قانون الإعدام هل يصبح القانون في إسرائيل أداة انتقام؟

لم يكن عبثًا أن علا صوته، ولو لأيام قليلة على صوت الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة من جهة، وتلك بين إسرائيل وحزب الله من جهة أخرى. كما لم يكن عبثًا أن شغل لساعات جدول أعمال الموجات التلفزيونيّة والإذاعيّة المفتوحة منذ اندلعت الحرب الحاليّة نهاية شباط.

11.04.2026 מאת: المحامي زكي كمال
قانون الإعدام هل يصبح القانون في إسرائيل أداة انتقام؟

المحامي زكي كمال

 

والتي ناقشت أبعاده ومنطلقاته والاحتفالات العلنيّة داخل البرلمان بإقراره والتي وصلت حد شُرب نخْبِهِ علنًا، وأقصد القانون الذي  يفرض عقوبة الإعدام شنقًا على الفلسطينيّين المدانين بقتل إسرائيليّين  والذي أقرّه البرلمان الإسرائيليّ، الكنيست، في الثلاثين من آذار 2026 والذي اقترحه أعضاء حزب القوة اليهوديّة اليمينيّ برئاسة وزير الأمن القوميّ إيتمار بن غفير،

وتحديدًا عضو الكنيست ليمور سون هار ميلخ (قتل زوجها الأول، شلومو هار ميلخ في عمليّة عسكريّة نفّذها فلسطيني عام 2003 قرب قرية المغيِّر قضاء رام الله)، وعضو الكنيست نسيم فاتوري من حزب الليكود، ويُلزم بفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيّين الذين يُدانون بتهمة القتل، على  خلفيّة "إنكار وجود دولة إسرائيل"،

ما لم تر المحكمة وجود ظروف خاصّة تبرّر الاكتفاء بالسجن المؤبّد، ناهيك عن أن فرض عقوبة الإعدام وفقه ملزم حتى لو لم تطلبه النيابة العامّة، ويتم حتى بقرار مخالف من  هيئة القضاة، كما يلغي إمكانيّة العفو أو تخفيف الحكم، بل إن ذلك يشير إلى خصوصيّة هذا القانون الذي يعتبره مؤيّدوه راية نصر حقيقيّة وتنفيذًا لوعود انتخابيّة بردع الفلسطينيّين وتقليل الأعمال والعمليّات العسكريّة وبسط السيطرة الإسرائيليّة وفق  تصوّر اليمين،

ويعتبره معارضوه تشريعًا شعبويًّا يؤكّد استمرار التدهور والتطرّف القيميّ والسياسيّ في الحلبة السياسيّة الإسرائيليّة خاصّة بعد السابع من أكتوبر 2023، وبدأ قبله، إضافة إلى اعتبارات سياسيّة تؤكّد أنه لا يردع كما تثبت معظم الدراسات، ناهيك عن أنه ينافي أبسط القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة وهو ما تؤكّده المعطيات التي تشير إلى انخفاض متواصل في عدد الدول التي تطبق فيها عقوبة الإعدام حيث أشارت معطيات منظّمة العفو الدوليّة للعام 2023 و 2024، أن 35 دولة ما زالت تحتفظ بعقوبة الإعدام وتطبقها فعليًّا، بينما ألغت أكثر من 140 دولة العقوبة قانونًا أو ممارسة، وفوق كلّ ذلك التحذير إعلاميًّا وسياسيًّا من أن الحكومة والائتلاف خضعا، بحسب رأيه، لحملة انتخابيّة شعبويّة يقودها بن غفير، وأن القانون قد يفاقم عمليّات المساومة والانتقام، ويقيّد يد الحكومة في أيّ صفقات مستقبليّة  لتبادل الأسرى والرهائن.

 


 وبغضّ النظر عن تفاصيل القانون، ورغم محاولات إكسابه صفة العموميّة والشموليّة  مجافاة للحقيقة، وذلك عبر  التذاكي والإشارة صراحة إلى  هويّة وصفات  الفئة العرقيّة التي سيتم فرض عقوبة الإعدام عليها،  وقد اشترط فرض عقوبة الإعدام بأن يكون دافع جريمة القتل "إنكار وجود دولة إسرائيل"، وحصره في هذه النقطة، وجعله ساريًا على من يقيم في الضفة الغربيّة، أو  من هو مسجّل في سجلّات السكان بالمنطقة، أو من يقيم فيها حتى وإن لم يكن مسجّلًا في هذه السجلّات، مع استثناء المواطنين الإسرائيليّين أو المقيمين الإسرائيليّين، يجعل القانون مصمّمًا عمليًّا لاستهداف الفلسطينيّين حصرًا، خاصّة مع الإشارة مرّة أخرى إلى عدم اشتراط  وجود طلب من النيابة العامّة بفرض الحكم،

أو صدور الحكم بالإجماع من هيئة القضاة، أو أن تكون رتبة القضاة دون رتبة مقدّم. ومنع قائد الجيش الإسرائيليّ في المنطقة المعنيّة من إصدار العفو عن حكم الإعدام أو تخفيفه أو إلغائه، ومنع الحكومة الإسرائيليّة من الإفراج عن أيّ شخص مدان، أو مشتبه به أو متهم بارتكاب جريمة يُعاقب عليها بالإعدام، ضمن أيّ صفقة مستقبليّة، يثير الأسئلة حول الدوافع وراء هذا القانون، خاصّة وأن القانون الإسرائيليّ حتى  اليوم ينصّ على إمكانية تطبيق الإعدام في حالات "الجرائم ضدّ الإنسانيّة" و "الخيانة العظمى"،  وبالتالي نفّذت إسرائيل  مطلع ستينيات القرن الماضي حكم الإعدام بحقّ أدولف أيخمان، أحد كبار المسؤولين النازييّن، بعد محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة خلال المحرقة،

وهي المرّة الوحيدة التي نفّذت فيها إسرائيل حكم الإعدام رسميًّا، ورغم أن القانون نفسه يمنح المحاكم العسكريّة حقّ إصدار حكم الإعدام بحقّ فلسطينيّين ارتكبوا عمليّات قتل بحقّ إسرائيليّين من المدنيين والجنود، إلا أنه لم يطبّق حتى في حالات خطيرة منها قتل الوزير رحبعام زئيفي في أكتوبر عام 2001 في القدس وغيرها، وذلك رغم محاولات كانت أولها في العام 2000 عبر طرح مشاريع قوانين لإقرار الإعدام بحقّ منفّذي العمليّات الفلسطينيّة، أو ضغوط من عائلات قتلى إسرائيليّين طالبوا بفرض هذه العقوبة على الفلسطينيّين، لكنها كانت تُرفض أو تُجمّد بسبب المخاوف من تداعياتها الدوليّة والإنسانيّة.
 

 

انطلاقًا ممّا سبق، ومنعًا للانشغال العينيّ بهذا القانون رغم خطورته، والذي تعارضه جهات قضائيّة رسميّة وأجهزة أمنيّة منها الشاباك وغيره، ويدرك كثيرون في قرارة أنفسهم أنه لن يصل مرحلة التنفيذ وذلك بفعل التماسات إلى محكمة العدل العليا، أو أنه لن يبقى بصيغته الحاليّة،

التي تجعله عنصريًّا بامتياز بحيث يفرض عقوبات مختلفة، أحداها فرض الإعدام على فلسطينيّ بحجّة أنه تسبّب بالموت عمدًا ومع سبق الإصرار  بقصد إنكار وجود دولة إسرائيل، والثانية السجن العادي على إسرائيليّ، ارتكب نفس الجريمة، ومنعًا لتناسي الصورة الأوسع، من الضروريّ قضائيًّا وسياسيًّا وإنسانيًّا النظر إليه ضمن نطاقه الواسع والشموليّ، وملخّصه أنه يأتي ضمن حالة غير مسبوقة من التطرّف السياسيّ والتشريعيّ والعسكريّ تشهدها إسرائيل منذ أكتوبر عام 2023،شملت تصريحات لا تقلّ خطورة عن نصّ القانون المذكور،

بل وصلت حدّ المطالبة  من قبل وزراء في الحكومة بإلقاء قنبلة ذريّة على قطاع غزة ومحوه بالكامل عن وجه البسيطة، أو تسوية كافّة مبانيه ومدنه بالأرض،  وتبرير مقتل عشرات آلاف الفلسطينيّين في غزة أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء، واعتباره نتيجة جانبيّة للأعمال العسكريّة، والحديث الصريح عن تهجير مليوني فلسطينيّ من هناك  خلافًا لأبسط قواعد القانون الدوليّ والإنسانيّ، ومنع المواد الغذائيّة وقصف المؤسّسات والمنشآت الطبيّة بدعوى كونها تستخدم من قبل مسلّحي حماس، وترحيل سكان شمال قطاع غزة،

واعتبار كل من فيه عرضة للقتل والقصف باعتبار أن لا أبرياء هناك، وصولًا  إلى تصريح وزير الأمن الحالي يسرائيل كاتس علنًا أن إسرائيل سوف تهدم كافّة القرى اللبنانيّة جنوب نهر الليطاني، الشيعيّة والمسيحيّة على حدّ سواء ، وتشريعات شعبويّة أخرى، تعتبر نصّ القانون وسيلة للعقاب والتمييز، وتشريعات متواصلة لتقييد حريّات المواطنين العرب ومنعهم من التعبير  والتظاهر والتوظيف وغيرها منذ بداية الحرب في غزة، وتقليص الميزانيات المخصصة للمواطنين العرب، وتقاعس الشرطة في توفير الأمن والأمان ومنع الجريمة وغيرها.

 


خطورة مشروع القانون الحالي تنبع من الحقيقة الساطعة والواضحة أنه  لا يمكن قراءته  من حيث المنطلقات والدوافع  بمعزلٍ  عن السياق السياسيّ والأمنيّ  المتأزّم الذي تعيشه إسرائيل وسط  تصاعد نفوذ التيارات اليمينيّة المتطرّفة، وكونها تملك زمام السلطة السياسيّة والتنفيذيّة، في ائتلاف  يريد تنفيذ الانقلاب الدستوريّ وإفراغ الجهاز القضائيّ برمّته من مضمونه، ومنعه من إبداء الرأي بل جعله أداة طيِّعة ومطيعة تنفّذ الأوامر دون أيّ اعتبارات أو حرية لإبداء الرأي، وفي ظلّ  حكومة يهمها بقاؤها بل إن كافّة جهودها وعلى الأقلّ معظمها، من حيث التشريع والميزانيّات والتعيينات والسياسات ،ينصب في تحقيق هدف واحد هو ضمان إكمال فترتها الدستوريّة على الأقل أيّ البقاء في سدّة الحكم حتى تشرين الثاني القريب،  

وربما حتى ووفق تسريبات بل تلميحات غليظة، تأجيل الانتخابات عبر استغلال ذريعة استمرار الحرب مع حزب الله  لعدّة أشهر إضافيّة حتى لو توقفت الحرب مع إيران بقرار من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب،  ناهيك عن أنه كغيره من القرارات ومنها وقف عمل ونشاطات المؤسّسات الدوليّة والأمميّة والانسحاب من المنظّمات الدوليّة، يعكس محاولات الحكومة الإسرائيليّة تصدير أزماتها الداخليّة عبر تشديد القبضة على الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة والمواطنين العرب في إسرائيل،

والمعارضين في المجتمع اليهوديّ ومنظمات القطاع الثالث أي تلك غير الحكوميّة، وتجفيف مصادر تمويلها باعتبارها مناهضة لها، فضلًا عن الخطورة الكامنة في  نزعة الحكومة الحاليّة إلى إقرار تشريعات خاصّة ومثيرة للجدل ليس لحاجة حقيقية، بل  كأداة لتوحيد صفوف اليمين الإسرائيليّ المتشدّد، وتعزيز موقع الحكومة في ظلّ أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة داخليّة، ومنها  ورغم وجود قانون واضح للخدمة العسكريّة منذ قيام الدولة، محاولات سنّ قانون يعفي اليهود الحريديم من الخدمة العسكريّة تحت مسمّى قانون التجنيد، أو قانون الإعفاء من التجنيد كما تقول المعارضة، أو قانون توسيع صلاحيّات المحاكم الدينيّة اليهوديّة ومنحها إمكانيّات البت بقضايا مدنيّة رغم ما تعانيه من فشل بنيويّ وإقصاء للنساء لمجرّد كونهن كذلك وعدم السماح لهن بالعمل كقاضيات فيها،

وقانون خاصّ لتشديد العقوبات على الجرائم الجنسيّة،  وتحديدًا تلك منها التي يمكن أنها ارتكبت "بدوافع قوميّة"، أما على المستوى الإقليميّ، فإن انعكاساته قد تكون خطيرة، إذ يهدّد باندلاع موجة احتجاجات واسعة في الضفة الغربيّة وقطاع غزة، ويمنح الفلسطينيّين  مبرّرًا إضافيًّا لتصعيد المواجهة، ناهيك عن أنه يُسدل الستار نهائيًّا عن أي إمكانية مستقبليّة لتحرير رهائن إسرائيليّين محتجزين لدى منظّمات فلسطينيّة في تنفيذ واضح وخطير لمواقف الوزير إيتمار بن غفير الذي عرقل صفقات تبادل الرهائن والمحتجزين أكثر من مرّة مع حركة حماس، بل تباهى بذلك، وبكلمات أخرى حكم متبادل ربما بالإعدام على الرهائن الإسرائيليّين والسجناء الفلسطينيّين على حدٍّ سواء.

 


 عالميًّا، جاء المشهد الاحتفاليّ  الذي رافق إقرار القانون داخل الكنيست، وهو مشهد احتفاليّ غير مسبوق، ليؤكّد المؤكّد  وهو أن عمليّة التشريع، وانطلاقًا ممّا سبق بل تأكيدًا له، افتقدت إلى أبسط المقوّمات التي يجب أن ترافق التصويت على تشريعات وقوانين هامّة بحياة البشر، وهي تشريعات تكون عادة متأنيّة ومطوّلة يتخلّلها إصغاء تامّ إلى الأصوات المؤيّدة والمعارضة وإلى أصحاب الاختصاص خاصّة من أجهزة الأمن،  واهتمام ولو شكليّ أو بسيط بالأعراف الدوليّة والقيم الدينيّة التي كانت السبب هنا في معارضة حزب يهدوت هتوراة، الحريدي المتديّن، ونقاشات تتمّ   وسط أجواء   من المسؤوليّة،  ليزيد الطين بلة مؤكّدًا أنه قانون انتقاميّ يجاهل كون  عقوبة الإعدام تُنهي حياة الإنسان بشكل نهائيّ،

دون أيّ إمكانيّة للتراجع أو التصحيح، وأن الطبيعة النهائيّة لعقوبة الإعدام تجعلها أكثر تعقيدًا من الناحية القضائيّة، وتتطلّب مستويات  غير مسبوقة، بل تامّة وكاملة من  الإثبات ، فعقوبة الإعدام غير قابلة للتراجع، وأنه  قانون تمّ تفصيله على مقاس الشركاء الائتلافيّين خاصّة، مع وجود مشروع قانون آخر قدّمته النائب يوليا ميلينوفسكي من  حزب إسرائيل بيتنا المعارض  يشمل أيضًا إمكانيّة فرض عقوبة الإعدام على مسلحي النخبة التابعة لحركة حماس الذين شاركوا في هجمات السابع من أكتوبر،

رفض الائتلاف الحاكم دعمه مفضّلًا قانونًا لا يمكن وفق بنوده تنفيذه بأثر رجعيّ  لمجرّد أنه قانون لحزب وزير يعتبر حزبه بيضة القبان في الائتلاف الحاليّ،  رغم أن القانون يتعارض مع مبادئ القانون الدوليّ، وقد يندرج ضمن جرائم الفصل العنصريّ، ما قد يفتح المجال أمام ملاحقات أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة، فهو يحمل  إشكاليّات قانونيّة عميقة، إذ يتم توجيه عقوبة الإعدام بشكل حصريّ ضد فئة محدّدة، ما يثير اتهامات بالتمييز العنصريّ،

وانتهاك اتفاقيّات جنيف التي تحظر الإعدام الجماعيّ أو العقوبات التمييزيّة، وبالتالي حذّرت منظمات حقوقيّة دوليّة منها منظّمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش من أن هذا القانون يمثّل إعدامًا خارج إطار العدالة، ويقوّض مبادئ العدالة أثناء المحاكمة، ويضرب بعرض الحائط لكافّة المواثيق الدوليّة، وفي مقدّمتها اتفاقيّات جنيف التي تكفل حقوق الأسرى، ناهيك عن أن  توقيت طرحه يأتي في ظلّ صمت دوليّ تامّ وانشغال عالميّ بقضايا أخرى قد تبدو أهم منها الحرب في إيران واستمرار الحرب في أوكرانيا والتوتّر بين الهند والباكستان وغير ذلك.

 


السياق هنا أكثر خطرًا من محاولات الانقلاب الدستوريّ، وهو بمعناه الواسع يكشف قسوة وفظاعة التحوّلات السياسيّة في إسرائيل، والتي رافقت المعارك الانتخابيّة المتتالية، وحكم حكومة التغيير وبعدها   وكردّ عليها، الحكومة الحالية بعد انتخابات 2022، وازدياد قوة وسطوة  وتأثير وربما انفلات التيارات اليمينيّة المتطرفة في العقد الأخير، والتي رفعت راية تشديد القبضة خارجيًّا ضد الفلسطينيّين، وداخليًّا ضد المواطنين العرب، والذين ربما سيطالهم قانون الإعدام هذا، خاصّة البند المتعلّق بإنكار وجود دولة إسرائيل، والمقصود هنا وجودها وتعريفها كدولة يهوديّة وديمقراطيّة، مع الإشارة إلى مشروع قانون قدّمه رئيس الائتلاف الحكوميّ من الليكود أوفير كاتس ، يشترط الترشّح للبرلمان بالاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة (من حسن الحظّ أنه قد يصطدم بمواقف الأحزاب الدينيّة المتزمّتة التي ترفض الاعتراف بيهوديّة الدولة ) وصولًا إلى مشروع القانون الأخير الذي صادق  عليه الكنيست، فالحقيقة هنا أن الساحة  السياسة الداخليّة الإسرائيليّة، تشهد محاولات للحفاظ على  توازنات دقيقة داخل الكنيست، وصراع بين التيارات السياسيّة الممثّلة باليمين المتطرّف،

ممثلًا بأحزاب مثل "القوة اليهودية" و"الصهيونية الدينية"، الذي كان يضغط منذ  سنوات باتجاه تشديد العقوبات على الفلسطينيّين، لكنّه لم يكن يمتلك القوة الكافية لفرض أجندته، ليتغيّر الحال  اليوم، ومع دخول هذه الأحزاب إلى الحكومة وتحالفها مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو،

أصبح لديها القدرة على تحويل شعاراتها إلى قوانين ملزمة يضع بعضها مصالح الائتلاف الحاكم قبل مصالح الدولة وقبل علاقاتها بدول العالم الديمقراطيّ، بل على حسابها فيتنازل عن تأييد المجتمع الدوليّ مقابل استمرار حكمه،

وسط إقصاء لمعارضيه ومعاداتهم سياسيًّا وقضائيًّا، وتشريعات شخصيّة تحاول فرض أجندات الائتلاف بالقوة وصولًا إلى مبتغاهم الأهمّ وهو وقف محاكمة بنيامين نتنياهو بحجّة العفو مع عدم توفّر أيّ من شروطه القانونيّة وبحجّة أنه طلب خاصّ من الرئيس  دونالد ترامب، وبالمقابل من جهة أخرى، معارضة  مفتتة وضعيفة داخل الكنيست ـ الممثّلة بأحزاب الوسط واليسار ـ حاولت  ومن منطلق حسابات شخصيّة ومخاوف انتخابيّة، معارضة القانون بشكل  خجول، محذّرة من تداعياته الدوليّة والإنسانيّة،

وهو حال يعكس طبيعة الحلبة السياسيّة الإسرائيليّة اليوم: يمين متشدّد  يسابق الزمن لإتمام الانقلاب القضائيّ وتطبيق أجنداته في الضفة الغربيّة، وعلى الصعيد الداخليّ،  ومعارضة ضعيفة عاجزة وخائفة وخجولة تفشل في  بناء جبهة موحّدة، وفوق كل ذلك تسييس للجهاز القضائيّ والعدالة عبر استخدام القضاء كأداة لخدمة أهداف سياسيّة، لا كسلطة مستقلّة، لا تملك إمكانيّة  العفو أو تخفيف العقوبة،

وهو ما يعني أن السلطة التنفيذيّة تسعى إلى السيطرة الكاملة على مسار العدالة، وتحويلها إلى وسيلة ردع جماعيّ، أما الخلاصة فهي أن إسرائيل تعيش حالة متقدّمة من التعصّب الإنتقاميّ والتشدّد القضائيّ والسياسيّ، حيث تتحوّل سياسة العقوبات العقابيّة إلى أدوات انتخابيّة، وتصبح حياة الأسرى الفلسطينيّين جزءًا من لعبة التوازنات داخل الكنيست،

ما  يعكس ليس فقط قوّة اليمين المتطرّف، بل الأخطر من ذلك  ضعف المؤسسات الديمقراطيّة والمعارضة، وخلق نظامين قضائيّين أحدهما لليهود والثاني لغيرهم، رغم أن الحال القائم اليوم هو نظامين قضائيّين، واحد مدنيّ إسرائيليّ والثاني عسكريّ في الضفة الغربيّة، والنتيجة ضم قضائيّ للضفة الغربيّة هو التمهيد لضمّها فعليًّا.

 

ختامًا، سواء نُفّذ القانون على أرض الواقع أم لم ينفّذ بفعل قرارات من محكمة العدل العليا تؤكّد أنه غير دستوريّ، فإنه خطوة أخرى في مسيرة عبّدتها الحكومة الحاليّة  وصاغتها بواسطة تشريعات وقرارات تعتمد مبدأ عقاب المواطنين  العرب داخل  إسرائيل عبر قرارات فرديّة لوزير الماليّة بتسلئيل سموتريتش  بتوسيع الاستيطان في الضفّة الغربيّة وبتقليص ميزانيّاتهم وقرارات لوزيرة المساواة الاجتماعيّة ماي غولان بتحويل ميزانيّات تقدر بمليارات الشواقل كانت مخصّصة للمواطنين العرب إلى وزارة الأمن القوميّ،

وتشريعات تحدّ من حريّة التعبير والفكر في المؤسّسات الأكاديميّة وتمنع المواطنين العرب من إبداء رأيهم، وسبق كل هذا قانون القوميّة من العام 2018 والذي أزاح عن اللغة العربيّة صفتها الرسميّة ونصّ على إقامة مدن لليهود فقط، ورفض إدراج مبدأ المساواة ضمنه،

ومعاقبة الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربيّة عبر توسيع الاستيطان وشرعنة مصادرة الأراضي، وغضّ الطرف عن ممارسات المتطرّفين من المستوطنين ضد الفلسطينيّين والاعتداءات اليوميّة عليهم، ولكن التصويت على هذ القانون يشكل لحظة سياسيّة وقضائيّة  بل إنسانيّة مفصليّة، ليس لأنه ينصّ على منح هيئة سياسيّة، هي البرلمان الإسرائيليّ هنا،  الحقّ القانونيّ في تحديد كيفيّة سلب إنسان حياته  والانتقام منه متناسيًا قول  ألبرتو روكيا  الكاتب والمؤلّف والمفكّر الإسبانيّ، إن إصلاح المجرم لا الاقتصاص منه هو هدف العدالة، وليس ذلك فقط بل الاحتفال بالحصول على هذا الحقّ برفع النُخْب،

بل لأنه يكشف أيضًا  عمق التدهور القيميّ في السياسة الإسرائيليّة عامّة واليمين الاستيطانيّ والدينيّ عامّة، وإلى  أيّ مدى بات اليمين الإسرائيليّ مستعدًّا لتحويل خطاب الانتقام إلى نهج حياة كما يحدث يوميًّا في الضفة الغربيّة منذ السابع من أكتوبر 2023، وليس ذلك فحسب بل إلى تشريع قانونيّ وقضائيّ ملزم، وبالتالي يجب السؤال: وهل تتحقّق العدالة بقتل القاتل ؟ وهل الإعدام وهو بمثابة "القتل القانونيّ" مقابل جريمة القتل غير القانونيّ هو الطريق إلى العدالة والسلام، أم إلى المعاقبة وتغذية مشاعر الانتقام؟

 

رغم ما سبق، لا بدّ من الإشارة إلى أن حالة الحرب الحاليّة، وتحديدًا ما ارتكبته حماس في السابع من أكتوبر 2023، والذي كلّف الشعب الفلسطينيّ الكثير من العناء والخسائر البشريّة والدمار، والحرب الحاليّة مع بين إسرائيل وحزب الله والحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بمشاركة الحوثيّين وغيرهم والتي توقفت نيرانها صبيحة اول امس لأُسبوعين كمرحلة اولى، كلّها أمور مدانة ومرفوضة،

ولا بدّ من القول الصريح أنه لو كانت تلك المنظّمات التي تدّعي المقاومة من أجل حريّة الشعوب، وتلك الدول التي تدّعي  إيمانها بقدسيّة حياة الإنسان  وحريته بغضّ النظرعن انتماءاته الدينيّة والقوميّة والفكريّة، لو كانت فعلًا كذلك، لما وصلنا إلى هذا القدر والحدّ من الخراب والدمار والهلاك، وهذا القدر من مشاعر الانتقام  والقتل والحروب، فهذا يتطلّب توفّر أبسط قواعد المنطق، والإيمان التامّ أن القتل وإهلاك البشر والحجر والدمار المكلف ليس الحل وليس السبيل،  بل أن السلام هو السبيل لوقف سفك الدماء، ونحو عالم يسوده السعي المشترك نحو الازدهار والتقدّم الإنسانيّ المشترك.

 

תגובות

מומלצים