلة كثيرة وعديدة مردّها أن تسبّبت بزعزعة علاقاتها مع إيران والتي اتّسمت بتوازن دقيق بين التعاون والحذر، أو بين التعاون والريبة، فإيران كانت في نظر دول الخليج خصمًا إستراتيجيًّا تلفّ العلاقات معه توتّرات سياسيّة لكن استهداف إيران مواقع متعدّدة في الخليج تعتبر هامّة من حيث الوزن الاقتصاديّ والسياسيّ، يستوجب أسئلة متعدّدة، فهل ستعيد هذه الدول علاقاتها مع إيران الى نقطة الصفر، أم ستواصل هذه العلاقات ولكن وفق مبدأ "الحذر واجب" أو وفق القول:" لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"،
وهل عليها إعادة صياغة سياساتها تجاه إيران التي أثبتت أنها لا تتوانى عن إستراتيجيّة " عليَّ وعلى أعدائي" بغضّ النظر عن العواقب، وهل ستحاول هذه الدول، وكما فعلت في السابق محاولة إصلاح ذات البين بين أميركا والعالم وإيران، ومن يضمن أن تكون الهجمات الإيرانيّة هفوة لمرة واحدة، وان لا تتحوّل إلى نهج متكرر، وهل ستقبل هذه الدول مقابل إيران مرّة أخرى بالترتيبات التي كانت سائدة لضمان الملاحة البحريّة ،
وهل ستتواصل نشاطات التعاون الاقتصاديّ مع إيران، وإلى ذلك تضاف أسئلة حول السياسات الخارجيّة ، فهل ستعيد السعوديّة والإمارات العربيّة المتحدة والكويت وقطر النظر في مجمل سياساتها واستراتيجيّاتها الأمنيّة، وهل ستعمل على مراجعة اتفاقيّاتها مع الولايات المتحدة خاصّة في مجالات المشتريات الدفاعيّة والطاقة ، وهل ستعمد هذه الدول إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجيّة بدلًا من الاعتماد بالكامل على الولايات المتحدة كشريك وعامل يضمن أمنها،
والسؤال هنا لا يتوقّف عن هذا الحدّ بل يصل حدّ السؤال حول ما إذا كان بإمكان الحكام الخليجيّين التوفيق بين تنوّع الشراكات وبين كون الولايات المتحدة، أكثر من الصين وروسيا والدول الأوروبيّة، في صفّهم، أم سيحدث العكس أي أن تؤدّي الهجمات الإيرانيّة في نهاية المطاف إلى نتيجة معاكسة هي زيادة اعتماد دول الخليج على أمريكا باعتبارها الردّ الوحيد لكبح ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة،
وكبح قدراتها على عرقلة شحن النفط وإمدادات الطاقة، وهل سيشمل ذلك أيضًا إسرائيل بمعنى هل ستتعزّز العلاقات معها وستنضم السعوديّة إلى اتفاقيّات أبراهام لتبقى إيران معزولة، أم العكس أي هل ستعيد هذه الدول، أو بعضها النظر في علاقاتها مع إسرائيل التي تعتبرها ربما المسؤولة عن اندلاع الحرب ، وأشير هنا إلى تصريحات رئيس الوزراء القطريّ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال لقائه وزير الخارجيّة التركيّ أن المستفيد الأكبر من هذه الحرب هو من يريد زعزعة استقرار هذه المنطقة في إشارة إلى إسرائيل.
ختامًا، هي ليست أسئلة عبثيّة، بل أسئلة يجب طرحها من باب المسؤوليّة الإنسانيّة المُطلَقة والموضوعيّة السياسيّة والتاريخيّة، ومن باب العقلانيّة بعيدًا عن العواطف التي عادة ما تنتهي إلى نتائج مأساويّة، كما أن طرحها بوضوح تامّ وربما يؤلم البعض، هو ليس من باب التحيّز إلى طرف ما دون الآخر، بل من باب إيماني المطلق أن هذه الحرب أكثر من غيرها، تجعل الشرق الأوسط يقف اليوم أمام ضرورة الاختيار أمرين، أولهما مواصلة وتكرار صراعاته عبر خطاب أيديولوجيّ يزداد تزمّتًا يجعل كل مواجهة معركة وجوديّة،
أو أن يتجه إلى سياسة جديدة تقوم على إدارة المصالح، عبر منع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين، أي ضرورة الاختيار بين المعتقدات والعقائد التي تشكل في شرقنا وبالنسبة للشعوب كرامتها وتدغدغ مشاعرها،
وبين لغة المصالح الباردة والموضوعيّة، انطلاقًا من التجربة التاريخيّة المرّة، وملخّصها أن معظم الحروب في منطقتنا يجمعها قاسم مشترك واحد، تشعلها المعتقدات والمشاعر وتنهيها المصالح، وباختصار أيّ ثقافة سوف تسود في الشرق في المرحلة القديمة: ثقافة العقيدة أم ثقافة المصلحة؟؟.
وخلاصة القول: يبقى السؤال الأهم: هل ستكون نهاية الحرب بداية لمراجعة المواقف نحو ثقافة سياسيّة جديدة في المنطقة أم بداية التحضير لحرب جديدة قريبة؟؟ وهل سنكرّر القول:" هذه الحرب انتهت لكن السلام لم يولد بعد".


















