٦٨ عام على رحيل الشّيخ أبي حسين محمود فرج

١١/٢٣ يصادف ٦٨ عام على رحيل كنز التوحيد والعلم الفريد العالم العالم والتقي النقي الفاضل الوقور الرزين والعلم المبين المعروف بالصدق والتصديق وصدق اللهجة والتدقيق ووالتحقيق العريق الحسب والطاهر النسب سليل الافاضل والاصيل الريابل سيدنا الشّيخ أبي حسين محمود فرج رضي الله عنه (١٨٦٦-١٩٥٣)

23.11.2021 מאת: منير فرّو
 ٦٨ عام على رحيل الشّيخ أبي حسين محمود فرج

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

عليه توكلت وبه استعين 

وهو حسبي ونعم النصير المعين

 

الحمد لله الذي اعز ابناء التوحيد بالانبياء المرسلين والدعاة المتقين والاولياء الصالحين والهداة المهتدين والعلماء العارفين والفضلاء العاملين الذين سلكوا طريق الحق بالعلم الثمين والعقل الرصين واليقين المتين فسطروا تاريخا دانت لهم العالمين وجعلوهم قدوة ومثلا اعلى للوصول الى رب العالمين بالتشمير الكلي والجهاد الامين فعليهم رضوان مولانا الى يوم الدين  

 

فيه أقول شعرا :

 

   ملك زانه العقل الـــرّجيح   

 

   وشيخ في جنّات الروض الفسيح

 

 "محمود" المكنّى "أبــا حسين"      

 

و"فــرج" عـــــــــائلته بصحيح

 

مــوحــّد لله دون مرا     

 

  بقلب طــاهر ولسـان  فصيح

 

 بسـدق لهجة مع دقة لفظ  

 

  خوفـــــا من الغيبة والتجريح

 

  كسـاه الله من نوره نورا    

 

    وانار وجهه كنور المصابيح

 

 وارتقى بشرف النفس والمقام          

 

 وساد عصره بالرشد النصيح

 

   عليه رحمــــــــات باريه تنزل      

 

وغفران الحدود حواري المسيح

 

أسرته وولادته:

 

ولد سيّدنا الشّيخ أبو حسين محمود فرج رضي الله عنه في سنة 1866م، في عبيه اللبنانية، التي كانت مركز الأمارة التنوخية، ومسقط رأس سيدنا الأمير التنوخي جمال الدين عبد الله - قدّس الله سرّه - لأبوين كريمين، ولعائلة ذات حسب ونسب ديني ودنيوي "آل فرج "، التي جاءت من ذرية علي بن بحتر، الذي سكن عرامون، ثم انتقلت ذريته الى طردلا، ثم الى عبيه، حيث جاوروا الاسرة النبيلة الأمارة التنوخية، الرافعة لمنار الحق والدين، والناصرة الإسلام على المعتدين، والده الشيخ أسعد شبلي فرج وجيه بلدته ومختارها، ووالدته المرحومة الست خولا ابنة الشيخ نجم فرج، وقد اسماه والداه بـ "محمود"، فجاء محمود الخصال، مليح الفعال،  ارسله والده منذ حداثته الى المدرسة فتلقى العلوم الابتدائية، ولما كاد يبلغ سن الرشد ظهرت عليه دلائل الورع والاجتهاد، والبحث عن مناقب اهل الفضل من العباد الزهّاد،  فتتبع أخبارهم، واتبع خطاهم، فاهتم بشروحات السيد الأمير لأنها مستوفية كل الشروط علما وعملا ومسلكا، بشهادة شيخنا الفاضل، الشيخ محمد أبو هلال.

 

نشأته:

 

كانت بلدته فقيرة وضعيفة في الدين، فاخذ يطوف في البلاد المجاورة يبحث عن الاخوان الثقات، فتردد الى بلدة بيصور فوجد فيها ضالته من الاخوان التقاة المخلصين، وعلى رأسهم المرحوم الشيخ أبو علي اسماعيل حسيكة ملاعب، والذي كان شيخ مشايخ زمانه، وتقصده الاخوان من كل مكان لتقواه وكبر سنّه وقدره، وكان من جملة من يقصدونه شابان ناهضان، هما محمود عبد الخالق من بلدة مجد لبعنا في الجرد، ومحمد رشيد عيد من بشامون في الغرب، فتعرّف عليهما شيخنا الشاب هذا،  ولسلوكهم الحسن وسمتهم القويم، تفرّس بهم الشيخ أبو علي اسماعيل حسيكة ملاعب وقال : "هؤلاء المشايخ الثلاثة يتسابقون ، فلا نعلم أيهم أسبق "، فأما الشيخ محمد رشيد عيد فلكثرة ورعه ومبالغته في قهر نفسه جوعا، توفاه الله شابا بتولا عن عمر دون الـ 30 سنة، وله في بلدته مقام يزار، واما الشيخ  محمود عبد الخالق " أبو فارس" بالكنية ، فقد عاش عمرا مديدا، وترافق مع الشيخ محمود فرج " أبو حسين " وكان نعم الرفيق في الدنيا والدين، يأمر بالمعروف  وينهى عن المنكر، وعليه  يعوّل في كثير من الامور، فهو صاحب العلم الغزير، والشجاعة بالقضاء بالحق، والذي عرف بقاضي الموحدين، مما جعله يستحق تلبيسه العمامة المكولسة وصاحب السيرة، وتوفي عن عمر ناهز السبعين عام ، وله في بلدته مقام يزار.

 

سيرته:

 

  ثم أعود لصاحب الذكرى والسيرة الحميدة فكان رحمه الله  قد أيقن وتحقّق انه لا بلوغ للغاية والمراد، والفوز في دار المعاد، الا بالامتثال للاوامر والنواهي الدينية، والنهوض التام في شطريها اللذين هما الاكتساب والاجتناب، فنظر الى قوله تعالى : " النفس أمارة بالسوء الا ما رحم ربي"، فعمل على تنقية نفسه الشريفة من الخصال الذميمة والشهوة متبعا قول السيد المسيح عليه السلام : "من أمات نفسه من أجلي فقد أحياها "، يعني من أمات نفسه الشهوانية الحيوانية فقد أحيا بذلك نفسه الولية النورا نية، وأيضا كما قال  بعض الحكماء : " الكمال في أربعة رصانة العقل وحسن الخلق وسخاء النفس وقمع الشهوة "، وهذه الاوصاف كانت من بعض مزاياه.

 

زواجه:

 

المرحوم كان قد تزوج وهو في سن الـ30 من السيدة الفاضلة " زهية" ابنة المرحوم الشيخ أبي 

محمد محمود سلمان فيّاض التقي الديان،تلك السيدة الديّنة

 الجليلة التي تركت بيت أهلها الميسورين الحال ورضيت بالعيش مع شيخنا في القلة والعسر وشدة تدينه وتدقيقه كما جاء في وصف الامرأة الفاضلة : " واسعة الصدر، طويلة الصبر، كثيرة الشكر، لها قناعة بالعفاف، وإيثار بالكفاف، ورحمة للأهل،ورفق بالبعل"،وقد رزق منها خمسة أولاد 4 بنات والشيخ حسين

 

ورعه واجتهاده:

 

 ثم علم أن لا وصول الى الصراط المستقيم الا عن طريق العلم والمعرفة، لقول الحكماء : "علم بلا عمل عقيم، وعمل بلا علم سقيم، وعلم وعمل صراط مستقيم"، ومما نقل عنه انه كان يقول : " قليل من العلم مع العمل به خير من الكثير منه مع عدم العمل به" وكما قيل : " تعلّم العلم لتعمل به ولا تتعلمه لتتحدث به فيكون عليك بواره ولغيرك أنواره "،  فاجتهد في طلب العلم والدرس والحفظ، وكانت به كلالة ذهن لقي منها صعوبة في الحفظ، وبطئا في قطع مراحله، ولكنه بصبره الثابت واجتهاده استطاع ان ينجح في تحصيل قسطا وافرا من العلم اروى به ضمأه، فصار يكثر من تلاوة ما حفظ غيبا منفردا في اثناء قيامه باعماله وتنقلاته في أسفاره، فكان يقول : " ما أقبح ساعة تمر بغير طاعة " .

 

 عمله:

 

ثم انه اتفق انه صاحب أخا يدعى الشيخ أبا يوسف أمين صالح ملاعب وكان اكبر منه سنا، واسبق حفظا، وكان بيده مهنة صباغة ومصبغته في بلدة كفرمتى القريبة من عبية، فكان يشتغل نهارا، ويأتي صديقه ليلا، يعملان مجتهدين في طلب العلم، حيث كانا يبيتان في مجلس (خلوة) عبية، المعروف بمجلس المرحوم الشيخ أحمد أمين الدين.

 

صمته وتقواه:

 

 ثم انه رحمه الله كان كثير الصمت، لقول بعض الحكماء: " اعقل لسانك الا عن حق توضحه،أو باطل تدحضه ،أو حكمة تنشرها،أو نعمة تشكرها" وكما قيل: " الكلام أربعة أقسام،قسم هو ضررمحض،وقسم هو نفع محض،وقسم فيه ضرر ومنفعة،وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة"، فصان لسانه خوفا من الزلات، يصدق حتى في لهجة الكلام، لقوله تعالى : " وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"،

 

سدقه في لهجة الكلام:

 

 فكان اذا اراد ان ينقل حديثا عن السلف يحرص كل الحرص على نقل ذلك الحديث بحذافيره، لفظا، ومعنى دون زيادة ولا نقصان، وكان في حديثة  يفضل بعض العبارات على غيرها في باب صدق اللهجة في الكلام، ومنها: إذا فرغ الإبريق من  الماء يقول " صب في البريق"، متجنبا قول " ملـّي البريق"، لانه من المحال أن يمتليء الابريق مائة بالمائة، بل يبقى ناقصا،  ومن المتبع حينما يود الانسان استعجال الاخرين الى الطعام يقال " أسّا بيبرد" أو نحوها، فكان يستحسن رحمه الله ان يقال " قبل ما يبرد"، لأن قبل " ليس فيها تحديد زمني"، وسئل مرة عن مكان شيء وضعه هو بيده يقول : " طلـّع علي في الموضع الفلاني"، أي ابحث عنه متجنبا التحديد والتثبيت.

 

من قصصه في التدقيق بالكلام:

 

وبينما كان سائرا مع رفقة له على طريق ترابية،  شديدة الانحدار،  قال أحدهم مخافة الانزلاق : " شك العصايي بتزحط"،  فبادره رحمه الله محتاطا على أخيه من الانزلاق في اللفظ،  وقال : " قلـّي بلك تزحط"،  ومرة قصد أحد الإخوان أن يطعمه برتقالة قائلا له : " قشّرهالليمونة"،  فقشّرها وأرجعها له،  فأوضح له الأخ أن قصده ليقشّرها ويأكلها،  فأجابه مذ ّكرا : " قلتلي قشّرا"،  ومن المعتاد عند زيارة المشايخ للمقامات ان يأخذ كل منهم زاده معه ، وفي احدى الزيارات أراد أحد الاخوان ان يطعم سيدنا الجليل نوعا من الحلوى يعرف بـ " حلاوة التين "،  أو " تين مطبوخ "،  فقال له : " جابرنا من هالتينات"،  فتناول رحمه الله قسما منها فوجد فتاتا من الخبز ملتصقا بها وليس من السهولة نزعها عن التين فأعاده دون أن يأكل،  فألح عليه ذلك الاخ مرارا،  فلما رأى أنه لم يعد بالامكان كتم السبب،  لفت نظره مشيرا الى الخبز الملتصق بالتين،  عندها أحل له الأخ تناول هذا الصنف بما فيه،  فأكل تطييبا لخاطره،  وفي أحد الأحايين كان مارا على طريق ،دعاه بعضهم الى تناول تين كان يحمله معه في سلة، فسأل رحمه الله ان كان التين له، فأجاب: " أنه لبيت عمه"، فلم يتناول شيئا من ذلك.  ومرة أراد ان يستعير عود حراث من شخص، فقال له الشخص هذا: " ارجعه مكانه"، فلم يأخذه، لانه لا يقدر ارجاعه مكانه كما كان، فبادره الشخص  ضعه اين تريد، والقصص والحكايات اكثر من ان تحصى.

 

 تدقيقه في الحلال والحرام:

 

 وكان رحمه الله شديد الحذر في تجنّب الحرام والشبهات، ولطالما قال بتلهف وتوجع ان بعض اهل الورع والخوف ممن سلف كانوا يتركون اثنين وسبعين بابا من الحلال مخافة من دخول اب من الحرام وان بيننا وبين هؤلاء القوم ما بين لليقظة والنوم  فكان رحمه الله يعترف دائما بالعجز والتقصير وهذا ان دل فانه دل على النفس الطائعة الواقفة على حدها وكمالها  فكان لا يأكل الا من كد يمينه، وعرق جبينه، وما اتضح له حلاله من رزق الاخوان، فلم يفرّط في باب الحلال والحرام متبعا شروحات السيد في هذا الباب، بقوله قدس الله  سره :  " لان من لا يفرق بين الحلال والحرام لا يمكنه مشاهدة جلال الوهاب بلا حجاب، لان الحلال والحرام من قواعد الدين العظام"، كما قيل : " كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به "،  وقيل أيضا: " من لم يسأل من أين اكتسب المال لم يسأل الله من أين أدخله النار"، فتناهيه في طلب الحلال  جلب له تعب ومشقة، ولأهله نكد عيش ونغصة، فكثيرا ما كان يترك الطعام لأسباب في نظر أهله تافهه حقيرة، وفي نظره ودقة ورعه جليلة، ومما حدثت عنه المرحومة والدته انها ذات يوم طبخت طير دجاج للعائلة، واستحضرت بعض (الزاونات) تين من تينة للوقف بجوار بيتهم ، ووضعتها مع الطعام حال وضعه على النار، تقصد بهذا سرعة انضاج اللحم، وفي  اعتقادها ان هذا شيء لا ضرر منه، ولا يجب السؤال عنه، فلما حضر وقت الاكل وعلم المرحوم بما فعلته الوالدة امتنع عن تناول الطعام، فحصل عندها نغصة لامتناع ابنها بسببها، وذلك لسبب بسيط كان يمكن الاستغناء عنه.

 

صنعته:

 

وكان رحمه الله قد تعلم صنعة الحياكة على كبر، على يد المرحوم الشيخ أبي حسن يوسف وهبه، وصار ينسج الاعبئة على أنواعها والبسط ، فصارت هذه الصنعة بابا لرزق الحلال، وسببا للاتصال والتعارف مع الإخوان في البلدان،

 

وكان رحمه الله قد وصل الى مقام سيدنا شعيب عليه السلام في لقاء ديني حاشد، وزار دالية الكرمل وحل ضيفا عند المرحوم الشيخ أبي حسين علي نصر الدين وصارت بينهما  مودة ومراسلات فيما بعد واستمرت الى الانجال، وعند هذه الاسرة العريقة يوجد بساط من نسج الشيخ صاحب السيرة يستبركون به، ويحكى عنه أنه عندما وصل الى دالية الكرمل الى بيت المرحوم  الشيخ أبي حسين علي نصر الدين واهداه البساط من نسجه صار الاخوان يمتدحون صنعته لتقانتها وحسن صنعته وجمال الوانه  وسيدنا الشيخ أبو حسين محمود يبتسم لا يعترض ولكن عندما تجرأ أحد الإخوان الحاضرين وقال ان  الوان البساط لا تحول ولا تزول  ولا تتغير لم يرق له الأمر لدقته وقال :  " لا يبعدي الون يحول و يزول  ويتغير:  ".

 

زهده في الدنيا وطعامه:

 

 ثم انه رحمه الله كان زاهدا في الفاني طامعا في الباقي، متبعا سير اهل الورع والزهد والعبادة في تركهم للدنيا لقول يسوع عليه السلام : " حب الدنيا أساس كل خطيئة"، ولقول سيدنا ابراهيم ابن ادهم رضي الله السلام  عن الزهد : " الزهد  ثلاثة أحرف الزاي  ترك الزينة، والهاء ترك الهوى، والدال ترك الدنيا"، فترك الزينة والهوى والدنيا بكل دناوتها، وسلك في مأكله ومشربه نظاما تتبعه الانبياء الكرام، وهو الترفع عن ثقل الشبع وعن ألم الجوع ،لان الغذاء بمثابة دواء يجب ان يحدد مقداره، ويتناول في أوقاته بعد خلو المعدة من فضلاته لتصح منفعته وتدوم الصحة، فاكتفى بأكلتين في اليوم، وبشرب الماء بعد الطعام بساعة او بساعتين، كما شرّع السيد الأمير  ، وكانت اسرته عندما تجلس حول مائدة طعام الغداء ولا ياكل لالتزامه بما شرّعه السيد الامير –ق-  تتالم عليه شفقة عليه من شدة الجوع ومشقة عمله ولكنه يكتفي بقطعة من الحلوة بعد ان تترجاه كثيرا وكان يترنم كثيرا ببيت الشعر الذي يقول:   

 

 ان جُعتُ يوما فذكر الله يًشبعني     

ولا  اكون بحمد الله ضمآنا

 

وايضا يقول:

 

خُذ من طعامك للقوام  فكل ما     

 يتجاوز الحلقوم يذهب طيبُهُ

 

 والأكل لــلانسان راحتُه 

وفي كثــارِه من أكلِهِ تعذيبُهُ

 

وكان قد امتنع عن مأكولات كثيرة شهية لاعتبارها من الفضولات وليس من الضروريات ليفطم نفسه عن الملاذ الحسية لتستزيد من صفاء النورانية،وذلك احتسابا لوجه الله الكريم وتعففا لقول الحكيم افلاطون –ع-:" العفة تنهى عن الشهوة، كما ان العقل ينهى عن الهوى، فمن نهى العقل والعفة على الهوى والشهوة فقد أدرك الوطر، وسلم من الخطر"، وهذا هو الجهاد الأكبر الذي قال عنه الرسول صلعم عند عودته من موقعة بدر وهو: " عدنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر"، أي مجاهدة النفس في مرضاة باريها ، وكان رحمه الله قد اعتمد الاعتدال في كل اموره، ثم انه كان كثير الحمد للرازق العظيم في اثناء تناوله الطعام والشراب، فيذكر اسمه العظيم  على كل لقمة طعام وجرعة ماء وكل ثمرة فاكهة اتباعا لمرسوم الامير السيد في شرع الاكل والشرب، فباتباعه للاوامر الدينية وتقربه من خالقه ولفرط الاتصال به صار عقلا خالصا وحقا محضا وروحا صافيا ونورا الهيا وهذا هو الكمال الحقيقي للجوهر الانسي،

 

علو منزلته وحسن معاملته :

 

فبهذا السلك القويم، واخلاصه للرب الكريم، صار ينظر اليه بالاحترام والتبجيل والبركة حتى من غير طائفته فيقبلون اياديه الطاهرة ويدعون الله بتوفيقهم باسمه وبركته، ولكن مع كل دقته وحرصه كان متواضعا لاخوانه ناشرا بينهم الالفة والمحبة يزورهم يجابرهم يشفق عليهم ينصرهم  يعود مرضاهم يرد الظلم عنهم لا يغتابهم ولا يذكر أحد بسوء خوفا الاثم فكان يحافظ أشد المحافظة على توحيد الكلمة ولم الشمل وحلول الصفاء في القلوب يزيل العكورات عند اخوانه باية وسيلة لتبقى النفوس قابلة لاثار العقل، واذا تعرّض الدين لاية مخالفة كان رحمه الله بلطافة معاملته، وصادق طويته، وإخلاص محبته، وواسع حلمه وشفقته، يلقي عليه الملاحظة أو القصاص والمحاسبة بمهابة الوالد الصارم، وهدهدة الام الحنون، فتعم عندها المنفعة، وتنطفيء الفتنة، ويندثر اذاها، فكان رحمه الله طبيبا حاذقا في وصف الدواء، وعالما ماهرا  في معرفة الادواء، ومراقبا باسلا في دفع السيئات، لا يحسد الاخيار، ولا يعيب الاشرار، بل سلسا مع الغير، وعلى نفسه بالمصابرة والاصرار، لا يدخل رضاه في الباطل، ولا يخرجه غضبه اذا غضب عن الحق، مطاوعا لاخوانه، غير معتمد على التفرد برأيه وتبيانه، قاليا للمنازعات، جاليا لغيوم التهمات، مذعنا للحق اينما كان، موطدا له بالدلائل والبرهان، مترفعا عن الميل لاقران دون اقران، محاسبا نفسه قبل ان يحاسب، مؤديا الامانة قبل ان يطالب، خاشعا لامر مولاه قبل ان يعاتب، يعامل القبيح بالمليح،  فقد قضى رحمه الله عمره بالسيادة لسمو فضله، وصحة فضيلته، وعلو مقامه في الدين، وكبر منزلته، لفعله العجيب، وصبره الغريب، واجتهاده الشديد، فعاش حياته التي بلغت الـ 87 عاما، لم يتمكن خلالها احد ان يذكر له في نهجه القويم، وسبيله المستقيم، شططا، كما لم ينسب اليه في في جوهر اعماله وسادق افعاله واقواله انه تعمّد غلطا،

 

نواياه وسدقه بالوعد:

 

حتى أنه كان يسعى الى تطبيق النية مع العمل، فاذا نوى بأن يفعل شيئا يحرص كل الحرص أن يطبقه ولو كلفه مشقة، ودائما يربط الاشياء بالملائمة، حتى لا يعد وعدا ويخلفه، لقول الامير ق: " بأن اخلاف الوعد ضرب من ضروب الكذب"،

 

تتويجه بالعمامة المكلوسة (الدورية) ومناداته بالسيادة:

 

 فبصفاء نيته، ونقاء سريرته، وانصرافه الى الله تعالى بكليته، في اقواله وافعاله وسكناته، دفع بالاخوان، من كل قاص ودان، بالتوافد اليه، شوقا لرؤيته، والتماسا لبركته، والتفكّه بمحادثته، واقتباس افادته، من لفظه العذب الموزون، وجنانه الحنون، فجاؤوه مستبركين، شاكين، متظلمين وبه مستعينين ومستنصرين، فيفض لهم مشاكلهم،  فلاثاره الحميدة، وارائه السديدة، وطريقته الرشيدة، أجمع المخلصون من الاخوان، على اختلاف درجاتهم، الاعتراف له بالفضيلة، والمناداة له بالسيادة، وتوّج بالعمامة المكولسة "المدورة"، على يد شيخ العصر انذاك، سيدنا الشيخ أبو محمد سعيد العقيلي الذي له الفضل الكبير في استمرارية بقاء العمامة المكولسة التي تعود الى زمن بروز المذهب العرفاني ثم انتقلت الى كبير الموحدين الأمير السيّد جمال الدين عبد الله التنوخي (820 ـ 884هـ). وفي مراحل لاحقة الى الشيخ عز الدين أحمد ابن أبي الرجال (ت. 1112هـ) والشيخ حسين ماضي (ت. 1216  هـ) والشيخ أحمد أمين الدين (ت. 1224هـ) صاحب الوقف المشهور، وجعلوه إمامهم المطاع، ومرجعهم الأعلى، ورمزهم الأسمى، ولكنه حاول الفرار من الرئاسة هذه،  كمن يفر من حريق أو غرق، ففر من الشرف فتبعه الشرف، فالرئاسة لم تكن مطلبه، ولا السياسة مأربه، ولكن لا بد من الاستجابة لطلب الاخوان.

 

تتويجه لمشايخ عصره:

 

 فكان انيس مجالس الذكر، وعطر الزيارات الدينية، وكان رضي الله عنه قد قام في أحدى المناسبات الدينية في لبنان عام 1931 بتلبيس خمسة مشايخ من دروز فلسطين انذاك العمامة المكولسة، وهم المرحومين سيدنا الشيخ أبي يوسف أمين طريف من جولس، والشيخ أبي يوسف سلمان نصر من شفاعمرو، والشيخ علي حمادة(طريف) من جولس والشيخ أبي حسن منهال منصور من عسفيا، والشيخ أبي محمد سلمان خطيب من دالية الكرمل،وقد تنازل المشايخ الثلاثة الأخيرة من باب التواضع والإعذار، وفي عام 1933 قام بتلبيس ستة من مشايخ لبنان،وهم المرحوم الشيخ أبي حسيب أسعد الصايغ،المرحوم الشيخ أبي محمد سعيد شهيب ،المرحوم الشيخ أبي محمد سعيد خطّار،المرحوم الشيخ أبي يوسف محمود العنداري،المرحوم الشيخ أبي محمد نجيب أبو حمزة،والمرحوم سيدنا الشيخ أبي حسن عارف حلاوة، الذي قام بتلبيس بتاريخ 5 آذار 1988 المرحومين الشيخ أبي محمد صالح العنداري، والشيخ أبي ريدان أسعد شهيب، وشيخنا الشيخ أبي محمد جواد ولي الدين، والذي قام قبل وفاته بمدة بتلبيس الشيخين الفاضلين، المرحوم الشيخ أبي سعيد أمين أبو غنام، والشيخ أبي يوسف أمين الصائغ أمد الله في عمره.

 

مرضه:

 

 ولما بلغ الثمانين من العمر وشعر بوهن في اعصاب بدنه، وضعفا في نظره، ولا زال عنده من النشاط بقية باقية، فاراد انفاقها في طلب الاخره، زيادة على ما أنفق منذ نشأته، من زهد مفرط، واقبالا على طاعة سيده ومولاه، فقال لابنه يوما : " يجب على الانسان ان يترك الدنيا قيل ان تتركه، ويتزود منها لاخرته قبل ان تقبل عليه المنية وتدركه ".

 

 

وفاته:

 

 لقد توفي سيدنا الشيخ أبو حسين محمود فرج عن عمر ناهز الـ 87 عاما بتاريخ 23/11/1953 ،بعد ان الم به مرض لم تقدر الاطباء على علاجه، قابله بالصبر والرضى والاحتمال، وبالحمد والشكر للعلي المتعال، ولم يسمع مدة مرضه أنه شكى تألما، فكان لسماع نبأ وفاته الوقع الجسيم بين صفوف الاخوان، في كل بلد ومكان، وقد نعت مشيخة العقل وفاته، وكان مأتمه يوما عظيما مشهودا ومهيبا، حضره الاخوان، من كل قاص ودان، لوداعه الوداع الأخير ولثم  أياديه الطاهرة والتماس بركته والترحّم عليه، وكانت قد قيلت به المرثيات والخطابات، ودفن في بيته حيث اقيمت له حجرة تزار رحمه الله .

 

مصادر:

 

كنت قد استندث في مقالي هذا على كتاب سيرته الفاضلة لمؤلفه الشيخ أبو محمد حسين أبن المرحوم ووالد المرحوم الشيخ أبي عفيف محمد فرج الذي قتل أثناء حرب الجبل مدافعا عن العرض والارض والدين والكرامة والذي كان قد أضاف على كتاب والده "ملحقا" يبيّن سيرة المرحوم جدّه، رحمهم الله ونفعنا ببركاتهم أجمعين .  

 

תגובות

2. سلمان לפני 7 ימים
يعطيك العافية شيخ افضلت
1. سعاد לפני 7 ימים
لا تعب حالك

מומלצים