الحرب في إيران: بدايتها سوء التقدير فهل تنتهي بحسن التدبير؟
بينما يلفظ الأسبوع الثالث من الحرب بين إسرائيل وأميركا وإيران أنفاسه، ومعه الأسبوع الثاني من الحرب في لبنان بين إسرائيل وحزب الله، وسط معطيات تستوجب كي نفهم كنهها، الابتعاد عن الشعارات والتحرّر من الفرضيّات المسبقة الأقرب في نظري إلى الغيبيّات، واتّباع نهج الإصغاء النقديّ لسيل التحليلات من الخبراء والمختصّين والمحلّلين والمراقبين، وكلّ من منطلقاته الخاصّة ولمصالحه الخاصّة
نحو دراسة أكثر موضوعيّة لما يجري في هذه الحرب، يمكن القول إنها المثال الواضح، وربما الأفضل على أن الحروب، وكما قال ميكيافيللي، تبدأ عندما تقرّر الأطراف ذلك ، لكنها لا تنتهي عندما ترجو الأطراف ذلك أو تريد . وأننا جميعًا نعرف كيف تبدأ الحروب لكن من الصعب جدًّا أن يعرف أحد كيف تنتهي، فالحرب هذه كغيرها، بدأت بذريعة اعتبرتها الولايات المتحدة وإسرائيل كافية، واستمرت بخسائر يدفع ثمنها الجميع. أما نهايتها وانطلاقًا من كونها مهما تغيّرت أسبابها وتبدّلت الأطراف المشاركة فيها، فتبقى عبثيّة لا تنتهي إلى حسم حقيقيّ، حتى لو تبجّح كلّ طرف أنه المنتصر، فلن يكون سوى إرجاء مؤقّت للحرب القادمة
فالأسابيع الثلاثة المنتهية تؤكّد مرّة أخرى ما قلته علنًا من أن الأمر لا يقتصر على كون الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا حربًا دون تحديد أهدافها ودون الاتّفاق عليها، بل بأهداف متناقضة وغير واضحة المعالم منطقها الوحيد هو اللا منطق الذي تعكسه بشكل خاصّ وواضح تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، حول انتهاء كافّة أهداف الحرب من جهة، وضرورة استمرار الحرب من جهة أخرى، وتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيليّ والتي تستوجب طرح أسئلة كثيرة منها ما إذا كان الهدف الإسرائيليّ من هذه الحرب، هو عمل عسكريّ يهدف فقط إلى ضرب القوة الصاروخيّة الإيرانيّة والقدرات النوويّة التي لم تصل بعد حدّ إنتاج قنبلة نوويّة، أم أن الهدف هو خلق ثورة داخليّة وتنصيب قيادة مناسبة لإسرائيل وأميركا، يمكن معها إعلان النصر المطلق، رغم أن ذلك قد يعني تفتّت الدولة الإيرانيّة، لكن السؤال الأهمّ والذي ربما تشكل الإجابة عليه مدخلًا لفهم الدوافع الحقيقيّة للحرب الحاليّة، هو كيف نسيت أميركا خاصّة ومعها إسرائيل، أو تناستا، أنه لا يمكن لأيّ دولة انتصرت عسكريًّا أن تستحضر آليّة مضمونة لمنع تفكّك الدولة المهزومة. وهو ما أثبتته التجارب في العراق خاصّة، وهو الذي هاجمته الولايات المتحدة وحلفائها بدعوى امتلاكه أسلحة كيماويّة ينوي استخدامها ضدّ أهداف إقليميّة وعالميّة، ليتضح في النهاية أن ذريعة الحرب كانت كاذبة، فصدق فيها القول إنها بدأت بذريعة وانتهت بخسائر يدفع ثمنها الجميع، مع الإشارة إلى أن الذريعة هذه المرة كانت مشابهة وهي امتلاك صواريخ تهدّد أمن وسلامة الولايات المتحدة،!!!
مع نهاية الأسبوع الثالث من الحرب، تتّضح أمور عديدة أولها أن الولايات المتحدة وإسرائيل، أخطأتا في تقديرهما ردّ فعل النظام الإيرانيّ الذي تعرّض لضربات غير مسبوقة، تمثّلت في اغتيال علي خامنئي وتضرّر الجهاز العسكري في إيران بشدّة، لكنه لم يصل مرحلة الانهيار أو حتى بدايتها، بل ما يزال يعمل رغم تصفية قياداته الدينيّة والسياسيّة والعسكريّة، وأن الرهان على استسلامه خلال أيام كانت أوهامًا أو أضغاث أحلام جاءت لتبرير ذريعة الحرب الحاليّة، فالنظام الإيرانيّ ورغم الضربات القاسية، وربما القاصمة التي تعرّض لها، ما زال صامدًا وهو يواصل إطلاق الصواريخ باتّجاه إسرائيل من جهة، وتعطيل إن لم يكن الوقف التامّ، لحركة الملاحة البحريّة التجاريّة في مضيق هرمز، وما يعنيه ذلك من ضربة لسوق النفط العالميّ، إضافة طبعًا إلى قصف القواعد الأميركيّة ومنشآت أخرى في دول الخليج المجاورة، وحتى بعض الدول البعيدة، دون أن تحدث الهبّة الجماهيريّة التي راهنت عليها إسرائيل وأميركا، خاصّة على ضوء فشل الاحتجاجات الشعبيّة الأخيرة، والتي وصمت السلطات الإيرانيّة خلالها المحتجّين بأنهم عملاء يخدمون مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، ويعملون على تمكين الأجنبيّ من فرض الأمر الواقع على بلادهم وتنصيب رئيس وزعيم عليها
وهو موقف كان على الإدارة الأميركيّة أن تفهمه مسبقًا من باب الحساب التاريخيّ المفتوح بينها وبين إيران، خاصّة وأنها عملت عام 1953، وبجهد خاصّ ومكثّف من وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة، على الإطاحة الحكومة الإيرانيّة المنتخبة في الانتخابات التي أجريت قبل ذلك بعامين أي عام 1951 ، فاز فيها محمد مصدق برئاسة الوزراء، وقاد إصلاحات هامّة للشعب الإيرانيّ، حاول تمويل تكاليفها الكبيرة عبر العائدات النفطيّة لشركة النفط الأنجلو-إيرانيّة التي طالبها بتقسيم العائدات بشكل نزيه، وعندما رُفض طلبه، قرّر تأميمها، وعندها شنّت وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكيّة ونفّذت عمليّة "أجاكس" عام 1953، والتي انتهت إلى انقلاب أطاح بمصدق وأعاد السلطة إلى الشاه محمد رضا بهلوي
ويؤكّد العارفون أن الإطاحة بمصدق والتي اعتبرها الإيرانيّون مسًّا بكرامتهم الوطنيّة والقوميّة وسيادتهم في دولتهم، ودكتاتوريّة الشاه بدعم أميركي بعدها وحتى العام 1979، كانت جميعها عوامل ساهمت في نجاح الثورة الإسلاميةّ عام 1979، والتي أطاحت بنظام الشاه الموالي للغرب، وبالتالي فهي حرب يريد الإيرانيّون فيها أن يثبتوا فيها أنهم يرفضون تكرار ذلك، أو بكلمات أخرى، يريدون منها انتقامًا لما كان، وهو ربما أيضًا ما حرّك دونالد ترامب، الذي أراد الانتقام لمحاولة اغتياله بدعم إيراني كما قيل، لكن الأهم ّمن ذلك، أن الإيرانيّين وبعد الصدمة التي خلّفتها الضربة الأولى، استنتجوا أن الأسوأ قد مضى، وجاء تعيين القائد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، ليقول لهم ، في عرفهم أن النظام حيّ يرزق، وأنه ما عليهم سوى الصمود، وإلحاق الضرر بالعدو وإضعافه.
وكما هو الحال مع حماس التي اغتالت إسرائيل كافّة قياداتها من الصفّ الأوّل وصولًا إلى الثاني وربما أكثر سواء كان ذلك في غزة أو طهران أو لبنان أو حتى الدوحة في قطر، وكما هو الحال حزب الله والذي تمّت تصفية قياداته كاملة باستثناء نعيم قاسم الذي كان نائب الأمين العام للحزب حسن نصر الله، نسيت أو تناست إسرائيل والولايات المتحدة أن تصفية رأس النظام لا يعني بالضرورة انهياره، خاصّة عندما يدور الأمر حول كيان، أو نظام وقوده أيديولوجيّة متطرّفة، تعتمد مبدأ الجهاد والتضحية، ويمكنها تنصيب قيادات جديدة تحرّكها نفس العقيدة وربما تكون أكثر تطرّفًا تحرّكها الرغبة في ردّ الصاع صاعين والانتقام وردّ الاعتبار، وبالتالي نحن اليوم أمام حالة تعمل فيها طهران على الصعيد العسكريّ أولًا وفقًا لمفهوم المقاومة، أي التمسك والصمود رغم تفوّق الطرّف الآخر ورغم أن خسائرها أكبر من خسائر الطرف الآخر، وهذا يستند إضافة إلى مبدأ الصبر والصمود، على الاعتقاد والذي له ما يبرّره أحيانًا، بأن الغرب لا يملك " النفس الطويل" والقدرة على امتصاص الضربات وقبول المعاناة لتحقيق نصر على الخصوم، أو على الأقلّ، عدم الهزيمة، ولذلك سيسعى إلى وقف الحرب دون تحقيق النصر المطلق والحاسم
وبالمقابل يعني هذا التوقّف بقاء النظام الإيرانيّ على حاله حتى لو مُني بهزيمة واضحة وخسائر كبيرة، وباختصار فإن الإنجاز العسكريّ الكبير والواضح لإسرائيل والولايات المتحدة، ما زال غير قادر على تحقيق الأهداف ، لسبب واحد جوهريّ وهو عدم تحويله إلى إنجاز سياسيّ حقيقيّ، وهو ما يعيد إلى الأذهان الحرب في غزة والتي يؤكّد كثيرون أن إسرائيل ربحتها عسكريًّا، لكنّها خسرتها سياسيًّا لأنها لم تفكّر في اليوم التالي، وأكثر من ذلك وضعت للحرب أهدافًا لا تتعلّق بها ، ومنها الهبّة الشعبيّة للمواطنين الإيرانييّن، ويوازيها المراهنة الإسرائيليّة على مليشيات وجماعات مسلّحة اتّضح أنها، وربما من باب خوف الناس من حماس، لا تحظى بأيّ دعم جماهيريّ علنيّ، وبالتالي ما زالت حركة حماس تحظى وفق كافّة الاستطلاعات بتعاطف كبير ودعم كثير رغم ما لحق بالقطاع منذ السابع من أكتوبر، ويرافق ذلك رفض شعبيّ لكافّة أشكال الاحتجاج، أو التعاون مع الأهداف التي إرادتها إسرائيل، و ذلك من منطلق الإيمان الدينيّ أولًا، بأن حماس حقّقت الإنجازات الكبيرة ليس فقط عبر هجمات السابع من أكتوبر، بل أيضًا عبر صمودها في وجه إسرائيل لأكثر من عامين، وذلك هو الحال في إيران التي لم تشهد هبّة شعبيّة تساندها الإنجازات العسكريّة، وليس ذلك فقط، بل إن الأجهزة الأمنيّة فيها أعلنت أن أيّ احتجاج ضد السلطة سيتم التعامل معه بيد من حديد، وأنها ستنظر إلى أيّ محتجّ على أنه عدوّ.
في لبنان - ساحة الصراع الثانية لإسرائيل الوضع مماثلٌ ولا يختلف في تعقيده، فإسرائيل حقّقت إنجازًا عسكريًا باهرًا منحها عام 2024 اتّفاقًا وافق فيه حزب الله بعد الضربات العسكريّة المؤلمة التي تلقاها وتصفية كافّة قياداتها وعمليّة تفجير أجهزة الاتصال، البيجرات، لكنها ولإصرارها على تحقيق أهداف لم تكن في الحسبان، أو تحقيق أهداف وغايات لم ينصّ الاتفاق عليها، فشلت في ترجمته إلى تحوّلٍ سياسيّ بارز ، فهي طمحت بكل جوارحها إلى اختراق استراتيجيّ متمثّل بتفكيك حزب الله، أو قيام الحكومة اللبنانيّة عبر الجيش اللبنانيّ بالتحرّك ضدّ الحزب واستخدام القوّة العسكريّة لسحب سلاحه، ليس فقط جنوبي نهر الليطانيّ، بل على كامل الأراضي اللبنانيّة، ولذلك لم تفعل شيئًا لدعم الحكومة اللبنانيّة ولو سرًّا، أو بشكل غير مباشر، عبر تنازل عن إصرارها على الاحتفاظ بخمس نقاط ومواقع في الجنوب، أو وقف عمليّات القصف والهدم والاعتقال والتهجير، ومن هنا يبقى على هذه الجبهة
السؤال الحاسم ما إذا ستنتهي الحرب ضد إيران بينما تتواصل ضد لبنان الذي أعلنت إسرائيل أنها بصدد إدخال قوات بريّة إلى جنوبه وصولًا إلى الليطاني الذي يبعد 6 كيلومترات عن الحدود الإسرائيليّة في أقرب حالاته قرب بلدة النبطيّة، أو 30 كيلومترًا في أبعدها في القطاع الغربيّ من الجنوب اللبنانيّ، أو حتى الزهراني على بعد حوالي 15 إلى 20 كيلومترًا تقريبًا شمال الحدود اللبنانيّة ، أو بالعكس من ذلك خاصّة على ضوء تسريبات حول محاولات فرنسيّة من جهة، وسعوديّة من جهة أخرى لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، لوقف إطلاق النار ، رغم استحالة قبول إسرائيل بأيّ مفاوضات ليست برعاية أميركيّة تضمن نتائجها لصالحها مسبقًا.
ومن باب الخطأ في تقدير العواقب، نصل إلى الصدمة التي لحقت بدول الخليج جرّاء الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران، وإغلاق مضيق هرمز وإغلاق سبل الملاحة البحريّة، بل وصل الأمر إلى عجز هذه الدول تفريغ مخزنات النفط المتراكمة، بسبب عدم وصول ناقلات النفط خاصة وناقلات تمّ إنشاؤها خصّيصًا لنقل الغاز الطبيعيّ المُسال من قطر، بسبب عدم وصول ناقلات النفط الفارغة، وكلها عوامل نتيجتها خسائر ماليّة كبيرة واستثمارات تغادر هذه البلاد، فالمناخ الاستثماريّ يحتاج الهدوء والطمأنينة، لكن الأخطر والأهمّ هو انهيار تامّ، أو تصدّع في أحسن الحالات للإستراتيجيّة الأمنيّة لدول الخليج، والتي كان أساسها الافتراض أن الولايات المتحدة ستكون دائمًا من يحميها، وهو افتراض أدركه كثيرون منذ سنوات طويلة، ربما باستثناء بعض القيادات الخليجيّة التي وضعت كافّة بيضاتها في سلّة اميركا وربما إسرائيل، لكنّه لم يتغيّر، رغم المثل القائل" لو بدها تمطر كان غيَّمت" والقول الفصيح إن الرسالة تقرأ من عنوانها، والعنوان كان واضحًا وبالبنط العريض حيث اتّضح للسعوديّة والإمارات أن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، في ولايته الأولى، لم يُسارع إلى مهاجمة إيران ردًّا على الهجمات الصاروخيّة وهجمات الطائرات المسيّرة على المنشآت النفطيّة لشركة أرامكو وغيرها في العامين 2019 وكذلك 2022، لتبقى الولايات المتحدة المصدّر الرئيسيّ للأسلحة عبر صفقات لا أوّل لها ولا آخر تقدر بمئات مليارات الدولارات، واستثمارات خليجيّة ومنها سعوديّة بقيمة مليارات دولار، في شركات يملكها جاريد كوشنير، صهر الرئيس ترامب وبقيت القواعد العسكريّة الأمريكيّة قائمة في الخليج، ربما بحكم العلاقات الشخصيّة التي نشأت خلال العام الماضي مع الرئيس ترامب، واتفاقيّات التعاون العسكريّ المشترك.
وكلها عوامل منحت بعض هذه الدول على الأقل شعورًا بأن إستراتيجيّتها الدفاعيّة لا تزال سارية، وأن الولايات المتحدة ستدافع عنها، فوقع الفأس في الرأس، وبالتالي فحتى لو انتصرت الولايات المتحدة في حربها ضد إيران، فإن هذا الانتصار لن يمحو آثار ما حدث حتى الآن والتجربة التي عاشتها دول الخليج، ما سيضطرّها حتمًا، ومعالم ذلك واضحة منذ اليوم ، إلى مراجعة استراتيجيّاتها الدفاعيّة، وعدم الاعتماد على مصدر واحد أولويّاته مختلفة لا تعتبر هذه الدول في مقدّمة اهتماماته، والنتيجة اضطرارها إلى قبول إيران مضطرّة ومن باب مجبر أخوك، كجزء لا يتجزّأ من الحياة السياسيّة والدبلوماسيّة والاقتصاديّة للمنطقة، دون إغفال أخطارها ، واتّباع سياسة الحياد الحذر، وهي استراتيجيّة خارجيّة تتبنّاها الدول لتفادي النزاعات المسلّحة، وضمان قدر من المناورة السياسيّة والاقتصاديّة، والبقاء على مسافة واحدة من أطراف النزاع لضمان المصالح الوطنيّة، كما موقف تركيا من روسيا والغرب أو موقفها من الحرب في إيران، وهذه المبادئ تضمن إبعاد دول الخليج عن الآثار الضارّة للحروب الدينيّة الأيديولوجيّة، والصراعات على السلطة التي تشمل قوى كبيرة أو صغيرة مثل إسرائيل، وضمان استقرارها الذي يعتمد على الثروة الهائلة التي تمتلكها والتي تسمح لها بضمان ولاء وانتماء مواطنيها، وهي ثروة استخدمتها، أو استعملتها إيران في هذه الحرب كرافعة للضغط نحو تحقيق أهدافها السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة.
وهو الحال بالنسبة لباقي الدول العربيّة، والتي تُكنّ في حقيقة الأمر العداء الكبير لإيران خاصّة بعد قصفها للدول الخليجيّة السنيّة، لكنها من جهة أخرى لا تقطع معها علاقات التواصل والاتّصال، بل إنها تعمل ومن منطلق إيمانها أن الأمر في صالحها، على إنهاء الحرب سريعًا حتى لو كانت النتيجة نجاة نظام آية الله في طهران وبقائه ضعيفًا، باعتبار ذلك أهون الشرين، أو ضرر طفيف إذا ما تمّت مقارنته بالفوضى الإقليميّة السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة وأزمة النفط الحادّة حاليًّا، ومنها مصر والتي التزمت الصمت رسميًّا منذ بداية الحرب، بفعل علاقاتها الشائكة مع إيران، تحرّكت منتصف هذا الأسبوع عبر جولة مكوكيّة لوزير خارجيّتها إلى الدول الخليجيّة في محاولة كما قالت الخارجيّة المصريّة" لوضع تصوّر لوقف الحرب" ، عبر جولة لوزير الخارجيّة المصريّ بدر عبد العاطي مطلع هذا الأسبوع شملت الدوحة وعددًا من دول الخليج العربيّ، بهدف التنسيق والتشاور إزاء التطوّرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، كما قالت مصر، في تكرار للإعلان عن قمم عربيّة طارئة، ولكن بعد أسابيع من الحدث.
خلاصة القول، في خضم معمعة الحرب وتواتر الأخبار وتضاربها، هناك حقيقة واحدة أساسيّة، وهي أنها المرّة الأولى التي تخوض إسرائيل فيها حربًا، لكنها لا تقودها ولا تحدّد وحدها البدايات والنهايات والأهداف ، وما إذا كان يسمح لها بقصف المنشآت الايرانيّة النفطيّة أم لا، أو هل عليها الاكتفاء بقصف الصناعات العسكريّة، بل إنها وإن كانت تفضّل أن تنفي ذلك، تعمل عسكريًّا في إيران، تحت غمامة وعلامات السؤال، بل انتظار الفرمانات الترامبيّة، بانتظار ما سيقرّره ترامب ومتى سيتمّ ذلك، وعندها ما على إسرائيل إلا القبول، خاصّة إذا اعتبر ترامب في إعلانه أن وقف إطلاق النار هو نتيجة للنصر التامّ والحاسم والمطلق، النصر ووقف إطلاق النار، كما كان في الحرب مع إيران في حزيران 2025 أو الحرب في غزة.
ختامًا، الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة الإيرانيّة الحالية، هي تجربة حاولت أميركا وإسرائيل، دون تفحّص تامّ ودون تأكّد من النتائج، فيها الدمج بين عنصرين أولهما عمل عسكريّ كبير ضد النظام الإيرانيّ، وثانيها محاولة إحياء الاحتجاجات الجماهيريّة التي كانت السلطات الإيرانيّة قد قمعتها بالنار والحديد وآلاف القتلى، وهو أمر لم يتحقّق ولكن إذا ما أضفنا إليه، عدم وضوح الدوافع والأعذار والأهداف، فإن الصورة الكاملة تكشف تكرارًا لسيناريو الحرب في قطاع غزة، وملخّصه أهداف ما أنزل الله بها من سلطان ورهانات خاسرة مسبقًا على تحرّك جماهيريّ لبيئة تخضع لنظام دينيّ متزمّت أقرب في تصرّفاته إلى الحركات الدينيّة المسلّحة منه إلى نظام الدولة العصريّة والحديثة.
والنتيجة ما جاء منتصف الأسبوع على لسان مسؤولين في الإدارة الأمريكيّة من أن نتنياهو الذي يدرك الحقيقة السابقة ولذلك يبحث عن صورة النصر ، تعمد قصف المنشآت النفطيّة الإيرانيّة، الأمر الذي أثار حنق الأميركييّن ، مع ضرورة الانتباه إلى التغطية الإعلاميّة في الإعلام العبريّ في إسرائيل، والتي تفعل اليوم، تمامًا كما فعلت في الأسابيع الأخيرة قبل وقف إطلاق النار في غزة، تتحدّث عن خطوات عسكريّة شكليّة بالأساس ، ومنها مثلًا قصف طائرة الزعيم الإيرانيّ، وتصويرها على أنها إستراتيجيّة وهامّة، وبحث عن صورة تغطّي عدم الانتصار بدلًا من البحث عن تحقيق الانتصار . وهو ما يدفع مراقبون في إسرائيل للقول إنه يكفي أن لا تهزم إيران نهائيًّا، كي يعتبر الأمر نصرًا كبيرًا وفق ميزان القوى العسكريّ، أما إسرائيل وأميركا فعليهما تحقيق النصر المبين وإلا ستكون النتيجة أنهما هُزِمَتا ، والمطالبة بأن تعيد إسرائيل صياغة أهداف الحرب بواقعيّة أكثر، منعًا لإطالة أمد الحرب وربما نقلها إلى مرحلة حرب الاستنزاف.
وأساس نجاحها المراهنة على قدرة الشعب على تحمّل نتائج وتبعات الحرب، وهو ما يجيده الإيرانيّون بحكم نظامهم الدكتاتوريّ وخلفيّتهم الشيعيّة المتزمّتة والحسابات التاريخيّة خاصّة مع الولايات المتحدة، فهل ستدرك أطراف الحرب أنها لن تحقّق أهدافها، وحتى وإن تم ذلك فإنه نصر مؤقّت وتحضير لصدام قادم عنه قال المهاتما غاندي :"إن الانتصار الذي يحقّقه العنف هو بمثابة هزيمة لأنه لحظيّ"، أم أن نهاية الحرب ستبقى رهنًا بانتهازيّة سياسيّة لا تتورّع عن توظيف مصائر الناس، وربما حياتهم وأمنهم الجسديّ والنفسيّ في سياق النزاع السياسيّ على السلطة. ويبقى السؤال لماذا يصبح الإنسان في هذا العالم السلعة الأرخص، دون قيمة لحياته أو مستقبله، وتبقى القوة هي صاحبة الغلبة والتأثير والفعل لدى الشعوب المتزمّتة دينيًّا وفكريًّا وسياسيًّا، عبر قيادات تعبث بشعوبها ومقدّراتها ومستقبلها دون حسيب أو رقيب؟؟؟.

















