زيارة ترامب إلى الصين بين تايوان وإيران وإبقاء الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا
وكما العادة، فإن حقيقة اللقاءات السياسيّة، وما دار فيها تكون في معظم الأحيان، إن لم يكن كلّها مختلفة عمّا جاء في التصريحات الإعلاميّة الرسميّة والمؤتمرات الصحفيّة ووجبات العشاء الاحتفاليّة. وهذا هو الحال، وربما بشكل أكبر بكل ما يتعلّق بزيارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى الصين الأسبوع الماضي
والتي تخلّلتها لقاءات غلبت عليها الرصانة من جهة والابتسامات العريضة والمديح الكبير خاصّة من الجانب الأميركيّ، سواء مع الرئيس الصينيّ شي جين بينغ نفسه، أو مع وزرائه ورجال الأعمال الصينيّين الذين شاركوا الزيارة، فهي في الحقيقة زيارة دارت المفاوضات فيها ،إضافة إلى الشأن الاقتصاديّ والذي أراد ترامب وإدارته جعله ذلك الموضوع الذي يطغى على الزيارة عبر مشاركة عشرات من رؤساء الشركات الصناعيّة الكبرى الأميركيّة فيه ومنهم إيلون ماسك وغيره من أرباب الصناعات التكنولوجية وتلك في مجال الطاقة وغيرها، في محاولة للتغطية على حقيقة ساطعة أخرى وهي أن المفاوضات دارت أيضًا حول موقعين رئيسيين أولهما إيران بكل أبعادها ومنعرجاتها وثانيهما تايوان ،
وكم بالحريّ أنها تلك الزيارة التي تأجّلت عن موعدها الأصليّ في نيسان الأخير بسبب الحرب على إيران والتي شنّتها أمريكا وإسرائيل في الثامن والعشرين من شباط، وهي حرب كان موقف الصين منها واضحًا للغاية، يمكن وصفه في أبسط الأحوال بأنها رفضتها منذ البداية واعتبرتها حربًا عبثيّة وغير مبرَّرة ، بينما يمكن في أسوأ الأحوال وهو الأقرب إلى الحقيقة، وصفها بأنها كانت بالنسبة للصين فرصة ذهبيّة أو رمية من غير رامٍ ، لتعزيز نفوذها السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ، والاستفادة من أخطاء التقدير التي استندت إليها الحرب المذكورة من الجانب الأميركيّ، وذلك عبر تكثيف علاقاتها الاقتصاديّة مع طهران ومضاعفة الواردات النفطيّة والصادرات عبر المنافذ البريّة، رغم إغلاق مضيق هرمز (من مصلحة الصين إبقاؤه مفتوحًا)،بمبادرة إيرانيّة أو بفعل تواجد السفن الحربيّة الأميركيّة والقصف الذي تعرّضت له دول الخليج ومنشآتها النفطيّة ومنشآت الطاقة الأخرى.
أما تايوان فقد كانت الموضوع الثاني الذي أراد ترامب ربما تسجيل إنجاز حوله، من حيث التأكيد من جديد على موقف بلاده التي تعتبر تايوان كيانًا مستقلًا، وتريد ضمان أن لا تعود الصين للسيطرة عليها عسكريًّا، وهو ما رد عليه الرئيس الصينيّ خلال اجتماع مغلق جمع الزعيمين بقوله، إن تايوان هي القضية الأهمّ في العلاقات بين البلدين، محذّرًا من أن سوء التصرف من الولايات المتحدة في هذا الصدد قد ينقل العلاقات الأمريكيّة الصينيّة إلى حالة من التوتّر الشديد، وربما إلى صدام حقيقيّ أو حتى صراع.
ما سبق هو الحقيقة، رغم عدم ورود اسم تايوان في البيان الأمريكيّ الختاميّ حول المحادثات، والذي ركّز على التعاون الاقتصاديّ ومضيق هرمز، في مؤشّر إلى اختلاف أولويات الطرفين في قراءة نتائج القمّة، فما جاء في البيان الأميركيّ هو تلك القضايا التي تهمّ الولايات المتحدة عامّة ورئيسها الحاليّ دونالد ترامب خاصّة. وهو الذي يدير الأمور أوّلًا بعقليّة رجل الأعمال، وبالتالي جاء في البيات التركيز الواضح على أن زيارة ترامب هذه إلى الصين، وهي الأولى لرئيس أمريكيّ إلى بكين منذ عام 2017.
وعلى هامشها دعا ترامب نظيره الصينيّ إلى زيارة البيت الأبيض في 24 أيلول سبتمبر المقبل، في خطوة تهدف إلى إبقاء الحوار مفتوحًا بين أكبر اقتصادين في العالم، وبالتالي وأساسًا جاءت لتعزيز التعاون الاقتصاديّ، وليس صدفة، بل للإشارة إلى أن " المياه الاقتصاديّة يمكن أن تعود إلى مجاريها"، وأقصد هنا محاولة إظهار العودة إلى العلاقات الطبيعيّة بعد المواجهة، بل الحرب الاقتصاديّة التي كان ترامب قد شنّها مطلع ولايته الحاليّة، وتحديدًا فرض الرسوم الجمركيّة الباهظة على المنتجات الصينيّة الواردة إلى الولايات المتحدة والتي وصلت في ذروة الصراع ، وتحديدًا قبل عام واحد من اليوم ، 145 بالمئة في محاولة من الولايات المتحدة لدفع الصين وبقية العالم إلى تغيير معادلات التعامل الاقتصاديّ معها، وبدعوى دعم الاقتصاد الأمريكيّ، وهي خطوة قابلتها الصين بالمثل وربما بثورة مضادة ، أثبتت من خلالها أنها لا تخشى مواجهة الولايات المتحدة صاحبة الاقتصاد الأقوى عالميًّا، لتهدأ الأمور بعدها وليعود الاستقرار، وهو ما أشار إليه الرئيس الصينيّ شي جين بينغ بقوله، إن المحادثات التمهيديّة بين فرق البلدين حقّقت نتيجة إيجابيّة ومتوازنة بشكل عامّ.
وبخلاف ما توقّعه بعض المتفائلين ونتيجة عدم إدراكهم كنه وتفاصيل اللقاءات السياسيّة بين دولتين عظميين، ربما لم تسفر زيارة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب هذه إلى بكين، عن نتائج خارقة أو فوق العادة سواء كان ذلك وفق المعايير الأمريكيّة، أو تلك الأوروبيّة والتي توقّعت أن تكون، خاصّة في ظلّ الظروف الحاليّة، منْفذًا يقود إلى نتائج كبيرة وواضحة في كافّة القضايا التي كانت موضع النقاش وخاصّة قضية إيران والتي توقّع كثيرون أن تنتهي الزيارة، إلى تهدئة ما حولها بفعل علاقات بكين وطهران والتي تزداد وتتعزّز أواصرها، فإن هذه الزيارة أكدت خاصّة بعد أن هدأ غبار المعركة، أو الحرب التجاريّة بين الطرفين، أن الدولتين عادتا إلى الحالة السابقة من حيث المواجهة الاقتصاديّة والاستراتيجيّة المعتادة بينهما.
وهي حالة التعادل او ربما الردع المتبادل، ومن هنا وبالرغم من ذلك لا يمكن بأيّ حال من الأحوال وحتى قبل اتّضاح النتائج كاملة وعلى حقيقتها، اعتبار زيارة ترامب إلى بكين بقمّة اقتصاديّة أو سياسيّة أو حتى عسكريّة عاديّة، أو ربما زيارة بروتوكوليّة إلى الصين أراد الرئيس الأميركيّ منها، وعلى ضوء أزماته الداخليّة والخارجيّة، تخفيف التوتّر مع بكين، بل إنها زيارة هامّة وخاصّة بفعل كونها تجيء في زمن ووقت وحالة تتداخل فيها الاعتبارات التجاريّة والعسكريّة والتكنولوجيّة والسياسيّة، وتختلط فيها قضايا الشرق الأوسط، إيران ولبنان وغزة بقضايا آسيا وتحديدًا تايوان.
ومن هنا فهي تعبير عن مشهد تختلط فيه الأوراق، فالولايات المتحدة ما زالت القوة العظمى التي تملك مقومات الهيمنة، لكنها اليوم تجد نفسها في موقع لم تشهده منذ الحرب العالميّة الثانية، أو منذ حرب الخليج الأولى على أقل تقدير، فهي مثقلة بتأثيرات الحرب الإيرانيّة وتكاليفها الاقتصاديّة والأزمات الاقتصاديّة الداخليّة، وتبعات الحرب الأوكرانيّة والخلافات مع الدول الأوروبيّة الاقتصاديّة منها والسياسيّة، ومنها ما يتعلّق بالحرب مع إيران أو حتى الحرب في غزة واعتراف عشرات الدول في العالم بالدولة الفلسطينيّة وفق المبادرة السعوديّة الفرنسيّة، وفوق ذلك فهو شاء أم أبى، وحتى إن حاول إنكار ذلك، يواجه اليوم وعلى الصعيد العالميّ بكامله، الصين بكامل هيبتها وتأثيرها، كقوّة صاعدة بدأت اقتصاديّة وأصبحت سياسيّة ومن ثم عسكريّة، لا تريد المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة، لكنها تمدّ أياديها إلى كافّة المواقع والمناطق والقضايا التي تبتعد عنها الولايات المتحدة ومنها دول آسيا وافريقيا، أو تختلف مع أصحابها والمثال على ذلك الاتفاق النوويّ مع إيران الذي انسحبت منه الولايات المتحدة وفرضت العقوبات على طهران، لتستفيد بكين من ذلك سياسيًّا عبر المصالحة بين السعوديّة وإيران، واقتصاديًّا عبر تحوّلها إلى المستورد الرئيسيّ للنفط الإيرانيّ وبأسعار قليلة، وهو ما دعا الرئيس ترامب إلى الإعلان عن أنه يريد إقناع الرئيس الصينيّ بشراء النفط الأمريكيّ لتقليل اعتماد الصين على إمدادات الشرق الأوسط عامّة وتحديدًا إيران، ما يؤكّد أن ترامب يدرك أن للملف الإيرانيّ أبعادًا اقتصاديّة كبيرة، بجانب أبعاده السياسية والأمنيّة، مع الإشارة إلى أن ابتعاد الصين عن المواجهة الشاملة، وهو خطوة حكيمة، لا يعني أنها لا تريد تغيير قواعد العلاقة تدريجيًّا.
ترامب رجل الاقتصاد وصل الصين ، وفي ذهنه معادلة واضحة في المكان الأول منها الاقتصاد، فهو أراد صفقة تشمل تهدئة تجارية في قضيّة الواردات الصينيّة يقابلها زيادة المشتريات صينيّة من شركات يملكها رجال الأعمال الذين رافقوه ومنهم إيلون ماسك من شركة تسلا ، وكذلك جنسن هوانج المؤسّس والرئيس العام لشركة إنفيديا، الذي يعتبر من أكبر قادة ثورة الذكاء الاصطناعيّ بفضل شركته التي يعتبرها كثيرون قوّة رائدة في تصنيع الرقائق الإلكترونيّة، وإلى ذلك أراد إضافة إنجاز آخر هو تعاون بشأن إيران، يمكن لترامب أن يدّعي بعده أنه استطاع إجبار إيران على التراجع عن مواقفها المتعلّقة بالشأن النوويّ وتحديدًا قضيّة كميّات اليورانيوم المخصّب الذي يطالب إيران بالتخلّي عنه وتسليمه إلى جهة ثالثة، وبالتالي تمكّنه من رسم صورة الانتصار التي يريدها والتي تسمح له بأنهاء الحرب كما يريد.
أما الصين برئيسها والصور تؤكّد ذلك، فهو بعكس ترامب لا يبحث عن الربح السريع ولا يبحث عن صفقة كبرى مع ترامب، بل يحتاج إلى زيارة تكون بمواضيعها ومجرياتها الاعتراف الأمريكيّ الصريح بأن بلاده، أصبحت ندًّا اقتصاديًّا وسياسيًّا للولايات المتحدة، وليس ذلك فحسب بل إنها قادرة على تحديد أولويات الزيارة بنفسها وبما يخالف رغبات ترامب الاقتصاديّة والسياسيّة، وذلك عبر تصريحات متكرّرة خلالها أن قضية تايوان هي قضية صينيّة داخليّة وأمر جوهريّ في العلاقة مع أميركا وليست ملفًّا ثانويًّا، وبكلمات أخرى كان الفارق بارزًا بين الزعيمين، فترامب يفكر في المكسب السريع، بل الآني وربما يريد نتيجة يمكن التباهي بها اليوم، ولا ينظر إلى المدى البعيد، أمّا شي جين بينغ فيفكّر في ميزان القوة العالميّ للسنوات ولصالح الصين.
وإذا كنا بحاجة لما يثبت صحّة ما سبق حول منطلقات ترامب في زيارته وإدراكه اختلاط السياسة بالاقتصاد أو بالعكس، جاءت أقوال وزير الخزانة الأمريكيّ سكوت بيسنت، الذي رافق ترامب في زيارته، لتؤكّد ذلك عبر كشفه حقيقة محاولة ترامب ممارسة الضغط على بكبن لتمارس الضغط من جهتها على طهران، لفتح مضيق هرمز، والذي يعاني إغلاقًا مضاعفًا، معلّلًا ذلك بأن الصين ستستفيد اقتصاديًّا من فتح مضيق هرمز، وبالتالي فإنها في اعتقاده ستبذل ما في وسعها لضمان بقاء المضيق مفتوحًا، وليس ذلك فقط، بل أن تحاول الصين تجنيد كافّة الجهات ذات العلاقة، والتي يمكن أن تملك أيّ تأثير على ايران وقيادتها الحاليّة، للعمل على فتح المضيق، ما يؤكّد أن واشنطن ترامب تراهن أوّلًا على المصالح الاقتصاديّة الصينيّة، وتحاول استخدامها كورقة ضغط تهدف منها إلى تحقيق هدوء أو هدنة أو استجابة إيرانيّة للمقترحات الأميركيّة، خاصّة تلك المتعلّقة بحريّة الملاحة في هرمز، وليس فقط بل ايضًا تلك المتعلّقة بالسلاح النوويّ أو القدرات النوويّة بتعبير أدقّ، إضافة إلى تصريحات إضافيّة لمسؤولين في البيت الأبيض حول كون ترامب استغلّ علاقته الإيجابيّة مع الرئيس الصينيّ شي من أجل تحقيق مكاسب ملموسة للشعب الأمريكيّ، مشيرًا إلى صفقة بيع طائرات بوينج واتفاقيّات زراعيّة لتوسيع الصادرات الأمريكيّة، ومن هنا جاء سيل الإطراءات التي أغدقها ترامب على مضيفه الصينيّ، ابتداءً من الحديث عن مستقبل باهر للبلدين والشعبين جرّاء تعاونهما، وكونه يكن الاحترام التامّ للصين، وأنه من عظيم الشرف أن يكون صديقًا للرئيس الصينيّ، وهي إطراءات اعتقد ترامب، وربما بحكم زيارات سابقة لدول في المنطقة وبخلاف زيارته الصين في عام 2017، عندما وقّعت الشركات التي رافقته آنذاك صفقات ومذكرات تفاهم بقيمة 250 مليار دولار، أنها ستعود عليه وعلى أميركا بعائدات اقتصاديّة وماليّة تقدّر بمئات مليارات الدولارات، دون أن يعرف أن الصين بقيادتها الحاليّة، تدرس الأمور بدقّة وتروٍ ،دون أن تدفع مقابل أيّ أمر عدًّا ونقدًا،
بعكس دول الشرق الأوسط من جهة ورغبة ترامب من جهة أخرى باستثناء صفقة وقعتها شركة بوينج ستشتري الصين بموجبها 200 طائرة منها ، بينما أراد ترامب أن يكون الرقم 500 طائرة ، وكذلك السماح لشركات لحوم أميركيّة باستئناف تصدير الأبقار إلى الصين، وبالتالي ورغم المشاعر الإيجابيّة تبقى الحقيقة مختلفة، فالمحادثات، التي استمرّت يومين انتهت، ولكن دون أن تنتهي الخلافات سواء تلك التي ورثها ترامب عن سلفه جو بايدن، أو تلك التي أضافها هو عند عودته مجددًا إلى البيت الأبيض وخاصّة في مجال الجمارك وغيرها، وبكلمات أخرى أقل دبلوماسيّة. انتهت الزيارة مع بقاء الملفّات الأهم للولايات المتحدة، تلك الثنائيّة أو الدوليّة، معلّقة دون حلّ وبشكل خاصّ دون أن تنجح القمة في الخروج بالتزام علنيّ من الصين بمساعدة الولايات المتحدة في إنهاء الحرب في إيران التي أثارت اضطرابات في الأسواق العالميّة، وأثّرت سلبًا على شعبيّة ترامب،
إضافة إلى عدم حلّ كافّة المشاكل التي تخلقها سياسات الاقتصاد والاحتكار من جانب بكين ودون تكرار المطالبة الأمريكيّة خاصّة والعالميّة عامّة بمعالجة قضيّة الإنتاجيّة الصناعيّة الزائدة التي دفعت بعض الدول إلى اتهام الصين بأنها تغرق أسواقهم بسلع صينيّة رخيصة الإنتاج وبالتالي منخفضة التكلفة، ومن جهة أخرى سعيها لتوسيع نفوذها العسكريّ في منطقتي المحيطين الهندي والهادي، أما بالنسبة للصين فالزيارة كانت الاعتراف بكونها دولة عظمى ناهيك عن كونها ترسم خطوطًا عريضة، لكنها واضحة للعلاقات بين البلدين، نحو خلق ما تصفه الصين بأنه استقرار استراتيجيّ بنّاء، ما يؤكّد إدراك الصين أنها خرجت فائزة من هذه الزيارة، ولو كان ذلك فقط بسبب تراجع إدارة ترامب عن قراراتها وسياساتها المتعلّقة بالجمارك والتجارة والتي أعلنتها منذ بداية عام 2025، والخلاصة هي أن ترامب الذي بالغ في تقدير قوّة الرسوم الجمركيّة على إجبار الصين على تقديم تنازلات من جانب واحد ربما لا تريدها.
خلاصة القول هنا ، إن الزيارة انتهت دون أن يحصل أيّ طرف على كافّة توقّعاته، لكنها كانت بالنسبة للجانب الأمريكيّ زيارة عادت بنتائج أقل بكثير من المتوقّع، وسط اعتراف بأن الجانبين وبشكل مقصود امتنعا عن طرح بعض القضايا، على طاولة القمّة وخصوصًا بعض الصفقات التجاريّة، ومنها ما يتعلّق ببيع رقائق الذكاء الاصطناعيّ المتقدّمة المسماة "إتش200 " والتي تنتجها شركة إنفيديا إلى الصين، وهو ما يشكل استجابة مؤقّتة ربما لطلبات من السياسيّين الأمريكيّين ومن الحزبين الجمهوريّ والديمقراطيّ، كانوا حّذروا ترامب من مغبّة عقد صفقات تدرّ مليارات الدولارات، لكنها تدعم جهود الصين في تطوير الذكاء الاصطناعيّ، وباختصار تقرّر تأجيل بعض القضايا إلى الخريف القريب، موعد زيارة الرئيس الصينيّ إلى واشنطن، وربما يعكس ذلك قناعة الطرفين أنه من الأفضل عدم الحديث، أو عدم السعي إلى إعادة العلاقات الصينيّة الأمريكيّة إلى حالة من التعاون التامّ وسط شفافيّة وانسجام،
بل وضع أنظمة تضمن المنافسة وتعترف بأنها السمة السائدة والباقية لعلاقة الطرفين، دون أن يتجاهل أحدهما الآخر، ودون أن يعتقد أحدهما وخاصّة ترامب أنه صاحب القول الفصل في كلّ القضايا، ومقابل الجميع، بل إنه جزء من منظومة عالميّة تحكمها عوامل المنافسة، ولكن التعاون أيضًا والعمل المشترك وذلك عملًا بقول الشاعر الإنجليزيّ، جون دون: "لا توجد دولة جزيرة قائمة بذاتها؛ كل دولة هي قطعة من القارّة، وجزء من الكلّ"
فهل تكون هذه الزيارة بنتائجها والتي ربما لم تلبِّ طموحات الطرفين، مع التفاوت في ذلك، الدرس الذي يحتاجه الزعيمان وخاصّة ترامب، حول كون السياسة فنّ الممكن وساحة للتفاوض والحلول الوسط؟؟؟ وفي كافّة القضايا دون استثناء، فمن المعروف أن الدروس الأساسيّة في السياسة، وتحديدًا لدى الشعوب التي تعرف أنه يحقّ لها أن تختلف في الرأي، لكنها تعترف أن الخلاف يجب أن لا يصل حدّ العداء والحرب ، بل أن يكون بينها الحوار والسجال، كوسيلة للتعامل بين الشعوب المتحضّرة والتي تهتمّ بحياة شعوبها وتصونها، فتمتنع عن الاقتتال وعن الشعارات الرنَّانة ، وتخضع للاعتبارات الواقعيّة والعقلانيّة والحوار المنفتح بين القيادات وبين الشعوب، كأسلوب لإيجاد الحلول، مع التأكيد على أن أثمن الهدايا للزعماء وأكبر المكافآت، هي التنمية الاقتصاديّة لمصلحة شعبه ولضمان رخائه وسلامته وازدهاره والتخلّص من مظاهر الفقر والتخلّف والكبت وغيرها.


















