ميراث العبث
ميراث العبث قصة قصيرة فلسفية رمزية
كانت القطة بيلا تجلس وحيدة في زوايا البيت، تشعر بأن عينيها تخونانها. الفئران لم تعد تهرب كما كانت، ولم تعد تجد في الصيد متعةً أو طعمًا للنصر. كل شيء بدا ضعيفًا، باهتًا، كما لو أن العالم كله فقد حدّته.
فركت عينيها بمنديل نظيف، وحدّقت في الزوايا. لكن الظلال اشتدّت قتامة، وصارت الأشباح تتراقص بين جدران البيت.
قررت تجاوز المألوف وتحدّي المرض.
حين دخلت القطة بيلا إلى المتجر، تفاجأ صاحب المتجر وحكّ عينيه وقال:
ليس العجب أن تدخلي إلى محلي هذا… ولكن العجب أن تطلبي نظارة!
أجابت بيلا:
نعم، أريد نظارة، كما قلت. هل عندك ما يناسبني؟
قال الرجل:
هذا أمر نادر جدًا، ولكن جدي ترك صندوقًا فيه نظارات كثيرة. وقال وقتها لأبي: هذه النظارات لها من يستحقها، فاحتفظ بها ما دام المتجر قائمًا. ومات أبي وترك الصندوق… سأحضره، ربما نجد ما يناسبك.
في الحقيقة، سأكون سعيدًا جدًا إن وجدتُ ما يناسبك. كم اشتهيت أن أفتح الصندوق وأبدّد ما فيه. بصراحة، ليس لي أولاد لأكتب لهم أن يحتفظوا بأسرار جدي، وأنا سعيد بتصفية الأمر وأنا حيّ.»
أحضر الصندوق. كان قديمًا، تعلوه طبقة غبار كثيف. فتحه ببطء، كأنه يوقظ شيئًا نائمًا منذ سنوات.
وبين النظارات الكثيرة، اختار واحدة صغيرة، بسيطة الشكل، لكن الزجاج فيها يتموّج بين الصفاء وموجات ضوء غاضب.
ناولها لبيلا.
عادت إلى البيت، وضعتها على عينيها، وفجأة تغيّر كل شيء. الفأر الصغير الذي كان أمامها تحوّل إلى كتلة هائلة، عيناه تتوهجان، وأقدامه تبدو كالرياح العاتية.
شعرت بالقشعريرة تسري في جسدها. لم تكن ترى حجمه فقط، بل تشعر بمخاطره، بكل ما يمكن أن يفعله بها، وكل ما يمكن أن تفعله هي به.
بدا كقط أسود متمرّس في المكر والخداع، وذيله كأنه خرطوم فيل حديث الولادة. وكلما نظرت في زوايا البيت، ظهرت فئران أخرى بحجم القطط، تتزاحم مقتربةً منها.
خلعت النظارة. فعاد الفأر ضعيفًا، وتراجعت الظلال إلى أماكنها القديمة، كأنها استيقظت من حلم ثقيل.
نظرت إلى النظارة طويلًا، تستطلع سرّها، وتستحضر كلمات تواجه بها صاحب المتجر.
كيف له أن يمازحها بعينيها؟
لكنها أدركت شيئًا آخر. النظارة لا تكشف الواقع، بل تكشف الرعب، وتحوّل الإدراك إلى سلاح.
ركضت إليه، تقول بصوت متردد مشحون بالخوف:
هذه العدسات خطيرة! أنا لا أرى الفئران… أرى وحوشًا!
ابتسم وقال بهدوء:
أنت لا ترين الوحوش، أنت ترين القوة. القوة التي يمتلكها الآخرون عندما يخافون منك.
ثم وضع النظارة على عينيه، وصاح:
نمر… هناك نمر في المتجر!
ضحكت بيلا، لا بخفة، بل بوعي جديد. أدركت أن القوة الحقيقية ليست في الأسنان أو المخالب، بل في وهم يرى الآخرون فيه ما يخيفهم.
لقد تحققت من أن الوهم نفسه لم تغيّره القوة، ولكن القوة رأت في الوهم شيئًا آخر.
طلبت عشر نظارات أخرى مثلها.
تعجب أخصائي البصريات، وقال:
أليس من المفترض أنك لا تحبينها؟ لقد عدتِ بوجه شاحب وأعصاب منهارة، وها أنت تطلبين عشرة دفعة واحدة! يا سيدتي بيلا، هذه الأشياء لا تؤكل.
أجابت بيلا:
نعم، إنها لا تؤكل، ولكن عندما يراني الفئران بهذه النظارة، يظنون أنني نمر. هذا رعب عظيم! وأنا أراهم قططًا. فيخرجون من مخابئهم لأنهم يظنون أنفسهم أقوياء، فأفاجئهم لأني نمر. ألم تقل إن الوهم يتحول إلى قوة مخيفة؟
قال بحذر:
وماذا لو خلعوا النظارة واكتشفوا الحقيقة؟ واكتشفوا الزيف… أنهم فئران وأنت قطة، ولا مكان للوهم؟
ضحكت بيلا وهي تدفع الثمن:
لا تقلق، سيعودون فئرانًا، وأنا قطة. تنتهي لعبة الوهم، لكن الظلام من حولي لن يكون مجرد فراغ، بل مساحة مليئة بالقوة. الظلال تصبح سلاحي، والفئران لم تعد مجرد فرائس، بل أعداء محتملين في لعبة لا يربح فيها إلا من يملك وهمًا أكبر
من الواقع.
ضحك الأخصائي مازحًا:
سأهدي زوجتي نظارة، ربما تراني عملاقًا أهوج.
ابتسم قليلاً، ثم تبسم بحزن خفي، كأنه يراجع الصندوق القديم في ذهنه، ويزن أسراره:
إنها لا تعلم بوجود الصندوق… لم يكن وجوده ذو قيمة في حياتنا.
بعد الفكاهة:
ابتسم قليلاً، ثم غاص صوته في صمت أعمق، كأنه يستجمع حكمة الصندوق القديم.
ثم تنهد، وصار صوته أعمق، كأنه يستخرج الحكمة من خشب الصندوق نفسه:
نمضي العمر ونحن نقسم الدوائر إلى نصفين خوفًا من وطأة الحصار… لكننا سرعان ما نغضب من الأقواس ونتهمها بالانحناء الممل. سأذهب إلى زوجتي، فربما تتحول الدوائر إلى أقواس، فننشغل بمحاولة جعلها مستقيمة. وإن استقامت، صنعنا مربعًا نتسلى بوداعته، وفتحنا به بابًا بأيدينا، نظنه مدخلًا إلى روائع دفينة تمكّننا من انتظار الغد لنكون أكثر جرأة في قول الحقيقة. كم أخشى أن يتحول الوهم إلى طموح، ثم يضيع الطموح في ثنايا الوهم. هل تعلمين يا بيلا ما هو الفرق بين الوهم والواقع؟ إنها مسألة تشغلنا بعبثية عبقرية، لكي نهرب إلى أبعد من العقل الباطن. ولكن اطمئني، لن نصل إلى العقل المدرك للباطن؛ كلاهما في تناقض، ونحن نتأرجح مثل الغبار.
تسمرت بيلا، مشبعةً برذاذ الحزن الذي ملأ المكان، ولم تجد ما تقول له، حتى لتبارك له شجاعته في فتح صندوق كاد أن يُنسى، ويتركها وحيدة في قدرها مع ذوبان النظر.
ولكنّها تلكأت بالخروج، التفتت إليه وقالت:
لم أفهم ما قلت، ولكنّي أعدك بحفظ آلامك. ربما لن تكون وحدك، وربما كلنا نتألم، ولكن لطالما الألم هزيمة، سنبقى مغلفين بالابتسامة كستار لا يخترقه أحد.
غادرت، على أن تعود في اليوم التالي لتقص عليه نجاحها في الخروج من دائرة الألم، وتنوي أن تزور قبر الجد الذي صنع نظارات الخلاص من الشقاء.
في اليوم التالي، عادت تحمل ثلاثة فئران لتشكر البائع بالحجة والبرهان، لكنها صُعقت حين رأته معصوب اليدين، وندبات زرقاء تكسو وجهه.
قالت:
ماذا حدث لك؟ هل أعطيت النظارة لكلب حراسة، فظنك ماردًا فهشمك؟
قال بحزن:
لا يا عزيزتي بيلا. أعطيت هذه النظارة لزوجتي، فظنت أني حراميًّا عملاقًا، فانهالت عليّ بالصحون وضربتني بطنجرة الطعام. أمسكتها وخلعت النظارة عن عينيها، فاستشاطت غضبًا وطردتني من المنزل، لأنها قالت إنها لا تريد المبيت مع أحمق أرعبها. حتى تهدأ، بتُّ ليلتي هنا في الدكان… وعثرت بعد جهد على نظارة جديدة كتب عليها جدي: “للزوال أحجام تهزم”. خذي، جرّبيها.
وضعت بيلا النظارة بهدوء. نظرت إلى الرجل، فرآته وديعًا، صغيرًا جدًا. سال لعابها وقالت:
صدقني… أراك أكبر من فأر، وأصدق من قطة، ولكن أستطيع التهامك. غابت في قلقها الدفين، ثم تنبهت، وقالت:“وأذكرك أن السعادة ليست في زجاج النظارة، بل بتلك الحقيقة التي تجعلنا قادرين على المسخ والعودة إلى واقع نبغضه، لكوننا لا نسيطر عليه بالفطنة والذكاء. والجميل في نظارات جدك أنها كانت وفية لغاية واحدة، وهي قهر الآخرين… ولو بوهم التلذذ، أليس كذلك؟”
قبل أن أدخل إليك، كنت أعاني الوحدة والجوع… والآن أعاني خوفًا غريبًا يهددني، حيث صرت أرى ما يحدث في أعماقي. كم أرهقتنا فكرة القوة… وأنت، مكسور اليد ومطلي الوجه بسخام الطنجرة، وأنا أخاف أن أأكل قطة، رغم أني أعلم يقينًا أني التهمت فأرًا. لماذا فتحت الصندوق، أيها الرجل؟ ولماذا لم تتحكم بالعبث الذي كان يبات خلف قفل جدك، كأنه إرثنا المظلم، ميراث العبث نفسه؟
جلست على كرسي من كراسي جدّه، قبالة الوريث، وحدّقت فيه بعينيها، ثم نادت بصوت منخفض وحازم:
اسمعني، آرجوس… هل فكرت يومًا بالهرب بغية التحرر؟ نحن الآن محاصرون بالقوة التي اكتشفناها عبر العدسات… القوة نفسها التي أضعفتنا وجعلتنا غرباء حتى عن أوهامنا البسيطة. نهرب لنتحرر من شقاء أنفسنا، ولا تسألني إلى أين. أعدك بأن تبقى في متجرك، وأنا أبقى في بيتي، ولكننا نحرك حاسة الهرب الدائم ونستمتع بالمتعة التي لا توصف، المتعة التي تجعلنا أحرارًا، ولا شيء يستحق الحزن عليها… أقصد الهروب النفسي، هل تفهمني؟ لابد لك أن تفهمني… ولكنك لم تعد أنت بعد.
قال آرجوس المتألم، وهو مغمض العينين وجاف الشفتين، يحرك لسانه كدلو يغطس في بئر عميق:
نعم، لك كل الحق… ولكن أبي لم يحدثني أبدًا إن كان جدي قد دفن بنظارة يرى فيها قبره غابةً مليئة بالقوة الغامضة… فكيف لي أن أهرب، وأنا من اكتشف سر الصندوق؟ حتى ولو أغلقته كما كان، فلن أستطيع إغلاق روح العدسات التي استوطنت عيناي.
آمال ابو فارس المربية الاديبة والشاعرة, المسؤولة عن زاوية المنتدى الثقافي. يمكنكم الاتصال بها Amlabo@walla.com او على هاتف 0549026108

















