ساعةُ أُمِّي
ساعةُ أُمِّي
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
دُورِي لِلْخَلْفِ
لَعَلِّي أَرَاهَا مِنْ جَدِيدِ،
وَاقِفَةً كَلَيْمُونَةٍ فِي قَلْبِ الحَوْشِ
تَحْرُسُ الصَّمْتَ فِي أَرْكَانِ الدَّارِ
وَتَزْرَعُ الظِّلَّ عَلَى جُدْرَانِ العُمْرِ..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
عُودِي بِالوَقْتِ
لِتَعُودَ ضَحَكَاتُهَا،
تَتَلَألأُ عَلَى الأَرْضِ القَدِيمَةِ
كَفُّهَا فِي كَفِّي،
وَالهَوَاءُ يَحْمِلُ رَائِحَةَ الخُبْزِ
وَالْأَقْدَامُ الصَّغِيرَةُ
تَرْكُضُ بَيْنَ الدَّوَالِي ..
أُرِيدُ أَنْ أَقِفَ أَمَامَهَا مِن جَدِيدٍ
أَرَى شُعَاعَ الشَّمْسِ
عَلَى شَعْرِهَا المُبْتَلِّ بالزَّيْتِ
وَأَسْمَعُ قَلْبَهَا يَهْمِسُ لِي أَسْرَارَ اللَّيْلِ..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
تَوَقَّفِي عَنِ الهُرُوبِ
دَعِينِي أَعُودُ لِأَيَّامٍ كَانَتْ،
أَمْسِكُهَا بَيْنَ يَدَيَّ،
كلِيمُونَةِ الحَوْشِ الصَّامِدَةِ
وَلَا تَتْرُكِينِي أَفْتَقِدُهَا فِي صَمْتِ الغِيَابِ..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
دُورِي لِلْخَلْفِ
دَعِينِي أَرَاهَا وَاقِفَةً
كَشَجَرَةِ الغَارِ فِي قَلْبِ الدَّارِ
تَبْتَسِمُ لِلرِّيحِ،
وَتُحَادِثُ الدَّرَجَاتَ
كَأَنَّ الزَّمَنَ لَا يَجْرُؤُ أَنْ يَلْمِسَهَا..
دَعِينِي أَلْمَسُ ظِلَّهَا الطَّوِيلِ
عَلَى البِلَاطِ القَدِيمِ،
بَيْنَ صَدَى خُطُوَاتِي
وَأَشُمُّ عِطْرًا يَخْتَبِئُ فِي أَرْكَانِ أنْفَاسِهٕا
عِطْرَهَا الَّذِي يَمْلَأُ الصَّمْتَ وَالظِّلَالَ ..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
عُودِي بِاللَّحْظَةِ
حِين كَانَتْ أَيَّامِي صَغِيرَةً،
لَا تَعْرِفُ القَلَق
وَأَرَى يَدَيْهَا تَمْتَدُّ لِلْغَيْمِ
تَجْمَعُ أَلْوَانَ الصَّبَاحِ عَلَى وَجْهِي..
دَعِينِي أَجْلِسُ تَحْتَ لِيمُونَةِ الحَوْشِ
أَسْتَمِعُ لِأُغْنِيَةٍ كَمْ عَشَقَتْهَا
وَ أَرَى الشَّمْسَ تَلَامِسُ وَجْنَتَيْهَا
فَأَحْكِي لَهَا مَا خَبَّأَهُ العُمْرُ مِن شَوْقٍ
لِوَالِدِي .. حَبِيبهَا ..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
دُورِي لِلْخَلْفِ
وَ ذَكِّرِينِي بِأَنَّ الوَقْتَ لَيْسَ سِوَى وَهْم
وَأَنَّ حُبَّهَا لَا يَشِيخُ، لَا يَرْحَلُ..
دَعِينِي أَمُدُّ يَدِي إِلَيْهَا،
أَسْتَعِيدُ لَحْظَةً
حِين كَانَتْ نَظَرَاتُهَا
تُعَلِّمُنِي الثِّقَةَ بِالسَّمَاءِ
وَحِين كَانَتْ ضَحْكَتُهَا
تُعِيدُنِي إِلَى الطُّفُولَةِ
قَبْلَ أَنْ يَسْرِقَنِي الزَّمَنُ مِنْهَا
لبَعْضِ مَسَافَاتٍ ، وَ حِينٍ ..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
دُورِي لِلْخَلْفِ
لَعَلِّي أَلْمَسُ قَلْبَهَا مِن جَدِيدٍ
يَنْبُضُ تَحْتَ اللِّيمُونَةِ التِى رَبَّتْهَا
وَهَمَسَتْ لَهَا
بِأَسْمَاءِ أَيَّامٍ ضَاعَتْ مِنِّى..
دَعِينِي أَرَى وَجْهَهَا فِي كُلِّ شُعَاعِ شَمْسٍ
فِي كُلِّ نَسِيمَةٍ تَهُبُّ عَلَى الحَوْشِ
كَأَنَّهَا تُمْسِكُ بِمِيزَانِ الزَّمَنِ
وَتُعْطِينِي مِنْهُ لُبَّهُ..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
دُورِي لِلْخَلْفِ
أُرِيدُ أَنْ أَزْرَعَ طُفُولَتِي بَيْنَ أَغْصَانِ اللِّيمُونَةِ
وَأَحْكِي لَهَا عَنْ شَوْقِي الَّذِي لَا يَعْرِفُ الحُدُودَ
كَي تَتَدَفَّق الحَرَكَةُ
فِي مَفَاصِلِ عِظَامِهَا
مِن جَدِيدٍ ...
دَعِينِي أَجْلِسُ تَحْتَ ظِلِّهَا الطَّوِيلِ
أَسْتَمِعُ لِأُغَانِي الأَيَّامِ البَعِيدَةِ
أَرَى ضَحْكَتَهَا تَتَلَألأُ عَلَى جُدْرَانِ البَيْتِ
وَتَذُوبُ كُلُّ لَحْظَةٍ فِي صَوْتِ وَجَعِهَا..
وَيَا أُمِّي،
أَلَمُكِ الَّذِي يَلُمُّ عِظَامَكِ
يَلُمُّ عِظَامِي،
يَجْرِي فِي رُوحِي
يَخْتَلِطُ بِدَمِي،
بِنَفَسِي،
بِكُلِّ مَا أَنَا
كَيْ تَكُونِي دَائِمًا،
فِي كُلِّ خَفَقٍ وَصَمْتِ..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
دُورِي لِلْخَلْفِ
لَعَلِّي أُشْعُرُ بِحُزْنِكِ يَجْرِي فِي دَمِي
وَيَصِلُ إِلَى أَعْمَاقِي، رُوحِي، وَعِظَامِي..
يَا عَقَارِبَ سَاعَةِ أُمِّي،
دُورِي لِلْخَلْفِ
لَعَلِّي أَرَى فِي ضَحْكَتِكِ نَبْعَ الشِّفَاءِ
تَسْتَرْجِعُ الأَيَّامَ المَاضِيَةَ،
وَتَمْلأُ الرُّوحَ نُورًا
وَيَعُودُ قَلْبِي يَرْتَجِفُ فَرَحًا مَعَكِ..
يَا أُمِّي، أَدْعُو لِكُلِّ وَحْدَةٍ فِي جَسَدِكِ
أَنْ تَشْفِي،
وَيَتَعَالَى أَلَمُكِ لِيَكُونَ نَهْرًا مِنَ الرَّاحَةِ
فَيَرْتَاحُ دَمِي،
وَتَسْتَقِرُّ رُوحِي
حِينَ أَرَى حَيَاتَكِ تَتَجَدَّدُ،
كَمَا يَتَجَدَّدُ النُّورُ فِي الصَّبَاحِ .....
آمال ابو فارس المربية الاديبة والشاعرة, المسؤولة عن زاوية المنتدى الثقافي. يمكنكم الاتصال بها Amlabo@walla.com او على هاتف 0549026108


















