أخطار الأنظمة الدينيّة المتزمّتة، اعتمادها على الغيبيّات
لم تضع الحرب الحاليّة، وهي الحرب الثانية لأميركا وإسرائيل مع إيران خلال أقلّ من عام، أوزارها، بل إن أوزار هذه الحرب وهي أسلحتها وعتادها، تتّسع وتتنوّع تمامًا كما مداها، والأهداف العسكريّة التي يتم قصفها، وكذلك عدد الأطراف المشاركة، أو تلك التي شاركت رفعًا للعتب وإسقاطًا للواجب، دون أن تتضح معالم النهاية.
أو شروطها فهي قد تكون سريعة ومفاجئة في تكرار لمعالم البداية وظروفها، وقد تطول، كما المفاوضات التي سبقتها واتّضحت عبثيّتها ولو بعد حين. لكنّ استمرار هذه الحرب وتطوّراتها وتشعّباتها من جهة وضجيج طائراتها ومدافعها وصواريخها مهما علا وتصاعد ، وأعداد الضحايا التي تسقطها هذه الحرب التي تدفع الشعوب ومن كافّة الأطراف تقريبًا ثمنها ، ومهما ازدادت الرقعة التي تطالها الصواريخ المنطلقة من إيران والتي يصفها البعض بأنها تضرب ضرب عشواء، لتطول صواريخها إضافة الى إسرائيل ،
دول الخليج كلها دون استثناء عدو أو صديق، وتصيب القواعد الأميركيّة وبعدها منشآت حيويّة في هذه الدول كالمطارات والموانئ والمنشآت الحيويّة والسياحيّة والمقرّات السياسيّة، ومؤسّسة أرامكو للنفط في السعوديّة وليس للمرّة الأولى، وصولًا إلى سقوط بعضها في المملكة الأردنيّة الهاشميّة، ويصل بعضها إلى قبرص خلف البحار لضرب القواعد البريطانيّة،
لكنّ هذه الأصوات كلها، ليست قادرة على إسكات صوت الأسئلة والتساؤلات، بل علامات الاستفهام والاستهجان التي ترافق هذه الحرب، وتنسحب على كافّة أطرافها على حدّ سواء مع تفاوت حدّتها ومدى خطورتها وكونها تتعلّق بقضايا ونتائج مصيريّة، لا تتوقّف عند أسباب هذه الحرب ومجرياتها العملياتيّة والعسكريّة والخطوات السياسيّة التي ترافقها عبر تصريحات تبدو منفصلة عن الواقع للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب،
وفي اليوم الثاني من الحرب جاء فيها أن النظام الجديد في إيران، وفق المصطلحات الترامبيّة الفضفاضة والهلاميّة، مستعد للتفاوض والحوار بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وأنه أي ترامب يقبل بذلك، ثم تصريحه أن الحرب ستطول أربعة أسابيع أو أقل، في تصريح اعتبره كثيرون مستهجنًا يضع الحصان أمام العربة، ويحدّد نهاية الحرب قبل اتّضاح ما حقّقته من أهداف ، فضلًا عن أنه يحمل في طيّاته وربما دون قصد، رسالة للشعب الإيرانيّ مفادها أن يصبروا فالحرب محدودة بسقف زمنيّ واضح، وكلها أسئلة واستفسارات، بل علامات استهجان تتمحور حول استراتيجيّات كافّة الأطراف المشاركة في الحرب وأولها إيران.. مقابل التكتيكيات قصيرة المدى..
والسؤال حول الاستراتيجيّات بعيدة المدى مقابل التكتيكيات الآنيّة، حارق ومُلحٌ بالمرتبة الأولى بالنسبة لإيران، وهو لا يتطرّق فقط إلى الأشهر، أو الأسابيع التي سبقت الحرب الحاليّة، بل يتّسع نطاقه ليشمل أمورًا عديدة أخرى تنبثق عنها أسئلة هامّة لا بدّ للقيادة الإيرانيّة الحاليّة، أو تلك التي ستليها، وهي قيادة ربما يمكن الجزم اليوم أنها ستكون استمرارًا للحاليّة تأتمر بأمر المرشد الأعلى،
أوّلها هل قرّرت أو حدّدت القيادة الإيرانيّة المتديّنة والتي تحكم البلاد منذ العام 1979 ما تريد تحقيقه، وهل وضعت لنفسها سلّم أولويات واضحة تعمل وفقه ؟ وهل لديها سياسات وخطط عمل تتعدّى رغبتها الواضحة والمعلنة في نشر ولاية الفقيه والفكر الخمينيّ، بالقوّة إذا لم تنفع تلك التي هي أحسن، وصولًا للعمل لمصلحة شعبها وبناء اقتصاده، وهو اقتصاد متين وقوي ومزدهر حتى العام المذكور،
وصيانة مؤسّساته العلميّة والأكاديميّة التي كانت رائدة ومتفوّقة قبلها، وضمان الحياة الكريمة للمواطنين وتعزيز حرياتهم الشخصيّة والدينيّة والفكريّة، بدل ذلك النظام الذي يقمع المعارضة ويفرض الفكر المتزمّت دينيًّا واجتماعيًّا، وليس ذلك فقط بل يستعدي جيرانها بدءًا بالحرب مع العراق والتي دامت 8 سنوات استنزفت قوّة الطرفين وأودت بحياة مئات الآلاف من العسكريّين والمدنيّين، وهي التي اندلعت سنة واحدة بعد استيلاء الخمينيّ على الحكم، وكأنها إشارة إلى ما هو آتٍ، وصولًا إلى السؤال حول الاستراتيجيّات المتعلّقة بدعم المنظّمات المسلحة ومنها حزب الله في لبنان وحماس في غزة، وحزب الله العراقيّ والحوثيّين في اليمن.
وهي استراتيجيّات اتّضح فشلها الذريع خاصّة حين احتاجتها إيران نفسها، حيث اتّضحت الحقيقة، أو بكلمات أصحّ زيف التوقّعات وخطأ الاستراتيجيات التي اعتبرت هذه الحركات، قوى تضاف إلى قوّة إيران العسكريّة وقت الحاجة، فكانت الحقيقة أنها حركات لا يمكن أن تشكّل دعمًا، ولا إسنادًا لإيران بأيّ حال من الأحوال وبأي شكل من الأشكال، بل إنها تشكِّل عبئًا وتستنزف خزينة إيران وأسلحتها ودعمها السياسيّ والنتيجة صفر، اللهم إلا صواريخ لا يزيد عددها عن أصابع اليد الواحدة أطلقها حزب الله مساء الأحد الأوّل من آذار باتجاه الأراضي الإسرائيليّة، وكفى الله المؤمنين القتال، وهي خطوة تستوجب السؤال حول استراتيجيات حزب الله إذا كانت موجودة، أم أنه يكتفي بالتكتيك فقط.
السؤال حول استراتيجيّات إيران وأهدافها الحقيقيّة بعيدة المدى، لا يتوقّف هنا، ولا يقتصر على السؤال هل يمكن لنظام يعتمد التزمّت الدينيّ والمذهبيّ الشيعيّ في حالتنا هذه، أساسًا ومنطلقًا وحيدًا لعمله ومنبعًا لسياساته وموجّهًا لها، دون اهتمام بالمواطن العاديّ وحياته اليوميّة وتحسينها وضمان أمنه وكرامته وتعليمه، أن ينجح في بناء دولة عصريّة تندمج ضمن النظام العالميّ وتحترم الشرائع الدوليّة وقبلها السماويّة خاصّة وأنها تعتبر من ليس مثلها عدوًا يجب إبادته حتى لو كان عربيًّا، أو حتى مسلمًا سنيًّا مثلًا،
بل يمسّ مفاوضاتها التي أجرتها مع الولايات المتحدة طيلة الأشهر الماضية، وتحديدًا الهدف منها، وهل جاءت فعلًا لتحقيق اتّفاق مع الولايّات المتحدة يمنع الحرب الحاليّة ربما الاتفاق النوويّ السابق مع الرئيس الأميركيّ الأسبق باراك أوباما والذي ألغاه ترامب، أو يقاربه أو يختلف عنه، لكنه اتفاق نتائجه تصبّ في مصلحة الشعب الإيرانيّ ، وليس مصلحة الأنا القياديّ الذي يعتبر تعليمات المرشد الأعلى أوامر مقدّسة، دون أي حساب أو اعتبار للمصلحة العامّة للبلاد،
وذلك عبر رفع العقوبات الاقتصاديّة والسماح لإيران باستئناف تصدير النفط وتعزيز اقتصادها واستقلالها ورفاهية شعبها وتقليل اعتمادها على الصين وروسيا، ونقلها من مصاف الدول المتأخّرة تقنيًّا وعلميًّا واقتصاديًّا، إلى مكان ومقام آخر، خاصّة بإعادتها إلى حظيرة الدول المقبولة عالميًّا، أم أنها كانت مفاوضات تكتيكية هدفت إلى إضاعة الوقت، وربما تأجيل الضربة العسكريّة الحتميّة، انطلاقًا من توجّهات القيادة الإيرانيّة التي تتصوّر أن كرامة الشعب الإيرانيّ تكمن فقط في ترسانته العسكريّة والتي خصّصت لها هذه القيادة كافّة ما تملكه البلاد من مال وخبرات ومقدّرات،
أوصلت اقتصادها وعملتها إلى الحضيض وزجّتها في حروب ونزاعات لا سبب لها مع جيرانها كحربها مع العراق وقصفها قبل هذه المرّة لمواقع في الخليج ودعم الحوثيّين والقلاقل المذكورة لنا جميعًا في موسم الحجيج في العربيّة السعوديّة، والتدخّل في شؤون الدول البعيدة وزعزعة استقرارها كلبنان وسوريا والعراق، وصولًا إلى قصف منشآت في الدول الخليجيّة الجارة، والتي كانت أول وأكثر من عمل على إقناع اميركا بعدم اللجوء إلى القوة وإفساح المجال أمام المساعي السياسية، وكانت قبل ذلك قد غيَّرت مسلكها من مقاطعة إيران إلى التعاون معها اقتصاديًّا واستئناف علاقات دبلوماسيّة كانت قد انقطعت معها ومنها المملكة العربيّة السعوديّة.
هذا القصف والذي أصاب السعودية والبحرين، وهي دولة ذات أغلبية شيعيّة ساحقة، والإمارات والكويت وحتى قطر الحليفة الدائمة والشريكة في تمويل حماس مثلًا، دون إدراك عواقبه، كما اتّضح عدم الفهم الكافي لتبعاته، فالقيادة الإيرانيّة وبرؤيتها الاستراتيجيّة الضيّقة وأحاديّة الأبعاد اعتبرته كما رشح عن مصادرها، وسيلة للضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب خاصّة إذا تزامن مع خطوات أخرى منها إغلاق مضيق هرمز،
أو التضييق على حركة الملاحة هناك، وهو تأكيد على أن هذه القيادة الدينيّة التي تتّخذ القرارات استنادًا إلى مفاهيم شرعيّة ودينيّة وغيبيّة، تفتقر إلى فهم السياسة الدوليّة، وملخّصها أن لكل خطوة نتائج مختلفة قد تتفاوت وتتناقض، والحقائق على الأرض اليوم خير دليل، فقصف دول الخليج حتى لو كان بادّعاء وجود قواعد عسكريّة أميركيّة فيها، ونسأل ما علاقة مقرّ السفارة الأميركيّة في الرياض،
أو مطار دبي ومنشآت أرامكو في السعوديّة بذلك، كانت نتيجته الحتميّة التجاء تامّ لهذه الدول إلى أميركا والأهمّ من ذلك إعادة قضيّة التطبيع بين السعوديّة وإسرائيل إلى نقطة تقترب معها من التنفيذ ،وتوسيع اتفاقيّات أبراهام ، وربما كما رشح من أنباء حثّها على توجيه ضربات للنظام الإيرانيّ تسقطه، أو تضعفه بشكل حاسم ما يجعله نمرًا من ورق، كما أنها دفعت بعضها وبضمنها حتى قطر إلى الإعلان أنها تملك حق الردّ العسكريّ على الهجمات، وأن إيران يجب أن تدفع الثمن، وغيرها . وكل هذا قبل أن نتحدّث عن أن أميركا ومعها إسرائيل،
تشعران بتحقيق هدفهما الذي طالما راودتهما أحلام بصدده وهو خلق حلف أطلسي إسلاميّ سنّي يكون قوّة موازية لإيران يضمّ دول الخليج ومصر وسوريا التي يحتضنها ترامب مؤخّرًا ويدعم رئيسها احمد الشرع، أو أبو محمد الجولاني، وليس ذلك فقط بل إن هذا القصف من إيران المدعومة سياسيًّا وعسكريًّا من روسيا واقتصاديًّا عبرعلاقات خاصّة مع الصين،
يجعل من الصعوبة بمكان مواصلة محاولات التقارب بين هذه الدول وتعيد دول الخليج بشكل تامّ إلى حضن أمريكا بعد سنوات حاولت فيها إيجاد السبل لتحالف موازٍ مع روسيا خاصّة في قضايا النفط ومنظّمة أوبك بلوس بقيادة السعوديّة وروسيا، وكذلك مع الصين، مع الإشارة إلى أن دول الخليج تعيش حالة مركبة مقابل إيران، فبقاء قوتها كما هي الآن خطر عليها، وكذلك انهيار النظام الذي سيخلق دويلات متنازعة تقوم على أساس مذهبيّ كالأحواز العربيّة وغيرها، ومع انهيارها موجات هجرة متوقّعة إلى الدول الخليجيّة وأوروبا، وكلها سيناريوهات حلوها مرّ يبقى أفضلها إيران ضعيفة.
والسؤال حول الاستراتيجيّات أوسع هنا وأشمل، فهو يمسّ الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يتضح من تضارب، بل تناقض الأهداف التي يضعها كلّ منهما للحرب، بل الأسباب التي دفعت كل منهما للخروج إلى هذه الحرب، والسؤال هنا ملّحٌ على ضوء التغير في الأسباب الداعية للحرب، فهي كانت إسرائيليًّا وحتى دقائق معدودة قبل اندلاعها تتمحور حول الخطر النوويّ الإيرانيّ، لكنها تغيرت بقدرة قادر إلى حديث حصريّ حول ضرورة ضرب الصواريخ بعيدة المدى،
دون أي تطرق إلى الشأن النوويّ، وإليها تضاف قضيّة تغيير القيادة الإيرانيّة والنظام هناك، خاصّة بعد اغتيال خامنئي، فهل تعتقد إسرائيل وفي ظلّ نظام كما في إيران أن تغيير رأس النظام سيغيّر النظام بشكل تلقائيّ وسيحوّله بسرعة البرق إلى نظام يشاطر إسرائيل الودّ والسلام، أم أن الحديث عن أن إسقاط النظام واستبداله هو واحد من أهداف الحرب، هو تكتيك لأغراض انتخابيّة يعتمد على قناعة تامّة أن ذاكرة الناخب قصيرة المدى، وانه لن يتذكر بعد اشهر من اليوم إلا إنجازات نتنياهو المتعلقة بايران واولها اغتيال المرشد الأعلى وأنه سينسى كافّة القضايا الأخرى، ومنها أحداث السابع من أكتوبر وآلاف القتلى والجرحى، وغلاء المعيشة وقضايا الفساد .
وهي بالفعل ما يشغل نتنياهو ومؤيّديه ولذلك يطالبون اليوم رئيس الدولة بإلغاء محاكمة نتنياهو باعتباره حقّق لإسرائيل إنجازات عظيمة في الحرب مع إيران، وإذا كان التفكير باستبدال النظام هدفًا استراتيجيًّا فهل لدى ترامب ونتنياهو خطة واضحة لتحقيقه أم أنهما يعتمدان في ذلك على انتفاضة للعشب الإيرانيّ يبدو بل من الواضح أنها لن تأتي على الأقلّ،
أو خطّة تضمن أن يكون البديل، إذا سقط النظام أصلًا، أكثر مرونة وليبرالية فتاريخ المنطقة يثبت العكس وما حدث في مصر بعد اغتيال الرئيس محمد أنور السادات دليل على ذلك، فخلفه حسني مبارك كان أقل ليونة مع إسرائيل، وهل تراهن إسرائيل على نظام قادم في إيران،
يخاطر أن يقال عنه أنه وصل الحكم بفعل طائرات أميركا وإسرائيل وقذائفهما؟؟ ومن هنا فأهداف الحرب أمريكيًّا وإسرائيليًّا على حدٍّ سواء، هي تكتيك قصير المدى تحركها اعتبارات سياسيّة ونتائج الاستطلاعات، وهو الحال أميريكيًّا فما هي استراتيجيّة الولايات المتحدة، وهل هناك خطة أمريكيّة لمرحلة اليوم التالي في إيران، أم أن ترامب يتساوق مع مواقف السناتور ليندزي غراهام المؤيّد التامّ لإسرائيل،
والذي قال إن بلاده لن تحدّد طبيعة القيادة الإيرانيّة القادمة، بل تترك ذلك للشعب الإيرانيّ الذي عليه القيام بذلك، بمعنى أن مهمتها( تكتيكها) ينتهي بانتهاء الحرب، دون أي ضمان لأيّ أمر أو هدف بعيد المدى( استراتيجيّة)، ولذلك يبقى السؤال لماذا إذن كانت الحرب، وهل هي لأهداف سياسيّة أميركيّة أم أهداف شخصيّة لترامب كما لنتنياهو، أم عملًا انتقاميًّا من إيران التي يقال إنها شجعت محاولة اغتيال ترامب خلال حملته الانتخابيّة، أم أنها التأكيد على أن نتنياهو هو من جرّ أميركا إلى حرب لا تريدها استنادًا إلى معلومات قدّمها، فهل يعيد هذا إلى الذاكرة ما كان في حرب الخليج الأولى والمتعلّق بالأسلحة الكيماويّة التي قالت إسرائيل إن عراق صدام حسين يملكها،
وأنها تشكل خطرًا داهمًا على العالم وأميركا تمامًا كما قالت عن الصواريخ الإيرانيّة بعيدة المدى، أم أنها تنفيذ لاتفاق أميركيّ إسرائيليّ يشمل موافقة إسرائيل على حريّة العمل الأمريكيّ في غزة وبضمنه تشكيلة مجلس السلام وعودة تركيا وقطر والباكستان والسلطة الفلسطينيّة إلى القطاع، بل تحمل إسرائيل نفقات إزالة الركام من غزة ، وبالمقابل منح إسرائيل حريّة العمل في إيران وربما لبنان أيضًا.
والحديث عن لبنان فيه شجون ، فبعد أن امتدح كثيرون القرار الذي اتّخذه حزب الله في تشرين الثاني 2024 والموافقة على وقف لإطلاق النار في لبنان، وانسحاب قوّاته إلى شمال نهر الليطاني وسط حديث عن نزع سلاحه ، وامتناعه عن المشاركة إلى جانب إيران في الحرب التي شنّتها عليها إسرائيل والولايات المتحدة في حزيران 2025، وهو قرار اعتبره البعض استراتيجيًّا يعني تجنيب لبنان خطر الدمار والخراب، وهو الذي قيل حينها إن إصلاحه سيكلف أكثر من 50 مليار دولار، عادت حليمة إلى عادتها القديمة،
وعاد حزب الله ليورّط لبنان من جديد في الحرب الحاليّة، عبر إطلاق صواريخ لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة، في خطوة، بل خطأ يؤكّد انعدام أيّ استراتيجيّة طويلة المدى لدى الحزب، بل عودة إلى التصرّف التكتيكيّ والردود الآنيّة العاطفيّة، خاصّة وأنه تم تبرير إطلاق الصواريخ على أنها الردّ على اغتيال علي خامنئي، وبالتالي يسود الاعتقاد أنه جاء بطلب إيرانيّ مباشر أو بالأحرى بأوامر إيرانيّة، تؤكّد هي الأُخرى انعدام الاستراتيجيّة أيًّا كانت،
والنتيجة سقوط حزب الله في فخّ استراتيجيّ نصبته إسرائيل التي راهن كافّة قادتها وحتى المحلّلين السياسيّين والعسكريّين ، أن حزب الله لا بدّ سيرتكب خطأ، أو حماقة تنتظرها إسرائيل، منطلقاتها فكره الدينيّ المتزمّت وانتماؤه إلى إيران أولا قبل لبنان، وإصراره على نشر الفكر الشيعيّ الخمينيّ، في تقاطع واضح مع حالة حماس أيضًا في غزة وهجمات السابع من أكتوبر التي كانت وبالًا استراتيجيًّا على غزة والفلسطينيّين،
والسبب تفكير قصيرالمدى يعتمد التعنّت والتزمّت الدينيّ والرغبة وفق ميثاقه بالسيطرة على كافّة فلسطين ووضع حدّ لوجود دولة إسرائيل، وقيادات تقدّس التكتيك ولا يستطيع فهم المعطيات الحقيقيّة وتحليلها، يدفع قطاع غزة ثمنها اليوم وفي السنوات القادمة، والسبب دعم إيرانيّ مادّيّ وسياسّي وعسكريّ متواصل واعتقاد بوجود ما يسمّى ترابط الجبهات.
لم تضع الحرب أوزارها بعد، ونتائجها النهائيّة لم تتضح بعد، لكن الرابح الأكبر من نتائجها المرحليّة هي إسرائيل سياسيًّا وعسكريًّا على الصعيد الإقليميّ والدوليّ من حيث استعادة شرعيّتها الدوليّة التي فقدتها بسبب الحرب في غزة، وإعادة دول الخليج إلى حظيرة التطبيع بما فيها السعوديّة، كنتيجة مباشرة لقرار تكتيكيّ إيرانيّ بتوسيع نطاق الحرب وقصف الدول المجاورة وهو استعداء لمن كان حتى الأمس صديقًا حميمًا حاول منع الحرب على طهران، كان الردّ عليه معكوسًا يشكّل خرقًا للتعهّدات والاتفاقيّات وعلاقات الجوار.
وهي حالة تتكرّر على مدى التاريخ الفارسيّ القديم والحديث، أما الرابح الكبير اقتصاديًّا فهي روسيا التي تحوّلت بعد إغلاق مضيق هرمز الذي يمرّ منه 20% من النفط العالميّ، إلى مصدر رئيسيّ للنفط، علمًا أن ذلك يعيد إلى الأذهان إغلاق مضائق تيران قبل حرب الأيام الستّة، والذي كان الشرارة الأولى لتلك الحرب، أما الخاسر الأوّل والأكبر فهي إيران والتي ستزداد معاناة شعبها وتدهور أوضاعه الاقتصاديّة، والأنكى من ذلك عدم وجود نور في آخر النفق يشير إلى تغيير قريب أو بعيد محتمل، والنتيجة هزيمة لإيران وعداوات تتّسع وضائقة اقتصاديّة تزداد،
وعشرات الملايين من الإيرانيّين واللبنانيّين وقبلهم الفلسطينيّين في غزة، حوّلتهم قياداتهم المتزمّتة إلى وقود لحروبها والتي يدرك كلّ ذي بصر وبصيرة أنها خاسرة، فميزان القوى واضح للجميع، باستثناء قيادات إيران وحزب الله وحماس، التي تتجاهل عمدًا ومن منطلق العمى السياسيّ والدينيّ، ميزان القوى وهو العامل الثابت، وتستبدله بميزان الردع، أي قدرتها على إلحاق الضرر فقط وسط ميزان قوى تعرف أنه ليس لصالحها لكن فكرها الديني وقياداتها المتزمّتة تتعامى عنه عمدًا.، ولنذكر هنا ما قاله أحد الحكماء:" إذا أردت أن تتعلّم، اقرأ الدنيا فهي الكتاب الوحيد الذي لا قُرَّاء له، واعلم أنه لا شيء بالمجّان في دروس الحياة ".
وختامًا، بين انتخابات منتصف الفترة في أميركا والانتخابات البرلمانيّة القريبة في إسرائيل، تجري هذه الحرب، فهل ستكون سببًا في انتصار ترامب رغم المعارضة الواضحة للحرب، وهل ستكون بالنسبة لإسرائيل وبنيامين نتنياهو سبب الانتصار في الانتخابات القادمة، وبكلمات أخرى ، هل نصبت إيران بتعنّتها وتزمّتها وعماها السياسيّ والعسكريّ، نتنياهو رئيسا للوزراء مرّة أخرى، تعني عمليًّا إنهاء محاكمته ومنحه مكانة القائد الأوحد ومواصلة سياسات حكومته وائتلافه اليمين الحاليّ،
على ضوء الاعتقاد السائد أن نتنياهو سيعمل على تبكير موعد الانتخابات فور انتهاء الحرب وبغية استغلال نتائجها كسلاح انتخابيّ وسياسيّ لصالحه، خاصّة اقترابه من التطبيع مع السعوديّة إن لم يكن تحقيق ذلك التطبيع فعلًا والفضل لإيران، فهل يمكن القول:"من طهران سيحدّد نتنياهو موعد انتخابات البرلمان"، أو ربما :" نتائج الحرب الإيرانيّة تحدّد نتائج الانتخابات البرلمانيّة في كلٍّ من أمريكا وإسرائيل".
















