هل يُخمِد الصراع حول النفط لهيب الحرب أم يزيدها اشتعالًا ؟
شارفت الحرب على نهاية شهرها الأوّل، دون أن يعلم أيّ كان بموعد نهايتها، وهو الذي يقينًا، سيحدّده الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب وحده، وفق اعتباراته الخاصّة ودون استشارة أحد ، وقبل أن تتّضح الشروط المطلوبة لذلك، تتّجه هذه الحرب بأهدافها المتغيّرة بين ساعة وأخرى، إلى حرب عبثيّة لا يعرف من أشعلها كيف ومتى يمكن إنهاؤها
لتصبح بذلك حربًا بدأت شرارتها الأولى، من منظور إسرائيليّ وأميركي على الأقلّ، انطلاقًا من مصيدة ثوسيديديس ( ثوقيديدس)،
وهو المصطلح يصف حالة تتشكّل فيها توجّهات واضحة نحو الحرب عندما تهدّد قوّة سياسيّة أو اقتصاديّة أوعسكريّة ما جديدة، قوّة عظمى أخرى مهيمنة إقليميًّا أو دوليًّا، والذي صاغه الأمريكيّ غراهام تي أليسون لوصف صراع محتمل بين الولايات المتحدة والصين، بمعنى أن تشنّ القوّة المهيمنة هجومًا أو حربًا وقائيّة، في محاولة لحسم ميزان القوّة الحاليّ قبل فقدان القدرة على التحكّم فيه. والدليل على ذلك أن إدارة ترامب ومنعًا لضرورة اللجوء إلى الكونغرس للحصول على موافقته لشنّ حربٍ على إيران،
وصفت الحرب رسميًّا بأنها عمليّات عسكريّة وضربات استباقيّة تهدف إلى كبح جماح إيران، لكنها تتحوّل في الأسبوع الأخير على الأقلّ إلى ما يشبه الحرب المفتوحة، وهي بطبيعتها تلك الحرب التي تتّسم بأهداف مفتوحة ومتغيّرة، تمامًا كما هذه ، التي بدأت ساعية إلى تدمير قدرات إيران، وتمرّ بإسقاط النظام،
ولا تستبعد إسقاط الدولة وتفتيتها، ما يثبت حقيقة واضحة وهي أن عدم وضوح أهداف الحروب من شأنه أن يؤدّي إلى استمرارها واتّساعها وصولًا إلى حالة تعيد إلى الأذهان حرب العراق وإيران التي استمرّت ثماني سنوات، أصبحت الحرب فيها وخلالها غاية بذاتها، بدل أن تكون أداة لتحقيق أهداف معيّنة، ومن هنا تسعى الدول المشاركة فيها إلى التحكّم في عمليّة تدفّق المعلومات بما يخدم أهدافها، وذلك عبر التعتيم على بعض الوقائع،
أو تضخيم وقائع أخرى كجزء من الحرب النفسيّة، أو عبر مواقف وتصريحات سياسيّة متتالية قد تكون متناقضة تهدف للسيطرة على الرأي العام وإسكاته، لكنّها وبنظرة ثاقبة إليها والتعمّق في ما خلف عباراتها، تكشف النوايا الحقيقيّة وراء الحرب، والتي تكون مناقضة أحيانًا للأسباب المعلنة للحرب.
وهذا الحال هنا ، تعدّدت أهداف الحرب أميركيًّا ، كما تنوّعت بتنوّع الدول المشاركة فيها، أو المتوجّسة من مجرياتها ونتائجها، أو المتضرّرة منها، وتغيّرت مع تقدّم أيّامها فأضيفت بعض الأهداف وتم شطب أو تعديل الأخرى، بما يضمن لكلّ من يريد ادّعاء الانتصار، لكن مراجعة معمّقة للمواقف الأميركيّة وتصريحات ترامب المتتالية وخطواته المتناقضة ظاهريًّا,
تكشف خيطًا رفيعًا يربط بينها، وهو أنها حرب بدأها ترامب كما قالت مصادر في واشنطن، بعد أن تيقّن أنها ستندلع حتمًا بمبادرة من إسرائيل، أو بدأها كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز، بعد اقتناعه بمعلومات استخباريّة عرضها أمامه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيليّ، استنادًا إلى تقييمات الموساد ومفادها أن اغتيال رأس الهرم الإيرانيّ سيعني حتمًا انتفاضة إيرانيّة داخليّة وانهيارًا للنظام،
وصولًا إلى نهاية للمشروع النوويّ وإقامة سلطة جديدة في طهران ترضى بها واشنطن وإسرائيل، ينتهي معها دور إيران كقوة إقليميّة تهدّد جاراتها وتشكّل خطرًا على عمليّات استيراد وتصدير النفط من جهة، بكلّ ما لذلك من معانٍ تتعلّق بأسعار النفط وقضايا الطاقة، بدليل تركيز الدائم على منع إيران من إغلاق مضيق هرمز ومطالبته للدول الأوروبيّة بمساعدته في ذلك من جهة،
وخطواته الإضافيّة والتي شملت السماح للهند باستيراد النفط والسماح حتى لطهران بتصدير نفطها لمدّة شهر كامل، لتحصل على مليارات الدولارات بينما واشنطن تحاربها، في محاولة منه لمنع أسعار النفط من مواصلة الارتفاع بعد أن تضاعفت خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، ما دفعه من الجهة المقابلة، وانطلاقًا من كون الاقتصاد أوّل ما يعني، وإدراكه التامّ أن القوّة العسكريّة وحدها، بخلاف إسرائيل، لن تحسم الحرب ولن تضطر القيادة الإيرانيّة إلى وقفها أو الاستسلام،
بل أن الاقتصاد وتحديدًا النفط والطاقة الكهربائيّة هما العامل الأكثر وزنًا وورقة الضغط الأثقل وزنًا، ومن هنا جاء تصريحه أولًا حول استيائه من قصف إسرائيل لمنشآت للغاز الطبيعيّ في حقل مشترك لإيران وقطر،
ومن ثمّ قراره المتناقض تمامًا بقصف جزيرة خارك(خرج)، رغم إعلانه لاحقًا أنه جاء ليس للمسّ بالمنشآت النفطيّة، بل إنه جاء لتدمير أهداف عسكريّة بشكل تفقد معه طهران أي قدرة للدفاع عن الجزيرة التي تعتبر واحدًا من أهمّ المراكز الإستراتيجيّة في إيران والمنفذ الرئيسيّ لتصدير النفط الإيرانيّ عبر الخليج، ما يجعلها تحمل أهميّة إستراتيجيّة بالغة، كونها تضمّ أهمّ البنى التحتيّة النفطيّة الإيرانيّة،
ويمرّ عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانيّ، أي إنها الحلقة الحيويّة في شبكة تصدير الطاقة الإيرانيّة عبر الخليج، ما يجعلها نقطة اختناق اقتصاديّة يمكن أن تحدّد مصير أيّ مواجهة عسكريّة محتملة بين واشنطن وطهران، والتلميح إلى إمكانيّة إرسال قوّات بريّة للسيطرة عليها رغم صعوبة ذلك عسكريًّا وميدانيًّا، خاصّة وأنه يتطلّب تأمين خلوها من قوات إيرانيّة، وذلك عبر ضربات جويّة وبحريّة مكثّفة لتطهير الجزر المستهدَفة من أيّ وجود عسكريّ إيرانيّ، إضافة إلى استهداف الساحل الجنوبيّ، ومنع وصول إمدادات إليها عبر الساحل الغربيّ لإيران،
إضافة إلى أنشطة سيبرانيّة وإلكترونيّة ونشاطات عسكريّة بحريّة عبر الغوّاصات والصواريخ الموجّهة لخلق تفوُّق عسكريّ استباقيّ ، ومن ثمّ تهديده باستهداف المنشآت الحيويّة المتعلّقة بالطاقة في أنحاء إيران لإجبار طهران على وقف الحرب، وبكلمات أخرى، حرب بدأت كوسيلة وتهدّد بالتحوّل إلى غاية، وقضية نفط واقتصاد وطاقة، بدأت غاية خافية وثانويّة علنًا على الأقلّ لهذه الحرب، لتصبح وسيلة إنهائها عبر استخدامها ورقة ضغط حاسمة.
وقضية مضيق هرمز وتصريحات ترامب، حول إصراره على منع إغلاقه تؤكّد ما سبق، وتحديدًا كون أسعار النفط والجوانب الاقتصاديّة أوّل ما يشغل اهتمام ترامب، وهو ما أكّدته شهادات أعضاء الأجهزة الأمنيّة الأميركيّة التي فنّدت أمام الكونغرس ادّعاءاته حول صواريخ إيرانيّة عابرة للقارات تطال نيويورك وواشنطن، بل أكدت أن إيران ليست قريبة من ذلك إطلاقًا، ولم تبدأ بإنتاج هذه الصواريخ، فمضيق هرمز بالنسبة للولايات المتّحدة عامة ودونالد ترامب خاصّة ليس مجرد ممرّ مائيّ تعبر منه السفن، بل إنه ذخر اقتصاديّ تتناقض فيه وحوله مصالح ايران التي تستخدمه ورقة ضغط خلال الأزمات،
وهو ما سعت إليه إيران هذه المرّة أيضًا، في محاولة واضحة ومؤكّدة لزيادة كلفة الحرب عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم منافذ الطاقة في العالم، لكنّه بالنسبة للولايات المتحدة يتجاوز ذلك، ليصل حدّ اعتبار هذا المضيق ذخرًا إستراتيجيًّا تتشابك فيه مصالح أميركا وطهران، خاصّة بكل ما يتعلّق بمصالح أميركا الاقتصاديّة أوّلًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا،
وهو ما يجعله السيطرة عليه في نظر أمريكا وفي سياق الحرب الحاليّة مكسبًا إستراتيجيًّا يفتح الباب على مصراعيه أمام خطوات قد تتّخذها، أو تريد أن تتّخذها الولايات المتحدة، لإعادة تنظيم المنطقة اقتصاديًّا وسياسيًّا، عبر تحالفات شرق أوسطيّة وإقليميّة، غايتها ضمان عدم بقائه تحت السيطرة أو التأثير الإيرانيّ. وبكلمات أخرى إضعاف إيران وتأثيرها في المنطقة بكاملها، وبالمقابل تعزيز نفود أميركا والدول الخليجيّة السنيّة وإسرائيل التي تعمل على إقامة قواعد بحريّة وعسكريّة لها في دولة صومالي لاند، أو أرض الصومال، تقع في مدخل البحر الأحمر تكون منطلقًا لمواجهة الحوثيّين في اليمن والذين يشكّلون ذراعًا لإيران في باب المندب والقرن الإفريقيّ،
وهي محاولات أميركيّة سيغذّيها دون شكّ الرهان الإيرانيّ على ممارسة الضغط على الدول العربيّة الجارة، أي دول الخليج، ودول بعيدة منها تركيا وحتى قبرص وبريطانيا، وذلك لدفعها بدورها لممارسة الضغط على الولايات المتحدة، دون أن تأخذ بالحسبان تداعيات استهداف الدول العربيّة، والتي أمكن لإيران الاعتماد عليها بعد انتهاء الحرب.
فضلًا عن ذلك، تتوجّه تصريحات ترامب حول اتفاق قريب أو مفاوضات مع إيران أو استعداد إيرانيّ لاتفاق ما، والتي كانت نتيجتها المباشرة انخفاض أسعار النفط بشكل كبير من جهة، وتعزيز لإمكانيّات تخفيف حدّة التوتّر العسكريّ من جهة أخرى، وتواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكريّ في الشرق الأوسط رغم الحديث عن مفاوضات مع إيران، مع استمرار القصف في إشارة إلى مفاوضات تُدار تحت الضغط العسكريّ، تحرّكها بالنسبة لترامب دوافع اقتصاديّة سببها الارتفاع الحاصل على أسعار النفط والغاز خاصّة، وتأثيرات ذلك على منتجات أخرى ضروريّة خاصّة أسعار الأغذية وتكاليف النقل،
وهو ما يشكل ضربة مزدوجة للاقتصادات في أنحاء العالم، قد تؤدّي إذا استمرّت وكما أشارت معطيات شركة ستاندرد آند بورز في الولايات المتحدة التي أشارت إلى مخاوف جدّية تسود اقتصاد الولايات المتحدة، وهو أكبر اقتصاد في العالم، خشية أن يؤدّي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تضخّم ماليّ يعني تقليص نشاط الشركات من جهة، ويسدّ آفاق التوظيف خاصّة في شركات القطاع الخاصّ، وهو ما يناقض مباهاة ترامب خاصّة بعد زيارته إلى دول الخليج والعقود بمليارات بل تريليونات الدولارات معها، بأنه نجح في توفير ملايين فرص العمل والتوظيف في الاقتصاد الأميركيّ والشركات الأمريكيّة وهو الحال في اقتصادات أخرى منها الهند وغيرها،
وهذه كلها تأثيرات قصيرة المدى، دون التطرّق إلى تلك بعيدة المدى والتي ستحدّدها مدة الحرب طالت أم قصرت وملخّصها أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% تعني تقليصًا نسبته 0.2% من الناتج المحليّ الخامّ، وتقدّر بعشرات تريليونات الدولارات، ما يعني أن الحرب أو التغيّرات الجيوسياسيّة لا تكتفي بالتأثير على الاقتصاد العالميّ، بل تعيد بناءه من جديد وتوزيعه.
وهذا ما يمنع حتى اليوم على الأقلّ مسًّا بمصافي ومخازن النفط في جزيرة خارك(خرج) أو المخاطرة بتوتّر غير محسوب في مضيق هرمز من جهة، ويؤكّد من جهة أخرى ضرورة إيجاد مخرج بديل للنفط والطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز عبر بنية تحتيّة جيدة وآمنة لنقله لا تتأثر بالتوتّر مع إيران، مع الإشارة إلى أن ترامب لا ينظر بمزيد من الاستحسان إلى الحقيقة الواقعة وهي أن روسيا هي المستفيدة الكبر ومعها الصين ، من أزمة الطاقة ،
مع الإشارة إلى أن ترامب لا ينظر بعين الاستحسان إلى كون روسيا المستفيد الأول من الأزمة، ما يمكِّن موسكو من محاولة لعب دور البديل الآمن لتزويد الدول الآسيويّة بالنفط بدلًا من الدول الخليجيّة الصديقة لأمريكا.
ومع استمرارها، وحتى إن توقفت، فإن هذه الحرب والتي تباينت الأهداف المعلنة لها، وربما ستكون الغلبة لتلك غير المعلنة، وتغيّر الجدول الزمنّي المتوقّع لها خاصّة الفصل المتعلّق بالإطاحة بالحكومة الإيرانيّة وإضعاف قدراتها العسكريّة والأمنيّة والنوويّة ونفوذها الإقليميّ، تعدّت مرحلة كونها نزالًا عسكريًّا بين أطراف متحاربة،
ووصلت إلى مرحلة الحرب الاقتصاديّة للمرّة الأولى منذ قرار حظر بيع النفط عام 1973، بل أكثر من ذلك فهي حرب مهما كانت نتائجها قد تغيّر البناء الدوليّ، أو التحالفات الدوليّة، عبر خلق نظام أو أنظمة جديدة تنظم وتحكم العلاقات بين الدول، بمعنى أن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد اختبار للنظام العالميّ، بل إنه بداية مرحلة انتقاليّة سيناريوهاتها متعدّدة لكنها كلّها تصبّ في أن ما كان هو ليس ما سيكون،
بل إن المستقبل سيحمل في طياته توازنات وعلاقات متبادلة جديدة تتراوح بين إدراك بعض الدول في المنطقة أن اعتمادها الكليّ على الولايات المتحدة وفق النظريّة الأمنيّة الأميركيّة السائدة منذ نهاية الحرب الباردة مع حلف وارسو، وملخّصها أن الوجود العسكريّ الأمريكيّ الواسع في المنطقة عبر قواعد ثابتة أو غيرها، يضمن الهدوء وعدم اندلاع الحروب وليس ذلك فقط، بل يضمن عمليّة تدفّق النفط والغاز المسال من دول الخليج إلى دول العالم المختلفة وفي مقدّمتها الولايات المتّحدة وبعدها أوروبا، قد انهارت إلى غير رجعة، فالحرب الحاليّة أثبتت ربما العكس،
خاصّة وأن القواعد العسكريّة الأميركيّة والتي كان من المفترض أن تضمن الاستقرار الإقليميّ تحوّلت إلى هدف عسكريّ ومسرح للحرب بمعنى أن التواجد العسكريّ الخارجيّ لا يلغي المخاطر دائمًا، بل إن قواعده العسكريّة قد تتحوّل من عامل رادع إلى أهداف مباشرة.
الحرب الحاليّة وخليّتها الأساسيّة والمتعلّقة بامتلاك إيران تقنيّات نوويّة كمقدمة لامتلاك أسلحة نوويّة، والحديث عن احتمال استخدام أسلحة نوويّة ولو بشكل موضعيّ ومختصر للغاية خلالها، تعيد إلى الواجهة قضية امتلاك أسلحة نوويّة وجدواها، لكنها تؤكّد حقيقة واقعة وواضحة وهي أنه ومع ازدياد أعداد الدول التي تملك أسلحة نوويّة في مختلف أنحاء العالم، فإن احتمالات نشوب حرب نوويّة أو استخدام هذه الأسلحة خلالها تتضاءل حتى تصبح شبه معدومة، خلافًا للرأي السائد أن توسّع السباق النوويّ يعني أن العالم يسير بخطىً ثابتة نحو مواجهة نوويّة صريحة.
وهو الدليل على أن الدول التي تملك هذه الأسلحة تدرك أنها جاءت لمنع نشوب الحروب، عبر خلق ميزان للردع، كما بين الهند وباكستان أو روسيا والغرب، وملخّصه أن أيّ استخدام للسلاح النوويّ يعني إبادة جماعيّة، وأن الحرب النوويّة تنشب عادة بين دول تتساوى في القوة العسكريّة والاستخباراتيّة، وهو ليس الحال بين إيران وأميركا وإسرائيل، فالتفوّق العسكريّ والاستخباراتيّ والتكنولوجيّ لأميركا وإسرائيل واضح كوضوح الشمس منذ عقود طويلة، خاصّة في مجال الدفاعات الجويّة متعدّدة الطبقات والوسائل،
وبالتالي يجب القول إن التصريحات الإيرانيّة حول إبادة إسرائيل مقرونة بالسعي إلى امتلاك سلاح نوويّ هجوميّ، كانت ربّما سببًا من أسباب الصراع الدائر منذ أكثر من عقدين بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من الجهة المقابلة حول المشروع النوويّ الإيرانيّ لأغراض عسكريّة، والتي ربما تختلف إيران فيها عن غيرها من الدول، وذلك نظرًا لنظامها الدينيّ المتزمّت والذي يتبع أيديولوجيا دينيّة متطرّفة تجاه الخصوم والأعداء تستند إلى ضرورة توسيع نطاق ولاية الفقيه،
ونشر الثورة الخمينيّة في المنطقة، ودعم حركات مسلّحة تابعة لها في مختلف أنحاء العالم، وهي توجّهات وسياسات أدّت إلى عزل إيران بشكل متزايد، بل دفعتها إلى توسيع دائرة العداء حتى مع أطراف كان من المفروض أن تتّسم العلاقة معها بالحياد على الأقلّ إن لم يكن الدعم، كدول الخليج ومصر ودول أوروبيّة اكتفت حتى اليوم بموقف المتفرّج من الحرب، لكنّها أقرب إلى المشاركة منها إلى مواصلة الحياد.
ختامًا، وبينما تتواصل الحرب وفق" ألسنة لهب منخفضة" فإنها أمام خيارين لا ثالث لهما ستتّضح لمن منهما ستكون الغلبة، فإما الحرب المفتوحة التي لا منتصر فيها، تنضمّ إلى سلسلة من الحروب ، ومنها حرب العراق إيران، والحرب الأهليّة في سوريا وغيرها، وربما الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، قال عنها أستاذ العلوم السياسيّة بجامعة غلاسكو في أسكتلندا، سيان أودريسكول إن شبح الحروب المعاصرة التي لا تنتهي يجعلنا نعيد التفكير في فكرة النصر، وهل تكتسب دلالة خاصّة ومختلفة في الحالة المعاصرة، ووصفها إريستيد برياند رئيس وزراء فرنسا الأسبق لعدّة مرات بقوله :"في الحرب الحديثة ليس هناك منتصر. الهزيمة تمدّ يدها الثقيلة إلى أقصى زوايا الأرض،
وتضع أعباءها على المنتصر والمهزوم على حدّ سواء".. أما الخيار الثاني فهو نهاية سريعة دوافعها اقتصاديّة تخدم مصلحة ترامب وتقيه شرين أولهما التدهور الاقتصاديّ وثانيهما اضطراره ومع اقتراب الانتخابات النصفيّة(انتخابات منتصف المدّة) في تشرين الأول القريب، لتبرير انجراره إلى حرب دون أهداف واضحة ودون إستراتيجيّة للدخول إليها والأهمّ الخروج منها،
خاصّة على ضوء تضاؤل الدعم لإسرائيل حتى داخل الحزب الجمهوريّ، فهل سيكون الاقتصاد ماءً باردًا يخمد ألسنة لهبها، أم أنها ستتواصل ومعها القتل والدمار،
والأنكى من ذلك القتل. وكلّما اتّسع مداه شجاعة وبطولة كما قال الفنان والفيلسوف والكاتب والمفكر فولتير:" من الممنوع أن تقتل، لأنه سيتمّ معاقبتك بسبب أن هذه جريمة ، لكن في حال قتلت كثيرين من الناس فسوف تنجو من العقاب، بل سيتمّ تكريمك لأنك بطل في الحرب".


















