"ولاد المدينة جاو."
إطلالة. "ولاد المدينة جاو."
هذه الجملة المعبرة و الجميلة جدا ما زلت اتذكرها منذ الطفولة إلى الآن, حينما كانت تحل العطلة المدرسية لفصل الربيع ( 15 يوما ) أو العطلة الصيفية(3 أشهر)، حيث كنا نشد الرحال فنسافر أنا و عائلتي الصغيرة من مدينة المحمدية حيث يوجد منزلنا و فيها نتابع دراستنا، صوب دوار أولاد علي الذي يعود إليه أصلنا، و هذا الدوار يتواجد بمنطقة أولاد عمران وهي إحدى القبائل الدكالية المعروفة و العريقة بالمملكة المغربية الشريفة.
لقد كانت هذه المنطقة من دكالة عزيزة علينا جدا ، خاصة الدوار الذي ننتمي إليه و هو دوار أولاد علي الذي يتواجد فيه منزل العائلة بالبادية .
لقد كنا منذ اليوم الأول الذي نحل فيه بهذا المنزل ، أنا و إخوتي الآخرين ( 2 إناث و 6 ذكور )، نخلق جلبة و حركة و ضجيجا ممزوجين بفرحة اللقاء ، فكنا نحس بالطيور ترحب بنا بنغماتها و باقي الحيوانات تبادلنا التحية بأصواتها و حركاتها ، و حتى الأشجار و النباتات كانت تبدو في حالة فرح و سرور و ابتهاج بقدومنا .
لقد كانت هذه العطلة الجميلة تشكل بالنسبة لنا صلة وصل بتقاليدنا و عاداتنا الأصيلة و فرصة للتمتع بجمال الطبيعة و حلاوة وبساطة العيش في البادية كذلك.
لقد كنا عند قدومنا للبادية، يرحب بنا الأهل و الأحباب، لدرجة انهمار دموع الفرح الصادقة و السعيدة ، أما باقي سكان الدوار و الذين كانوا يكنون لنا المعزة و الاحترام فقد كانوا أحيانا يتهامسون " ولاد المدينة جاو " بالرغم من كوننا من أصل الدوار و يعود إليه نسبنا و جذورنا من الآباء والأجداد.
لقد كانت عبارة "ولاد المدينة جاو " تعني أنهم قدموا و حلوا بمنزلهم ، وهي عبارة نابعة من القلب بصدق و تدل على المحبة و الشوق و الحنين لملاقاتنا من جديد .
في هذا الجو الرائع و الفضاء الفسيح ، كنت استغل الوقت جله للتمتع بالطبيعة والإنصات لتغريد العصافير و زيارة حقول العنب و حقول الصبار الخلابة و الشامخة ، التي تدل على عظمة قبيلة أولاد عمران وحنكة أهلها في مجال الزراعة و غرس الأشجار المثمرة و تربية الحيوانات الأصيلة ذات الطابع المغربي الأصيل .
لقد كنا حين وصولنا لبيتنا بالبادية نمضي الأيام الأولى من العطلة في زيارة الأقارب و التعرف من جديد على أحوال الدوار و إحياء اللقاء مع أزقته و بناياته التقليدية الجميلة و مساعدة الوالد في ترتيب و إصلاح أو تجديد بعض المعدات الضرورية في الحياة في البادية و منها مثلا وسيلة النقل و التنقل ( الكارو و الكرويلة ) و عدة جلب الماء من الآبار( العدة و الدلو ) ، و كذلك إيجاد بعض الوسائل اللازمة الأخرى( كالمدرة و الراطو و الفأس و البالة و البرويطة ) و حتى تحضير القراصة لجني فاكهة الكرموس خاصة في فصل الصيف.
ومن جهة أخرى، كنا نستمتع بالأكل اللذيذ الذي تعده الوالدة، و كنا عندما نحل ضيوفا عند أحد الأقرباء، و بالخصوص ليلة السوق الأسبوعي أربعاء أولاد عمران ، حيث يجلب المتسوقون اللحم و الخضر و الفواكه بكميات كبيرة، فقد كنا و نحن صغارا نلاحظ أنه عندما تحل الوالدة أو الوالد عند أحد أقاربهما كضيوف و يكون هناك ضيوف آخرون من المدينة الذين أتوا بدورهم للبادية مع أبنائهم بمناسبة العطلة المدرسية، كان يتواجد هناك الأكل الذي أعده هذا القريب، و بالموازاة مع ذلك يأتي أشخاص آخرون من الأقارب أو من أهل الدوار بمأكولاتهم كذلك ، فرحا بالضيوف، فيصبح عدد الوجبات في العشاء في ليلة السوق سبعة أو ثمانية أو أكثر، و المدهش أن الضيوف يجب أن يأكلوا من كل هذه الوجبات ليبقى أصحابها جميعهم "على خاطرهم " و يحسوا بالفرحة حين يتناول الضيوف و جباتهم المتنوعة، و هذا الأمر يشكل قمة الكرم و قمة الترحاب و قمة النبل و قمة العادات و التقاليد الجميلة.
وعندما تمر بعض الأيام من عطلتنا، يظهر ذلك على بشرتنا فيتحول لون بشرتنا للأحمر، و بالمناسبة كان يمزح معنا أحدهم من الدوار حينما يقول لنا " عاد بان فيكم الدم " أي أصبح لون بشرتكم أحمرا ، بعد أن كان أصفرا عند قدومنا في الأيام الأولى من المدينة .
لقد كانت أيام العطلة تمضي سريعا ، و كنا نحاول أن نستغل كل يوم في التمتع بالطبيعة الخلابة و الهواء النقي و بأكل مختلف الفواكه خاصة في العطلة الصيفية ، فقد كنا نذهب للحقول عبر عربة الكارو أو الكرويلة ، فنأكل ما استطعنا من العنب و الكرموس و الدلاح ، و نستمتع بقطعان الماشية الكثيرة العدد و هي ترعى في الحقول ، و كذلك و هي تسعى للآبار للشرب ، وتعود للرعي مرة أخرى، قبل أن تروح في المساء صوب الحظائر في منظر بديع و بهيج لا تشبع منه العين ، و كانت الطيور المختلفة في الحقول ( كريكر ، السمان ، الجوج ، قوبع ، كوبارة ، سطيلة ، الدريج ، بلهدهود ...) تشكل لوحة فنية بديعة ، بأنغام موسيقية تسعد بها الروح و القلب ، و حتى البنات القرويات ببساطتهن كن تظهرن وسط الحقول كجوهرات تعطي للمجال جمالا و رونقا لا مثيل له.
و عندما نعود للمنزل في في المساء للدوار ، كنا نستمتع بمنظر غروب الشمس ، و بعد و جبة العشاء نخرج للسهر في باحة ( الكاعة ) مكان تجميع المزروعات المختلفة ، فنرصد طلوع القمر بكبريائه و عظمته و هو يمشي أميرا ليتوسط النجوم الخلابة التي تبدو عرائس فاتنة ، سبحان من خلقها تسر الناظرين و جعلها في هذا الرونق و الجمال.
وفي وسط هذا الهدوء الرائع و الرومنسي، تمر بين الحين و الآخر في السماء الزرقاء إحدى الطائرات المدنية ، فنتتبع مسارها إلى أن تختفي، وهكذا دواليك ، كما كانت تظهر بين الفينة و الأخرى في السماء ومضات لامعة من الشهب، و كانت تخبرني عمتي حليمة رحمها الله أنها رجم للشياطين .
كان انتهاء أيام العطلة يشكل لي شخصيا ألما نفسيا كبيرا، لا أصبر معه على فراق هذه الربوع الغالية و العزيزة على قلبي ، و قد كانت دموعي تنهمر فتواسيني و تخفف من ألم الفراق و تذكرني بأنه خلال العطلة المقبلة لنا لقاء.
وما زلت إلى اليوم، حينما أتذكرالعبارة الجميلة " ولاد المدينة جاو "، أشعر بحنين و شوق في قلبي يعود بي لأيام الطفولة و الأيام الجميلة، رفقة الوالدين العزيزين و إخواني الأعزاء و أخواتي العزيزات، حين كما نعيش لحظات السعادة التي ستبقى خالدة في الروح و الفكر إلى الأبد.
آمال ابو فارس المربية الاديبة والشاعرة, المسؤولة عن زاوية المنتدى الثقافي. يمكنكم الاتصال بها Amlabo@walla.com او على هاتف 0549026108
















