هل تتخلص البشرية من الشر  والظلم لتصل الى السلام والتحضر والعدالة؟

أسئلة كثيرة وملحة تستوجب الأحداث المحلية والإقليمية والعالمية طرحها وذلك على ضوء التطورات المتواصلة على الساحة المحلية الإسرائيلية من حيث الاصطفافات الحزبية استعدادًا للانتخابات البرلمانية المتوقعة، اذا لم يحدث عسكريًا ما يلغيها او يؤجلها ، بعد شهرين من اليوم وتحديدا في السابع والعشرين من أكتوبر تشرين الأول

29.08.2026 מאת: المحامي زكي كمال
هل تتخلص البشرية من الشر  والظلم لتصل الى السلام والتحضر والعدالة؟

المحامي زكي كمال

وهي انتخابات يميزها التنافر والتوتر والتطرف او حتى السباق المحموم الذي يحاول كل حزب فيه ابراز كونه الأكثر تطرفًا ، وسط اجماع على امر واحد هو  ذلك الشعار الفضفاض  والبرَّاق  بشكله الخارجي ومظهره بالنسبة للأحزاب اليهودية،  والذي يتحدث عن تشكيل حكومة قادمة تتألف من أحزاب صهيونية فقط،  لكنه يخفي  في حقيقته عنصرية واضحة  هي  اقصاء  المواطنين العرب الذين يشكلون اكثر من 20 بالمئة من مواطني الدولة ومنعهم كسياسة رسمية ومتفق عليها من المشاركة في عملية اتخاذ القرار والتأثير والمشاركة في الائتلاف او الحكومة او حتى كونهم كتلة مانعة تدعم الائتلاف من الخارج،  و تقصي ممثليهم في البرلمان القادم رغم مواقف بعضهم الداعية الى الاندماج والمشاركة السياسية وغيرها،  وسط صمت مطبق من المصوتين وكأن الأمر مفروغ منه او انها صيغة" الديمقراطية الإسرائيلية" المعاصرة

 

وكل ذلك يلفه ضباب او احتمالات تصعيد عسكري في لبنان وغزة والضفة الغربية ومع ايران والحوثيين وسوريا وتركيا التي انضمت مؤخرًا الى قائمة الخصوم خاصة بعد قصف إسرائيل للمطار العسكري في أبو الظهور بسوريا ، واقليميًا عبر التحول الاستراتيجي الملفت والمتمثل بإعلان الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب الانتقال  من المواجهة العسكرية والسياسية الى حرب اقتصادية غير مسبوقة وعقوبات مشددة ضد إيران ،  لها ايضًا انعكاسات على الشرق الوسط كله نتيجتها المباشرة والسريعة، ارتفاع  أسعار الوقود على شعبية الإدارة الأمريكية قبيل انتخابات التجديد النصفي تهدف اضعاف اقتصادها واجبار قياداتها على الاحتكام الى العقل والمنطق والقبول بمسار سياسي واضح ينهي الزمة خاصة في مضيق هرمز، وسط ردود فعل إيرانية متوعدة تعتبر العقوبات صنفًا من الإرهاب الاقتصادي

 

والى جانب ذلك استمرار التوتر العسكري هناك، ومساعٍ إقليمية ودولية تقودها أطراف كعُمان وتركيا لاحتواء أزمة الملاحة وضمان الأمن الإقليمي ، وصولا الى  أوروبا والحالة المتردية فيها إزاء ما تواجهه من موجات هجرة من افريقيا وآسيا وآخرها ما شهدته منطقة سبتة بين المغرب واسبانيا، وما تم الكشف عنه من ان دول أوروبية معروفة، تدفع المال لجماعات مسلحة يرأسها الجنرال خليفة حفتر في ليبيا ، لمنع الهجرة اليها او معلومات مشابهة تتطرق الى تونس والهجرة الى إيطاليا، وهي أسئلة  ضرورية تشكل جزءً من محاولة فهم الحاضر  المؤام والصعب الذي  يشهده العالم اليوم والمليء  بالتحديات والصعوبات الكبيرة مثل   التطرف السياسي والقومي والنزاعات والحروب والتوترات الأمنية، والفقر، والتغير المناخي، والهجرة والأزمات الاقتصادية والبطالة في أوساط الفئات الشابة.


الأسئلة كثيرة ورغم انها تبدو في ظاهرها فلسفية واكاديمية ، إلا انها حقيقية تلامس كافة القضايا والشؤون اليومية للمواطنين وتلقي الضوء  على حالتنا الراهنة والتي تتكشف فيها الحقائق وتزول الأقنعة خاصة عن أمور ومظاهر اعتقد كثيرون انها تضمن الحرية والمساواة والعدل والاحترام الإنساني، وبالتالي لا بد من أسئلة حقيقية اسرائيليًا ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية واجوائها التي يتخللها اقصاء العرب او اقصاء الأقلية او استبداد الأغلبية، وهل ما زالت الديمقراطية الإسرائيلية وهي التي لم تكن كاملة تجاه المواطنين العرب منذ قيام الدولة عام1948

 

رغم تَغَنّي إسرائيل بكونها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط،  الحل السحري او هل ما زالت قائمة اصلًا، او انه  أصبح بالإمكان اختزالها في جزئية واحدة فقط هي ضمان  حرية الفرد ، وهنا في حالتنا هذه الفرد اليهودي وهو جزء من الأغلبية،  في اختيار أفكاره وتحديد مواقفه السياسية  وانتخاب ممثليه، أي الحق في الاختيار،  دون ضمان الوجه الاخر  من العملة الديمقراطية وهو  قبول حق الجميع، وخاصة الأقلية،  في اختيار مواقفهم وممثليهم، حتى لو كانت مواقفهم مناقضة ومختلفة تمامًا، أي اقتصار الديمقراطية على الأغلبية فقط  وجعلها صوت لها يخدم مصالحها  دون ان يضمن الحقوق الفردية والجماعية  والحريات للجميع، ودون قبول المبدأ الأساسي وهو وجود ، بل ضرورة وجود، آراء وأحزاب وطوائف متنوعة تتنافس سلمياً لخدمة المجتمع،

عبر ضمان المشاركة الحقيقية ليس فقط في التصويت بل في  صناعة القرار ، ومنع  طغيان الأغلبية وحماية حقوق المجموعات المختلفة في المجتمع، وفهم الحقيقة الواضحة وهي ان الديمقراطية ليست للأغلبية فقط وليست عملية تصويت فقط بل مسار تكاملي يحتاج إلى تنازلات متبادلة وعمل جماعي ومشاركة للجميع، ومن هنا فالمعنى الفعلي للحديث الصريح والعلني  عن حكومة مع احزاب صهيونية فقط، هو استبعاد الأحزاب العربية كلها دون استثناء  واستبعاد مصوتيها،  عن أي ائتلاف حكومي مستقبلي، وقصر التحالفات على الأحزاب اليهودية التي تؤمن بالفكر الصهيوني، وحصر ميزة وصلاحية  اتخاذ القرار بيد الأغلبية اليهودية، وترك النواب العرب في صفوف المعارضة وهي ايضًا تؤمن بعدم اشراكهم وعدم دمجهم،  ورفضهم  على خلفية قومية 

 

وبكلمات أخرى تأكيد كون إسرائيل دولة لليهود فقط، وليست حتى دولة يهودية وديمقراطية، ليس فقط في  قراراتها السياسية والأمنية الاستراتيجية  بل في قراراتها وسياساتها المتعلقة ايضًا بالقضايا الحياتية واليومية ،  كمكافحة العنف وتوفير الميزانيات والبنى التحتية وضمان الحقوق المدنية للعرب الذين تجعلهم الدولة مواطنين من الدرجة الثانية او اقل من ذلك، وتحت طائلة الاتهام الدائم بعدم الولاء والمطالبة الدائمة بإثبات الإخلاص، واعتبارهم خارجين عن الإجماع الاسرائيلي اليهودي، وعنصرًا لا يشكل جزءً من بنية الدولة بل ربما عاملًا يهددها  او حتى طابورًا خامسًا، يتم استخدام "الديمقراطية الإسرائيلية " وتشريعاتها لتقييد حريته والحد من مشاركته في اللعبة  السياسية بل اقصاؤه منها تمامًا

 

وليس ذلك فقط بل ان استخدام هذا الشعار في الدعاية الانتخابية لا يقتصر على كونه تعبيرًا عن مواقف او برامج انتخابية بل انه من جهة، وسيلة للضغط على  الخصوم السياسيين ودفعهم نحو مواقف متشددة ومعادية، آخرها اعلان الجنرال غادي ايزنكوت زعيم حزي " يَشار"  بان دولة فلسطينية لن تقام في عهد حكومته ردًا على تصريحات الدكتور منصور عباس، رئيس القائمة  العربية الموحدة، بأنه الدولة الفلسطينية قائمة وعلى إسرائيل وأميركا الاعتراف بها، ومن جهة أخرى تهمة جاهزة قوامها التنازل عن الطابع القومي اليهودي  للدولة إذا لوّح أحدهم بالتعاون مع النواب العرب أو حتى الاهتمام بقضايا المواطنين العرب، مع الإشارة هنا الى ان مصطلح الصهيونية لم يرد في أي من قوانين الأساس التي رافقت قيام الدولة ومنها قانون" أنظمة الحكم والقضاء "للعام 1948 وهو اول قانون فور قيام الدولة، وبعده قانون التعليم الإلزامي من العام 1953، وقانون أساس إسرائيل دولة القومية اليهودية، وانه ليس هناك قوانين تحاول شرح اهداف الصهيونية، بل قوانين تحاول ترتيب مسؤوليات دولة إسرائيل وأهدافها،  ومن هنا السؤال هل سيكون النقاش في الانتخابات القريبة حول سبل ضمان امن وسلامة واحتياجات المواطنين اليهود فقط في الدولة ( الصهاينة) ام كافة مواطنيها، ومناقشة تعريف الدولة ما اذا كانت يهودية ام ديمقراطية  ام صهيونية؟؟ 


ما سبق يستوجب، وبشجاعة طرح السؤال، حول ما اذا كانت الديمقراطيات في أيامنا هذه وما يرافقها من اوصاف تعتبرها قمة وخلاصة وصفوة التحضر والمساواة والنقاء السياسي والإنساني،  أنظمة حكم قوية ومتماسكة يمكنها مواجهة الأزمات والصعاب دون التنازل عن ثوابتها ودون دوس الضعفاء والأقليات والتحول الى دكتاتورية الأغلبية خاصة في أيام الأزمات، ام انها كما يثبت التاريخ، قشرة رقيقة وقابلة للكسر تخفي تحتها العنصرية والكراهية والمخاوف والقبلية التي رافقت الإنسان منذ القِدَم، وأن من نسميه "تحضراً" غالباً ما يكون طبقة خارجية هشة تزول بسرعة عند أول أزمة حقيقية، ليظهر حينها الوجه الحقيقي وميزته  انهيار الأسس الديمقراطية وتضاؤل معانيها وضيق مساحة ممارستها، إضافة الى الخوف والأنانية  وسرعة الانهيار الأخلاقي خاصة في أوقات الحروب ، فتبرز النزعات العرقية والطائفية  والدينية المتطرفة حتى في المجتمعات التي تدعي العلمانية والحرية والمساواة،  وتتراجع سيادة القانون ، واستمرار اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية دون رادع ودون قرار حكومي رسمي بمواجهتهم، واستمرار بل تفاقم مظاهر العنف في إسرائيل عامة والمجتمع العربي خاصة، هو دليل على ما يعنيه ذلك من ضعف  للتشريعات وللمؤسسات ، وتراجع لقيم المساواة وتعزيز التوجهات الإقصائية وانعدام الأسس والقوانين القوية التي تحمي الممارسة الديمقراطية وتمنع العودة إلى شريعة الغاب والتعصب الدفين والعصبيات القديمة  الكامنة في النفوس بانتظار الشرارة الأولى لتظهر من جديد.


استمرارًا لما سبق وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم حروبا وصراعات من أوكرانيا الى الشرق الأوسط ومناطق أخرى، وتهديدات لاقتصاد دول كبيرة، لا بد من السؤال الذي كان طرحه قبل عقدين امرًا ممنوعًا خاصة في ظل الحديث الأميركي والعالمي عن إرساء الديمقراطية في الشرق الأوسط وافريقيا وآسيا، وتفكك الإتحاد السوفييتي والحرية لشعوبه ودوله، وهو السؤال حول ما اذا كانت البشرية ، ومع استمرار بل ازدياد  الصراعات والحروب وعمليات القمع في أماكن كثيرة من العالم اليوم وبضمنها دول تدعي الديمقراطية، امام حالة  جديدة تعترف فيها  انها لم تكمل بل لن تكمل، رحلتها ومشوارها من البربرية والعنف والحروب والقلاقل،

نحو السلام والتحضر والاستقرار والمساواة والعدالة التامة او شبه الكاملة على الأقل، رغم تطورالقوانين الدولية وتقدم العلوم والتكنولوجيا  وتكرار التصريحات حول السلام الدولي ورفض العنف، مقابل الواقع الذي يشهد صراعات وصدامات  مستمرة وأزمات إنسانية أودت بحياة ومقومات حياة ملايين البشر في العقود الأخيرة، وذلك رغم المواثيق الدولية لحماية حقوق الإنسان ومنع الإبادة الجماعية

 

ورغم ارتفاع  نسبة انتشار التعليم ووجود المنظمات الدولية التي تسعى لحل النزاعات بالطرق السلمية وتطبيق العدالة الدولية، وسط ازدواجية في المعايير، وتطبيق  لمبادئ العدالة والإنسانية بانتقائية سياسية ومصلحية، والأهم من ذلك الصمت الدولي وتضاؤل مظاهرالتضامن الدولي او حتى بين الفئات والمجموعات في الدول نفسها، ناهيك عن تركيز الثروات في أيدٍ قليلة( في إسرائيل وعلى سبيل المثال، تتركز اكثر من  90% من الثروات بأيدي عشر عائلات ثرية بل فاحشة الثراء)  مقابل اتساع الفقروالجوع عالمياً وهي حالة تجعل تغلغل المواقف الدينية والسياسية والعرقية المتطرفة امرًا سهلًا، وتجعل العامة يقبلون بإضعاف الديمقراطية واستعداء فئات مجتمعية وإقصائها، دون معارضة او احتجاج بل الصمت المطبق، لأن همهم الأول هو ضمان المقومات الأساسية للحياة، ولعل انتشارالفكرالاصولي الديني في ايران وأفغانستان وبين المجموعات السكانية الضعيفة اقتصاديًا في أوروبا، وتحديدًا المهاجرين من دول إسلامية وآسيوية، وكذلك داخل  الطبقات والمجموعات الضعيفة اقتصاديًا وعلميًا بين اليهود في إسرائيل خير مثال.


ما سبق يعيد الى اذهاني امرين أولهما قديم وتاريخي وهام، وهو مواقف الروائي والكاتب الألماني توماس مان الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1929، ويعتبر من أهم الروائيين والكتاب الألمان، ومن أشهر رواياته "آل بودنبروك" وكذلك رواية "موت في البندقية"، واحتل الإنسان مكاناً أساسياً في اعماله، بمواقفه الشجاعة بعد ان اعتلى الحزب النازي الحكم في ألمانيا عام 1933، وهو ما عمل مان على التحذير منه حتى تم نفيه الى خارج المانيا، وخاصة قوله الشهير انه لا يجب ان تكون ماركسيًا او رأسماليًا حتى تدرك ان مواقف ومشاعر وتفكير الناس، في القضايا السياسية والمبدئية، تتأثر اساسًا بأوضاعهم الاقتصادية،  في إشارة الى التأثير المتبادل بين الاقتصاد والسياسة خاصة وان الدراسات والأحداث اليومية تؤكد ارتباط الحالة المادية للأفراد بتوجهاتهم وقناعاتهم، وليس ذلك فقط بل انها تحدد سلم اولوياتهم، ورغبتهم او قدرتهم على مواجهة السياسات التي تعتمد التطرف والتمييز وزيادة الأعباء  والفجوات الاقتصادية ،فكلما زادت الفوارق الطبقية والمالية بين شرائح المجتمع، أصبح الفقراء اكثر قبولا للمواقف المتطرفة الدينية والسياسية وغيرها

 

كما ان مشاركتهم في العملية السياسية وبسبب الفوارق الاقتصادية، لا تتم من باب الاهتمام بالمصلحة العامة ، بل انطلاقا من تأييد من تعتقد هذه الفئات الفقيرة اقتصاديًا والمسحوقة اجتماعيًا انه يعمل لصالحها، او ضد الفئات الأخرى التي هي اكثر ثراءً وعلمًا وانفتاحًا، كما الحال بين اليهود الشرقيين والغربيين في البلاد والتوتر الطائفي بينهم واساسه الشعور لدى الشرقيين انهم الأضعف، وهو ما قال عنه توماس مان، ان مشاركة  العامة في الأنظمة الحزبية والبرلمانية القائمة على المصالح الاقتصادية الضيقة، تؤدي إلى إفساد الحياة السياسية داخل الدول، وأن الأزمات تدفع السياسة أحياناً لتصبح، كما قال، أفيونًا للعامة والجماهير، تغيب  معه العقلانيّة  الموضوعية، ودعوته في  خطابه للشعب الالماني عام 1940 ، الى معارضة توجهات العنصرية والتشدد وتراجع الديمقراطية، قائلًا لهم ان انصياعهم أصبح بلا حدود،  وأن مشاعر عدم غفران موقفهم هذا  تزداد يوما بعد يوم، في تأكيد هنا على أهمية الانتباه الى التغييرات التي تطرأ على نظام الحكم وتعامل السلطات، وضرورة عدم الصمت خاصة اذا كانت التغييرات تمس الغير والأقليات ، والتأكيد على ان دور المثقفين والليبراليين ليس فقط الكتابة الأدبية او الإنتاج الفني، بل عليهم رفعَ صوتهم مدافعين عن الإنسانيّة وضد الجهل والبطش والبربريّة، وهذا ما يخشاه وللأسف كثيرون في العالم عامة وبضمنه إسرائيل، خشية اتهامهم بالخروج عن الإجماع او التعاطف مع العدو او اضعاف البلاد خلال الحرب والأزمات.

 


الأمر الثاني الذي يتبادر الى ذهني إزاء استمرار مظاهر الحرب والصراعات والبطش، ورفض بعض الشعوب وأنظمة الحكم الخروج منها وتجاوزها حتى بعد انتهائها، هو الفيلم السينمائي "الأوديسة"  للمخرج كريستوفر نولان، والذي تعرضه دور السينما في العالم هذه الأيام، وتحديدًا  ومعانيه التاريخية والآنية، خاصة وانه لا يكتفي بسرد تاريخي للأحداث بل يوفر ويمنح   قراءة مختلفة لملحمة "حصان طروادة" التاريخية المعروفة،  مع الإشارة الى ان بداية الفيلم  هي اللحظة التي تنتهي فيها المعركة، بمعنى انه لا يحتفل  بسقوط طروادة، ولا يجعل من مشهد الانتصار وما سبقه من دمار ودماء،  مشهدًا  بطوليًا، بل ينشغل بما تركه وما يحمله هذا الانتصار من تأثيرات وأزمات ومشاعر ورواسب  نفسية وأخلاقية تصيب الجميع، المهزوم والمنتصر على حد سواء

 

أي انه رحلة رجل، ومعه شعب، يحاول النجاة من آثار الحرب التي شارك في صنعها و حقق الانتصار فيها، ليكتشف بعدها ان لا عودة بعد أي حرب دامية الى الحياة العادية التي كانت قبله، وان الحرب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تستمر داخل الإنسان وفي ذاكرته، عبر مشاعر عارمة أولها واهمها الشعور بالذنب تجاه من تضرروا او لقوا حتفهم او بسبب الفشل والهزيمة، او تجاه أولئك الذين كلفتهم قرارات القيادات واخطاءها حياتهم وامنهم، وربما أولئك الذين وقفوا محايدين امام خطوات كانت نهايتها واضحة ومأساوية، إضافة الى ان الانتصار نفسه  يتحول إلى بداية لاختبار جديد قد يكون أقسى وأشد، وقد يتحول الانتصار والقوة الى سقوط أخلاقي خطير، وهذا ربما ما نشهد بعض معالمه اليوم من عودة الى مسار القوة العسكرية والبطش واستغلال القوة السياسية لقمع الغير وخاصة الأقليات،  وهي حالة تتواصل حتى اليوم وبعد نحو 3000 عام يمكن القول حولها ان التقنيات تقدمت وتطورت مرات ومرات وبشكل متسارع لكن الانسان تطور بوتيرة اقل

 

وبالتالي ورغم ان الحضارة الرومانية منحت العالم القوانين والهندسة ومؤسسات الحكم والسلطة، ما زال الإنسان قادرًا ومستعدًا لتحويل وجعل العنف والقمع الى حالة مقبولة وسائدة، وخاصة في أوروبا التي اثبتت عبر احداثها التاريخية ان الثقافة والعلم  والتحضر لا تقي العالم من البطش والبربرية  والنازية خير دليل على ذلك عبر ملايين الضحايا بضمنهم الملايين من اليهود، وليس عبر انفلات غرائزي وانما عبر قوانين وتشريعات وموظفين نفذوا ذلك ، أي عبر بطش لم يأت من الخرج بل نما وترعرع من الداخل ووسط ظروف وفرتها توجهات ديمقراطية وليبرالية تم تجييرها واستغلالها لذلك، والأخطر من ذلك كله وسط صمت وقبول يتجاهل المخاطر ويقبل بالواقع وينساق وراء شعارات قومجية متطرفة وسياسات تتسم بالإقصاء والكراهية والدعوة الى سفك الدماء من منطلقات عرقية مقيتة، ومن منطلق كون المانيا في نظر قادتها الأقوى والأحق والوحيدة التي تملك الحقيقة والسلطة الاخلاقية وليس فقط القوة العسكرية، وسط صمت العالم، مؤمنةً  ان الانتصار في الحرب هو الأهم.

 

ختامًا: وعود على بدء فمواضيع النقاش في الانتخابات  والتي ستدور بين طروحات تترجم الصهيونية الى مفاهيم تتسم من جهة بالأصولية والأفكار الخلاصية  ووعود ، يقولون عنها انها إلهية، تعد بأرض إسرائيل الكبرى على الأقل والتوراتية في حالات أخرى، دون اكتراث بما يدور من حولها في العالم  ومخاطر العزلة التي قد تواجهها إسرائيل، ودون اهتمام بالقضايا اليومية والمعيشية  لغير اليهود بل اقصائهم نهائيًا ومنحهم احد خيارين فإما القبول والولاء او الترحيل ، وبين طروحات تريد ظاهريًا في بعضها  دولة ليبرالية علمانية متقدمة ومتطورة اقتصاديًا تضمن اولًا حقوق اليهود، الاقتصادية والسياسية ودورهم في اتخاذ وصنع القرارات دون غيرهم وبدل غيرهم 

 

باعتبار إسرائيل دولة يهودية ومن ثم ديمقراطية، وبالتالي فإن التوتر والتنافس بين هذين الطرحين، سيلقي بظلاله على طبيعة وشكل دولة إسرائيل وعلاقاتها مع مواطنيها عامة والمواطنين العرب خاصة، وكذلك شكل علاقاتها الخارجية والدولية ، وهل هي دولة تضمن لمواطنيها  اليهود تحقيق ذاتهم وامنياتهم الفردية والجماعية، بعيدًا عن الأحلام الخلاصية، نحو حياة مدنية داخل البلاد ومع الأقلية العربية فيها، ام دولة ستعمل على تحقيق أحلام تصطدم مع معتقدات وتطلعات ونهج حياة مجموعات  أخرى  متخلفة داخل الدولة . ويقينًا وبغض النظر عن نتيجة الانتخابات والتي من السابق لأوانه، ومن المجازفة وعدم فهم الحلبة السياسية الاسرئايلية، التنبؤ بها، ان ما كان هو ليس ما سيكون، فهل سيكون سلبًا ام ايجابًا؟؟

 

والخلاصة: إزاء كل ما سبق يمكن الجزم ان البشرية لم تنه بعد مسيرة التخلص من الشرور والبطش والظلم ولم تصل الى السلام والتحضر والعدالة، وان الديمقراطية والتحضر ليسا نقطة مفهومة ضمنًا نقف عندها ونحتفل بها، بل جهد بشري مستمر وانجاز يجب النضال يوميًا للحفاظ عليه.

תגובות

מומלצים