العالم رهينة قادةٍ يعشقون الحرب ويخشون السّلام

بغضّ النظر عمّا يحيط وقف إطلاق النار على جبهتي إيران ولبنان، بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على الأولى، وبين إسرائيل وحزب الله على الثانية، من تطوّرات وتغيُّرات وبمعزل عن السيناريوهات المحتملة المختلفة، بل المتناقضة والتي تتغير بشكل سريع ومتواصل، فتنتقل خلال ساعات, أو حتى بين تغريدة لدونالد ترامب وأخرى.

25.04.2026 מאת: المحامي زكي كمال
العالم رهينة قادةٍ يعشقون الحرب ويخشون السّلام

 

من تفاؤل بوقف دائم لإطلاق النار ونهاية للحرب ، إلى انتظار لعودة الحرب وبشكل أكثر شدّة وضراوة ، وبين  مواقف تتقارب فتؤدّي إلى مفاوضات يتمّ استئنافها وبين تنافر وفجوات عميقة،  وتصريحات إعلاميّة مطمئنة حول انفراج قريب سرعان من تتحوّل إلى تهديد ووعيد،

ورغم أن ما سبق يؤكّد ما كنت أشرت إليه إلى أنها حرب عبثيّة جاءت لمجرّد الحرب فقط، دون أهداف واضحة  يمكن قياسها موضوعيًّا ، وربما علنيّة لا يتمّ تعديلها وتبديلها صباح مساء، تضمن بدايتها ونهايتها  ودون "نقاط في المنتصف" تضمن وقفها أو  تسمح  بوقفها، وتشكّل نقطة انطلاق لحلّ دائم ، شرطه الأوّل الثقة بين الأطراف ذات العلاقة من جهة ورغبتها كلّها دون استثناء في وقف الحرب من جهة أخرى. وهما عاملان نفتقدهما تمامًا في الحرب الحاليّة، بدليل التشكيك الأميركيّ الدائم بصدق المفاوضين الإيرانيّين والذي يصل حدّ التفحّص والتمحّص بعد كلّ تصريح أو اقتراح،

تحاشيًا لكونه مصيدة ومحاولة التفاف، وهو ما يقابله شكّ إيرانيّ ربما أعمق وأكثر وصولا إلى ترديد القول الإيرانيّ المعروف، إنه إذا صافحت أمريكا، فعليك بعدها أن تعدّ أصابع يدك. يضاف إلى ذلك وإلى جانب التأرجح الأمريكيّ والإيرانيّ بين الرغبة العقلانيّة في إنهاء الحرب والدافع الغريزيّ بإخضاع الخصم، وموقف إسرائيل الطرف الثالث في هذه المعادلة سواء في إيران أو لبنان، والذي يغلب عليه التمنّي بفشل المفاوضات، بل ربما الدفع ولو خفية باتّجاه ذلك، كي يتسنّى العودة إلى الحرب، فإن هذه الحرب تطرح للنقاش قضايا كثيرة  منها ما هو جديد وتحديدًا ما إذا كان العالم ،

في القرن الحادي والعشرين سيعود أو قرّر العودة إلى ما كان الحال عليه حتى منتصف القرن العشرين من قيام دول كبيرة وقوية سياسيًّا وعسكريًّا بغزو أو احتلال أو محاربة دول أصغر قوة وقدرة وتغيير أنظمتها وربما تركيبتها السكانيّة وطبيعتها. ومنها ما اعتقدنا وربما من باب نقاء السريرة والتمنّي بعالم بعيد عن التطرّف الدينيّ ، خاصّة على ضوء الضربات التي لحقت في الشرق والعالم بالحركات الدينيّة والأصوليّة ،

وهو استخدام الدين أو تطويعه بشكل غير مسبوق لأهداف سياسيّة عامّة، والأخطر من ذلك لتبرير حروب لا مبرّر لها بما فيها من خراب ودمار وضحايا.

 


هذا التوجّه، وأعني تجيير الدين والفتاوى والتعابير والتوصيفات الدينيّة، لتبرير استمرار الحرب رغم  نتائجها الكارثيّة وضحاياها البشريّة المباشرة  والفوريّة والأضرار بعيدة المدى التي تلحق بأطرافها كلها دون استثناء ومع التفاوت بينها، ليس جديدًا بالنسبة لإيران وحزب الله منذ عقود،

كما أنه ليس جديدًا لإسرائيل خاصّة منذ هجمات حماس وفظائعها في السابع من أكتوبر عام 2023 والحرب التي تلته والتي لازمتها منذ يومها الأوّل مصطلحات دينيّة منها أنها حرب ضد العماليق وهم أعتى أعداء اليهود، وما ذكره  رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في خطابه بعد أيام منها حين قال:" تقول لنا التوراة أذْكُرْ مَا فَعَلَهُ بِكَ العَمَالِيقُ"، لم يبق حصرًا على الأطراف سابقة الذكر وسنعود إليها لاحقًا، بل إنه وصل في بعض جوانبه الإدارة الأمريكيّة الحاليّة، برئاسة دونالد ترامب  خاصّة مع الأخذ بعين الاعتبار توجّهات عدد من وزرائه ومسؤوليه ومنهم وزير الحرب بيت هغزيث والذي اشتهر باقتباساته من الإنجيل والتوراة بما في ذلك، اقتباس خاطئ  قال فيه " سأنزل بكم العقاب والانتقام" نسبه للتوراة وهو مأخوذ من فيلم هوليوود،

وسفيره في إسرائيل مايك هاكابي والسيناتور  ليندزي غراهام والإعلاميّ مايك ليفين، وبتأييد من اليمين المسيحيّ الأفنجلستي، دون أن يتوقّف الأمر عن ذلك الحدّ، بل وصل الامر مرحلة جديدة أراد فيها ترامب  تحويل  نهجه تجيير الدين لمصلحة مواصلة الحرب،

إلى نهج عالميّ شامل وملزم أو ربما  إلزام البابا ليو الرابع عشر، وهو بابا الفاتيكان الأّول من أصل أمريكيّ، بتبني مواقف الإدارة الأمريكيّة  وشرعنة الحرب على إيران بدوافع دينيّة منها أن إيران تهدّد حياة الناس، ما يعني عمليًّا وفي نظر الكثيرين  تحويلها من حرب سياسيّة اقتصاديّة وعسكريّة بين إيران وأمريكا وإسرائيل إلى حرب ذات سمات دينيّة بين طرفين أولهما الهيئة العليا الدينيّة للمسيحيّين في العالم ممثّلةً بحاضرة الفاتيكان  ومعها الدولة العظمى الوحيدة في العالم أمريكا،

وإلى جانبها إسرائيل كممثّلة لليهود التي تعتبر إيران خطرًا وجوديًّا، مقابل إيران ممثّلة العالم الإسلاميّ الشيعيّ والتي تؤيّدها جماعات ودول إسلاميّة سنيّة منها تركيا وقطر والباكستان وغيرها. وهذا الأمر  يشكّل استمرارًا لتوجه دونالد ترامب منذ ولايته الرئاسيّة الأولى، حيث وظّف ترامب الرموز الدينيّة في معاركه السياسيّة، مثل حادثة "الصورة بالإنجيل"  القريبة من البيت الأبيض،

أمام كنيسة سانت جون عام 2020، حين وقف ترامب أمام تلك الكنيسة حاملًا الكتاب المقدّس وبيع نسخ من الكتاب المقدس تحمل علامته التجاريّة، وبشكل أكبرفي ولايته الثانية، وتوجّهه نحو الجوانب الدينيّة في السياسة في محاولة لنقل الدين من كونه مرجعيّة أخلاقيّة عامّة إلى أداة تعبئة سياسيّة واستراتيجيّة للحشد، خاصّة بين المسيحيّين الإنجيليّين البيض، إضافة إلى استخدام خطاب يدمج السياسة بالدين،

وهو ما وَصفه البعض  بـالترامبيّة المسيحيّة، في تجاوز واضح للدستور الأمريكيّ  الذي يمنع الدولة من تبنّي أو تفضيل دين معين، ويضمن الفصل الواضح بين الدين والدولة كركن أساسيّ لضمان الديمقراطيّة الأمريكيّة،  علمًا أن ترامب كان  قد اصطدم سابقًا  مع قيادات دينيّة، منها انتقاده للبابا الراحل فرنسيس لمعارضته نيّة ترامب بناء الجدار القاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك وقمع المهاجرين وربما إطلاق النار عليهم،  وصدامات مع البابا ليو الرابع عشر حول قضايا الحرب والسياسة الخارجيّة،

حيث انتقده ترامب  عبر منصّته "تروث سوشيال"، وهاجم دعوات البابا للسلام في ظلّ استمرار الحرب التي اندلعت في 28 شباط، واتّهمه بأنه يقبل أن تمتلك إيران أسلحة نوويّة وأسلحة إبادة جماعيّة واصفًا موقفه هذا بالضعف،  مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن ترامب وضمن جهوده تجيير الدين لخدمة أهدافه السياسيّة، وتأكيد مسيحيّة الدولة  بشكل كبير وواضح، أسّس مكتب الإيمان في البيت الأبيض(موازٍ لوزارة التراث اليهوديّ في حكومة نتنياهو الحاليّة) لتمكين المنظّمات الدينية وتعزيز التواصل الدينيّ، في خطوة جعلت أنصاره يقولون إن  هذا النهج يشكّل  شجاعة في مواجهة العلمانيّة،

بينما يراه المنتقدون توظيفًا للدين لخدمة أهداف سياسيّة. وهو صدام يعيد إلى الأذهان حالة مشابهة حاول فيها الزعيم الشيوعيّ السوفييتيّ جوزيف ستالين السخرية من الفاتيكان والبابا بيوس الثاني عشر حينه، الذي دعا إلى وقف الحروب  وأعلن  معارضته لحكم ستالين  الديكتاتوريّ، ودعا السلطات السوفييتيّة عام  1945 فور نهاية الحرب العالميّة الثانية إلى منح حريّة العبادة، فسأل بسخرية " كم دبابة يملك البابا هذا " تعبيرًا عن  ضعف البابا والفاتيكان .

 


والحديث عن مواجهة العلمانيّة والليبراليّة، وهو حديث دينيّ، لا يقتصر في حالة ترامب على الولايات المتحدة وقراراته إغلاقها أمام المهاجرين عامّة وغير المسيحيّين منهم خاصّة وهو ما تعكسه مواقف كثيرين من قيادات المعسكر المؤيّد لترامب، المطالبة بطرد المهاجرين غير القانونيّين خاصّة من الدول الإسلاميّة والعربيّة، وبضمن ذلك التحريض والمعارضة التي واجهها عمدة نيويورك زهران ممداني قبيل انتخابه، وقبله الرئيس السابق باراك أوباما، بل إنه حديث ينسحب على مواقف ترامب من الليبراليّة والعلمانية بكل ما يتعلّق بموجات الهجرة من الشرق الأوسط وآسيا والتي غيَّرت،

وهذه حقيقة يراها كل ذي بصر، ولا تشكّل معاداة للمهاجرين، بل استعراضًا للحقيقة الواقعة وربما المؤلمة، التي يشاهدها ترامب في أوروبا، حيث تعاني الحكومات هناك العجز التامّ أمام موجات الهجرة من العالم الإسلاميّ  والتي تتّسم بالتطرّف الدينيّ  ورفض الاندماج في الحياة الغربيّة الأوروبيّة، وصولًا إلى حالة تعيشها دول أوروبيّة منها السويد على سبيل المثال لا الحصر، والتي حذّر البعض فيها السلطات من أن عدم مواجهة  المواقف العلمانيّة والليبراليّة من قضية الهجرة، سيمسّ بالبلاد ويضعفها،

وهو ما يحصل اليوم من حيث وجود مناطق لا تسيطر عليها السلطات الرسميّة وتمتنع قوات الشرطة والأمن فيها عن ممارسة نشاطها فيها، وينعدم فيها الأمان، بل تسيطر عليها عصابات أفرادها وقياداتها من أصول آسيويّة وإسلاميّة يرفضون الاندماج في الدول الأوروبيّة ويفشلون في تبني أنماط الحياة الغربيّة الديمقراطيّة،

وهو الحال كذلك في بلجيكا حيث تحوّلت مناطق عديدة خاصّة في المدن الكبرى، إلى مناطق خارجة عن سيطرة السلطات خاصّة تلك الأحياء ذات الأغلبية المهاجرة، ومنها بلدة مولنبيك غرب العاصمة البلجيكيّة بروكسل، والتي. ارتبط اسمها بـالتطرف خاصّة بعد هجمات باريس 2015، وهي تشمل نسبة عالية من المهاجرين من أصول أفريقيّة وتبلغ نسب البطالة فيها نحو 30% ويعتبر مستوى العنف عاليًا للغاية.

 


ما سبق هو الدليل القاطع بالنسبة لترامب على ضرورة وضع حدّ لليبراليّة والعلمانيّة المتسامحة للحفاظ على بلاده، ومن هنا جاءت انتقاداته المتواصلة للدول الأوروبيّة التي يعتبرها دولًا ضعيفة لا يمكنها الدفاع عن نفسها تجاه الأخطار الداخليّة المتمثّلة في تدفّق المهاجرين من جهة والتوجّهات الليبراليّة المعتدلة والمواقف الدينيّة المتسامحة، كما يعتبرها ضعيفة خارجيّة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها، وهو شعور يعزّزه فشل ترامب في جرّ الدول الأوروبيّة إلى أتون الحرب مع إيران أو حتى المشاركة في قوات دولية لفتح مضيق هرمز وضمان حريّة الملاحة فيه، واعتبار ذلك ضعفًا من جهة ونكرانًا للجميل من جهة أخرى، ناهيك عن اعتباره الدول الأوروبيّة ( أوروبا الكاثوليكيّة) ضعيفة والدليل في نطره عدم قدرتها على وقف الحرب في أوكرانيا  ضعفها أمام روسيا وقبل ذلك عدم قدرتها على منع روسيا أصلًا من مهاجمة أوكرانيا، وطلبها الدعم والمساعدة الماليّة  والعسكريّة من الولايات المتحدة منذ بداية الحرب،

وكون الدول الأوروبيّة غير قادرة على حلّ مشاكلها الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة، وإصرارها خاصّة إسبانيا الحاليّة على دعم الفلسطينيّين ورفض الحرب على إيران، ناهيك عن ردّها الخجول والمتردد  على محاولات إيران امتلاك أسلحة نوويّة، مع الإشارة إلى الفارق الكبير والشاسع بين مواقف القيادات الأوروبيّة من إيران والشرق الأوسط والمهاجرين ،ومواقف الجماهير الأوروبيّة وهي مشاعر يغلب عليها الشعور بعدم الأمن وانعدام الأمان، واتّهام القيادات أنها تخشى المواجهة ولا تعمل على حلّ الأزمات بل على تعميقها،  أو على الأقلّ تأجيلها وذلك خشية مواجهة ما.

 


 الإشارة إلى تجيير ترامب الدين خدمة لمصالحه السياسيّة، ليست عبثًا، بل إنها إشارة إلى الخطورة الكامنة في الأمر، خاصّة وأنه يتزامن في الحرب الأخيرة مع إيران وتلك التي قبلها، وكذلك الحرب في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، مع تجذّر التوجّهات الأصوليّة الدينيّة والسياسيّة في المنطقة بما فيها إسرائيل،

ابتداءً من إيران التي ترفع راية الإسلام الشيعيّ وولاية الفقيه التي أساساها نشر الدعوة الخمينيّة الشيعيّة دون الاكتفاء بالبعد الدينيّ، بل إضافة أبعاد سياسيّة إليه تمثّلها الدعوات إلى إبادة إسرائيل وأمريكا باعتبارهما الشيطان الأكبر والأصغر، وإنشاء مواطئ قدم متطرّفة وأصوليّة كما الحال في لبنان تشكّل قاعدة لنشر الفكر الخمينيّ والعقيدة الشيعيّة، عبر الدمج التامّ بين السياسة والاقتصاد والعمل الاجتماعيّ والقوة العسكريّة، كما حزب الله في لبنان والعراق والحوثيين في اليمن. وكلها حركات ديدنها الجهاد ورفض الغير والمختلف، واعتبار الجهاد  عسكريًّا الفرض الأكبر والذي تتقزّم أمامه باقي الاعتبارات، وكذلك حماس والتي ينادي ميثاقها بدولة إسلاميّة على كافّة أنحاء فلسطين باعتبارها وقفًا إسلاميًّا خالصًا،

وما على الأغراب والأقليّات وخاصّة اليهود إلا الاختيار بين البقاء مواطنين طائعين ساكتين أو الهجرة،  وكذلك الائتلاف الحاليّ في إسرائيل والذي تميّزه التوجّهات اليمينيّة المتطرّفة خاصة في السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل إسرائيل هذه الدولة الصغيرة في الشرق الأوسط، تبدو أمام العالم كله على أنها تتبع التوجهات  الخلاصيّة المسيحانيّة  والسياسات التوسعيّة،

والتي تدفعها في نظر الأوروبيين وخاصّة المواطنين منهم، إلى البحث عن الحروب واعتبارها هدفًا وليست غاية، وليس ذلك فقط بل ربما اختراع الأخطار والأعداء، واعتبار إيران هذه المرة العدو الذي يشكّل الخطر الوجوديّ على إسرائيل، في تكرار لتوجهات سابقة مماثلة اعتبرت مصر مثلًا الخطر الوجوديّ الأكبر على دولة إسرائيل  والدولة التي تسعى إلى إبادتها باعتبارها جسمًا غريبًا في الشرق الأوسط، وبالتالي تكرار الحروب معها منها العدوان الثلاثي عام 1956(حملة كاديش وفق المصطلح الإسرائيليّ) والذي شاركت فيه إسرائيل وبريطانيا وفرنسا ضد مصر، وحرب الأيّام الستّة عام 1967 والتي انتهت إلى احتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء بكاملها والاستيطان فيها حتى اتفاقيّات كامب ديفيد مطلع ثمانينيّات القرن الماضي،

وحرب أكتوبر عام 1973، وكانت النهاية توقيع اتفاقيّات كامب ديفيد بعد زيارة رئيسها أنور السادات إلى إسرائيل ولقائه رئيس حكومتها السابق مناحيم بيغن وكلمته أمام البرلمان الإسرائيليّ، وبالتالي يسأل البعض هل عجلة التاريخ قد تجعل ما حدث مع مصر ممكنًا مع إيران ، بمعنى التوصل إلى اتفاق بين إيران وإسرائيل وأمريكا، خاصّة وأن أمريكا هي عرّابة اتفاق كامب ديفيد المذكور.

 


حرب إيران الحاليّة والتي سبقتها والحرب في لبنان ، وكلاهما استمرار بشكل أو بآخر للسابع من أكتوبر وتأثيراته،  وكذلك توجّهات ترامب واليمين المسيحيّ الداعم له في أمريكا والداعم لإسرائيل واستمرار الحرب ضد إيران وحماس وحزب الله، تؤكّد خطورة التوجّهات الدينيّة المتزمّتة في كل الديانات خاصّة إذا تم قرنها بالسياسة وكلّها مصالح خاصّة وشخصيّة، فخطورة التعصّب  بكافّة أشكاله سببها أنه يعند الغوغائيّة والشعارات ولا يترك للمنطق والعقلانيّة أي مجال، ناهيك عن أنه يعتمد التعميم والاختصار وعدم التمييز بين "ألوان الطيف" فكلهم سواسية في نظره، وبالتالي هناك من يصفه أنه أمر خطير أصله التعميم والإجحاف،

وهو حالة تجدها في كافّة الديانات ، بمعنى وجود تشابه كبير، بل ربما تغدية متبادلة لمظاهر التطرّف في الديانات المختلفة،  خاصّة بين طرفي النزاع في المنطقة والذي تحوّل إلى نزاع دينيّ  خدمة لأهداف السياسيّين وفي محاولة منهم لقمع أيّ توجّه بديل، وعلينا جميعًا هنا أن نعترف أن التطرّف مثلًا في العالم  الإسلاميّ  وخاصّة  التشدّد المذهبيّ،  والتطرّف الدينيّ اليهوديّ، وخاصّة الصهيونيّة الدينيّة، يؤكّدان تمامًا "نظريّة المرآة" حيث يغذّي كلّ طرف الآخر فكريًّا وسياسيًّا رغم حالة العداء الظاهريّ،

وذلك عبر نقاط مشتركة يستغلّها كلّ طرف لتبرير تطرفه وممارساته  وتضخيم خطر الطرف الآخر،  فإسرائيل وخاصّة اليمين المتطرّف فيها يستغلّ مظاهر التطرّف في الجماعات الإسلاميّة لتضخيم الخطر الإسلاميّ ونشر "الإسلاموفوبيا"، تمامًا كما استغلال  ممارسات المتطرّفين اليهود، ومنها الدعوات إلى تهجير الفلسطينيّين ومظاهر الإرهاب اليهوديّ في الضفة الغربيّة وممارسات شهدتها الحرب في غزة، وزيارات واقتحامات اليهود للمسجد الأقصى،  

لتعزيز الرؤية المتطرّفة عن اليهود وتضخيم خطرهم، ناهيك عن قاسم مشترك إضافيّ وهو استغلال  كل طرف من الطرفين نصوصًا دينيّة  لتحقيق أهداف سياسيّة، مثل الاستيلاء على الأراضي ورفض الآخر وشرعنة قتله ربما، باستخدام مبدأ الشموليّة ورفض وجود الآخر، والخلاصة اللازمة هي أن طرفي التطرّف الدينيّ في المنطقة وجهان لعملة واحدة، يعتمد بقاء أحدهما  وزيادة قوّته على زيادة تطرّف الطرف الآخر، يجمعهما  قاسم مشترك هو رفض الاعتدال  والنزوع إلى التطرّف الذي يهدّد  أمن واستقرار المنطقة،

ومن هنا الخطورة. هذا يقودني إلى السؤال وعلى ضوء كشف مظاهر التطرّف الدينيّ في أطراف النزاع الثلاثة، ما إذا كانت مظاهر التطرّف هذه نذير بأن وقف إطلاق النار في إيران ولبنان على حدّ سواء لن يستمر، فالدوافع الخفيّة أقوى وأكثر عمقًا، رغم إعلان المفاوضين الإيرانيّين إحراز تقدّم في المفاوضات ثمّ التراجع والاعلان عن فتح مضيق هرمز ثمّ التراجع، وما إذا كانت أطراف الحرب مستعدة لتكبّد معاناة خوض المفاوضات المضنية،

وإمكانيّة تقديم التنازلات اللازمة وهي خطوات تحتاج إلى الشجاعة الأخلاقيّة والسياسيّة، فالحرب أسهل في البدء والاندلاع، فهي لا تتطلّب سوى طرف واحد بينما  يتطلّب السلام موافقة الطرفين، ورغم أن وقف الحرب في حالتنا هذه، والسلام بعده هو اختيار القادة العقلاء، الساعين لمصلحة شعوبهم وضمان استمرار  الحياة ، إلا أن صنعه ، خاصّة إذا أُريد له أن يكون دائمًا وعادلًا وشاملًا  أصعب من الحرب،

لأنه يتطلب شجاعة وتنازلات وتفاهمات بين الخصوم السابقين، فالسلام الحقيقي ليس فقط انتهاء الحرب، بل خلق علاقات تفاهم وتعايش وعيش مشترك، ليس بين القيادات فحسب، بل بين الشعوب أوّلًا، والتجارب في الشرق الأوسط  دليل على أن السلام بين القيادات يبقى مجرّد حبر على ورق، فالحرب قرار فرديّ أما السلام فعمل جماعيّ مبارك، قال عنه الرئيس البرازيليّ، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا:" يمكن الفوز في الحرب منفردًا، لكنّ السلام ، السلام الدائم،

لا يمكن الفوز به أو ضمانه بدون توافق الجميع"، أو قول فولتير :" ليس القويّ من يكسب الحرب دائمًا وإنما الضعيف من يخسر السلام دائما"... فهل ستُفرز هذه الحرب قادة أقوياء، أم أن القيادات ذات العلاقة ، وكما نعرفها، ستختار الضعف حتى لو حاولت تغليفه وتسويقه للمؤيّدين  والقاعدة الانتخابيّة  بشعارات  رنّانة حول  الصمود والتمسّك بالحقوق والكرامة القوميّة واستقلاليّة القرار،

ورفض التنازل وكسر شوكة الخصم والعدو؟ وكلها شعارات غوغائيّة معناها الحقيقيّ أن تتغلّب الحرب على السلام ...وفي هذا الطامّة الكبرى.. والأيام القريبة ستتكفل بالردّ، لأن الحرب الحاليّة بين إيران وأمريكا وإسرائيل ليست حربًا جرّاء خلافات جغرافيّة ولا اقتصاديّة، بل هي حرب تخدم القيادات والسياسيّين في كل أطرافها والذين يريدون منها صرف أنظار مواطنيهم عن إخفاقات داخلية، وتوجيه الغضب الجماهيري الداخلي المتراكم ضدّهم في بلادهم، لخوفهم من فقدان السلطة والقوة، لأسباب سياسيّة واقتصاديّة ومدنيّة وحقوقيّة وغيرها، إلى عدوّ خارجيّ.

 

תגובות

מומלצים