الانتخابات القادمة: صياغة جديدة للموجود أم تغيير نحو المنشود؟
حتى وإن كان مصطلح اليوم التالي، وضرورة التفكير فيه والاستعداد له بكل ما يحمله ذلك من معنى، قد دخل حياتنا من أوسع أبوابها منذ السابع من أكتوبرعام 2023، وانحصرت معانيه وأبعاده بما يحدث في قطاع غزة من ذلك اليوم، وما سيحدث هناك بعد انتهاء الحرب وصولًا إلى إعادة الإعمار والبناء، وتشكيل منظومة حكم جديدة أملًا بمستقبل أفضل
إلا أنه وانطلاقًا ممّا يعيشه المجتمع العربيّ داخل إسرائيل في كافّة مجالات الحياة دون استثناء، وفي مقدّمتها آفة العنف المستشرية، والتي وصلت أعداد ضحاياها أرقامًا ليست غير مسبوقة فحسب، بل غير معقولة في أيّ دولة كانت، وكم بالحريّ، دولة تعتبر نفسها ديمقراطيّة وليبراليّة حقّ مواطنيها الأساسيّ والأوّل عليها ضمان أمنهم وسلامتهم،
وعدم تركهم ضحيّة وفريسة لأعمال القتل وفوضى الإجرام التي تطال الجميع دون استثناء، متجاوزة كافّة الخطوط الحمراء المتعارف وغير المتعارف عليها، وسط صمت رسميّ وعجز،
يكاد البعض يجزم أنه مقصود، من قبل الحكومة عامّة ووزارة الأمن الداخليّ والتي كان لتحويل اسمها إلى وزارة الأمن القوميّ خاصّة في ظلّ وزير مثل إيتمار بن غفير بمواقفه القوميّة المتطرّفة، بل العنصريّة دليلًا واضحًا على نهجها ونتائجه بعد ذلك التغيير من استفحال للعنف وأعداد مضاعفة وأكثر من القتلى ، وتواجد شرطيّ مكثّف وبآلاف أفراد الشرطة لتنفيذ عمليّات هدم في النقب خاصّة والمجتمع العربيّ بكافّة طوائفه عامّة،
أو لقمع المظاهرات الاحتجاجيّة ضد العنف، ولكن دون حضور أي يذكر لمكافحة عصابات الإجرام وعمليّات القتل، ودون نجاحات تذكرفي حلّ ألغاز الجرائم المتواصلة، أصبح وأكثر من أي وقت مضى منذ إقامة الدولة، مصطلحًا يفوق حالته ومعانيه التعبيريّة وصولًا إلى كونه مصيريًّا وضروريًّا إذا ما أراد المجتمع العربيّ الحياة الكريمة، واستتباب الأمن الشخصيّ والجماعيّ، ووقف استشراء العنف، وباختصار أصبح التفكير فيه والاستعداد له حاجة مصيريّة، تطرح أسئلة كثيرة وتستوجب إجابات أكثر.
السؤال المصيريّ حول اليوم التالي والذي ورد في الفقرة السابقة، يتطرق إلى اليوم التالي الذي سيلي الانتخابات البرلمانيّة القادمة سواء تم تبكير موعدها لتُجرى أوائل حزيران القريب، أو أوائل تشرين الأول بعده. وهو سؤال تنبع ضرورته وأهميّته ممّا يحدث اليوم وتحديدًا منذ بداية عهد الحكومة الحاليّة بتركيبتها اليمينة الاستيطانيّة، خاصّة، وأن نتائج الانتخابات سوف تكون أحد اثنين، فإمّا ترسيخ صورة إسرائيل على أنها تلك الدولة العاجزة عن منح المواطنة الكاملة لمواطنيها العرب، أو ربما الرافضة لذلك علنًا على لسان بعض وزرائها وخفية في قلوب وعقول البقية منهم وبضمنهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يواصل فيها وبشكل غير مسبوق،
تكريس منظومة سياسيّة وحزبيّة مكوّنة من كتلتين سياسيتين يهوديّتين متشدّدتين إلى حدّ كبير، تقف في الجهة الأولى تلك الأحزاب التي تسمّي نفسها أحزاب المركز واليسار وتسودها خلافات واختلافات حول المواقف والزعامات، ومقابلها كتلة يمينيّة متدّينة استيطانيّة أكثر تماسكًا وتوافقًا واتّفاقًا على زعامة شخصية واحدة هي نتنياهو، وبين هذه وتلك الأحزاب العربيّة متفرّقة أو مجتمعة، يسود حولها اتّفاق بين الكتلتين السابقتين ملخّصه إقصاء تتفاوت حدّته باختلاف الجالس على سدّة الحكم، فيكون الإقصاء تامًّا ليس فقط سياسيًّا وائتلافيًّا وبرلمانيًّا، بل يصل كافّة أبعاد المواطنة والحقوق المدنية والميزانيات والحريّات والعمل والتشغيل وحتى الأكاديميا،
ما يشكّل النقيض التامّ للواقع الذي يشهده المجتمع العربيّ من حيث الرغبة الحقيقيّة والصحيحة في الاندماج في حياة الدولة بكافّة مرافقها ومجالاتها، والذي كلما ازداد حدّةً وزخمًا ، كلما قوبل سلطويًّا ورسميًّا بمزيد من التجاهل والإقصاء والسياسات العدوانيّة التي تتجاهل المواطنين العرب، بل تعتبرهم في خانة الخصوم إن لم تكن خانة الطابور الخامس والعداء، وهذا ما سأعود إليه، بينما يكون إقصاءً جزئيًاّ ينبع من مصلحة سياسيّة آنيّة ومؤّقتة كما كان في حكومة التغيير، أو لتمرير اتفاق سياسيّ كما كان في عهد حكومة إسحق رابين أوائل تسعينيات القرن الماضي، أو تعيين وزراء من المجتمع العربيّ أعضاء في أحزاب يهوديّة كالوزراء صالح طريف وغالب مجادلة وأيوب قرّا.
الحديث عن اليوم التالي، مصيري وهامّ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الواقع الحالي للمواطنين العرب في إسرائيل، خاصّة الرسائل الهامّة المتعلّقة بالعنف واستمراره ومواقف الحكومة الحاليّة منه. وهي مواقف يمكن تلخيصها واختصارها رغم حدة وصعوبة ما سأقول، بأن الحكومة الحاليّة تقول علنًا لمليوني مواطن عربيّ في إسرائيل وإزاء تصاعد الجريمة، إن أمامهم حلاّن لا ثالث لهما فإما إنهاء المواطنة والهجرة إلى خارج البلاد بما يعنيه ذلك من استسلام للعنف والتفرقة والتشريعات العنصريةّ المعادية للعرب، واستسلام أمام العنصريّة والحمائليّة والطائفيّة نتيجة التوصّل إلى قناعة مفادها أن الدولة لن تفعل أي شيء لتحسين حالتهم، من باب العجز وقلة الحيلة أو من باب انعدام السياسات،
واعوجاج سلّم الأولويات، أو من باب قرار تمّ اتخاذه مع سبق الإصرار والترصّد بلغة القانون وهذه الطامّة الكبرى، أمّا الحل الثاني، أو الخيار الثاني وهو الذي يبدو أكثر واقعيّة واحتمالًا استنادًا إلى الموروث الحضاريّ والتاريخيّ للمواطنين العرب وعلاقتهم بأرضهم وبلداتهم، فهو أن عليهم، وهناك من يقول وأخيرًا بينما يقول آخرون إنه للمرة الأخيرة، ممارسة اللعبة السياسيّة بشكلها الصحيح والعقلانيّ، بعيدًا عن نهج الشعارات والغوغائيّات،
ودون الردّ على الإقصاء السلطويّ بالإقصاء الذاتيّ، أو إقصاء مضاد، بل مواصلة تأكيد المواطنة وتثبيت الحقوق المدنية بما فيها حريّات العمل والتعبير والتظاهر والاحتجاج، واستغلال القوّة السياسيّة الكامنة للمواطنين العرب، واستنفاذ كافّة الوسائل والطرق الديمقراطيّة وملخّصها شعار ودعوة للمواطنين العرب،
أن يكفّوا عن سياسات الإحجام عن التصويت وعن قبول الشعارات التي تغرس القنوط واليأس، وتدّعي أن لا إمكانيّة ولا مكان للتغيير، بل توجهوا إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة وبنسبة عالية تقارب النسبة في الانتخابات المحليّة، وحتى أكثر وحاولوا إحداث التغيير،
رغم إنه من الواجب القول إن إزاحة بن غفير ونتنياهو لا تعني الحلّ السحريّ، ولكن طالما بقيا في السلطة فلن تكون هناك حتى بداية للحلّ، وباختصار فبوادر اليوم التالي وهو مصيريّ كما قلت، ستتّضح غداة الانتخابات البرلمانيّة القادمة، فإما بقاء السياسات الحاليّة وتعزيزها بكل ما يعنيه ذلك من تعميق للتمييز ومضاعفة التشريعات المناوئة للعرب، وسياسات إقصاء وإفقار وعنصريّة تؤكّدها المعطيات الأخيرة حول تعاظم قوة الأحزاب التي تعتبر إسرائيل دولة لليهود فقط، وتعاظم التوجّهات العنصريّة المتطرّفة بين أوساط الشبيبة وطلاب المدارس وغيرها ناهيك عن العنف، وأما بداية تغيير يستوجب المتابعة والعمل المدروس نحو حالة يكون فيها المواطنون العرب شركاء في حياة الدولة ومواقع اتّخاذ وصنع القرار ولو تدريجيًّا. ومن هنا أقول إن الانتخابات المقبلة ستكون من أهمّ الانتخابات في تاريخ البلاد،
أما ما سيكون بعدها وبوادر ذلك واضحة منذ اليوم، فهو إقصاء العرب بشكل تامّ ليس فقط من لعبة الشراكة في الائتلاف والحكومة، بل حتى من لعبة المشاركة الديمقراطيّة في الانتخابات أو جعلها مشاركة مشروطة بآلاف الشروط والاشتراطات، أو ربما بداية مرحلة جديدة من المواطنة يؤكّد فيها المواطنون العرب، عبر تصويتهم بنسبة عالية جدًا أنهم جزء من اللعبة السياسية والديمقراطيّة، وأنهم مصرّون على استنفاذ كافّة الفرص المدنية لضمان حقوقهم وأولها حقّهم في الحياة الآمنة.
ورغم أن الحكومة الحاليّة وبسبب مطامعها وأهدافها السياسيّة والحزبيّة الضيّقة، ومصالح رئيسها بنيامين نتنياهو خاصّة في قضيّة المسؤوليّة عن السابع من أكتوبر 2023 ومحاولتها التنصّل من المسؤوليّة عبر رفضها تشكيل لجنة تحقيق رسميّة واستبدالها بلجنة تحقيق سياسيّة عديمة الصلاحيات، بل معروفة النتائج سلفًا، كانت وما زالت تصم آذانها إزاء كافّة الاحتجاجات بدءًا باحتجاجات عائلات المختطفين ومعارضي الانقلاب الدستوريّ، دون أن تقبل بأيّ تغيير سياسيّ بسبب هذه الاحتجاجات، ورغم أن الاحتجاجات في المجتمع العربيّ لن تغيّر سياسات الحكومة الحاليّة من النقيض إلى النقيض وبشكل فوريّ، فإن المظاهرة الكبرى التي شهدتها مدينة تل أبيب قبل نحو أسبوعين بمشاركة عشرات الآلاف،
تحمل رسالة هامّة وحيويّة يوجّهها المجتمع العربيّ إلى الحكومة من جهة وإلى معارضيها من جهة أخرى، خاصّة من الأوساط اليهوديّة، ملخّصها أن المواطنين العرب يصرّون على استنفاذ كافّة الوسائل المدنيّة واستنفاذ الديمقراطيّة وتحميل الحكومة والسلطة الرسميّة مسؤوليّاتها في الحفاظ على النظام والقانون والأمن والأمان، وأنهم يرفضون القبول بإقصائهم من حقوقهم المدنيّة، أو اعتبار بلداتهم ساحة خلفيّة تصول فيها عصابات الإجرام وتجول، وأنهم يدركون أن الحكومة الحاليّة، في أحسن الأحوال، تخلّت عنهم أو أنها في أسوأ الأحوال شريكة في الجريمة، وهو ما يرفضونه بل يطالبون بتغييره دون الاكتفاء بفعل ذلك داخل قراهم ومدنهم، أو بلغتهم العربيّة فقط، بل في مركز تل أبيب، وأمام الجماهير اليهوديّة وبلغتها وبمشاركتها وهو الأهمّ، وأنهم يرفضون واقعًا تتنازل الحكومة فيه عن مسؤولياتها الأساسيّة وليس ذلك فقط، بل تتّهم العرب أن آفة العنف لديهم مردّها دوافع وأسباب حضاريّة وثقافيّة،
ورسالة تقول إن المواطن العربيّ يرفض مواصلة قبول تلك الفوارق في الأمن والأمان والميزانيات والمشاريع بين البلدة العربيّة وبين المستوطنة اليهوديّة المجاورة لها، وأنه يعلم أن ولاية أخرى لبن غفير في منصبه الوزاري ولبنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة لن تؤدي إلا إلى تعميق هذه الهوّة، ولهذا دلالات كبيرة خاصّة وأنه جاء في نهاية عام شهد رقمًا قياسيًّا في جرائم القتل - 252 جريمة في عام 2025 وأكثر من 50 جريمة في شهرين فقط من عام 2026 وبذلك جاءت المظاهرة بمشاركيها ومشاركة اليهود فيها خاصّة لتعبرّ عن استعداد المواطنين العرب،
وبعد سبات سنوات طويلة للأسف الشديد، لبدء مسيرة ورحلة طويلة وربما مؤلمة، نحو الحياة الطبيعيّة الخالية من القتل والعنف والفقدان واليتم والخوف. وكانت الخطوة الأولى مطالبة واضحة لمؤسّسات الدولة، وخاصّةً الشرطة الإسرائيليّة ووزيرها إيتمار بن غفير، بالتحرّك والعمل الجادّ، ورفضهم لسياساته وتوجّهاته ومواقفه وكأن السلطة التي يملكها تقتصر على تنفيذ أوامر هدم منازل المواطنين العرب،
وكأن إراقة الدماء واستفحال مظاهر العنف وعمليّات القتل لا تعنيه، مع الإشارة هنا إلى أن المظاهرة شهدت التزامًا تامًّا ووفق قرارات مدروسة هذه المرة، برفع شعارات تطالب بالأمن والأمان والحقوق المدنيّة ووقف العنف،
والأعلام السوداء التي تشكّل عادة جزءًا لا يتجزأ من كلّ مظاهرات المواطنين العرب، في تعبير تام عن رسالتها التي يريدها المجتمع العربي في إسرائيل ان تنتقل الى الجميع ومفادها إن الخطر يهدّد حياة الجميع دون استثناء،
وأن مسؤوليّة الحكومة واضحة وكاملة وأنه بات من المستحيل مواصلة السياسات الماضية أو تلك المتبعة حتى يوم المظاهرة، وأن الأنظار وباختصار في هذه المظاهرة مُوجّهة نحو مقر الحكومة الإسرائيليّة في القدس، وليس غزة أو غيرها، وأن الجميع يتشاطرون القلق والخوف جراء وإزاء قضية واحدة، وخطر واحد. أما اللافتات التي رُفعت لافتات في المظاهرة ضد الاحتلال وقتل المدنيين في غزة، فكانت من مُحتجين يهود من اليسار.
هذه الرسالة هامّة للغاية خاصّة من حيث المواطنة المدنيّة وحقوق المواطنين العرب، خاصّة وأنه يقابلها وفي الوقت نفسه، نظام سياسيّ وحكومة وائتلاف تترسّخ فيها مواقف الإقصاء التخوين والمعاداة أو الاستعلاء، وتشريعات تحاول تقليص حقوق المواطنين العرب بدعوى عدم الولاء وانعدام المواطنة الحقّة. وهي حالة لا تقتصر على الائتلاف والحكومة، بل انضّمت إليها معظم أحزاب المعارضة، التي تؤكّد أنها ترفض الاعتماد على الأحزاب العربيّة كلها دون استثناء كشريكة في الائتلاف،
رغم أن الدكتور منصور عباس، رئيس القائمة العربيّة الموحدة يتبنّى مواقف وطروحات عقلانيّة وبراغماتيّة كان قد أعلن مرارًا أن كاتب هذه السطور، كان بمثابة المثال الذي تبنّاه، ورغم أنه اقترح الاندماج بدلًا من المقاطعة، والتأثير بدلًا من الاحتجاج، وقد عزّزت أحداث السابع من أكتوبر وتصاعد الجريمة من تأييد وجهة نظره، كما أعلن استعداده للمشاركة في الائتلاف الحكوميّ القادم، وهي حالة تؤكّد ، خلافًا لادّعاءات السياسيين من مختلف الأحزاب في المعارضة والائتلاف، أن مواقف الحكومات والأحزاب اليهوديّة من المواطنين العرب ومشاركتهم في صنع القرار ومواقع التأثير، لا تأتي من منطلقات سياسيّة ومبدئيّة، وبالتالي لا فرق فيها بين يمين ويسار،
بل إنها مواقف لها منطلقات أعمق من ذلك يحاولون إخفاءها تنبع من دوافع قوميّة، وربما دينيّة تعتبر إسرائيل دولة يهوديّة وليست ديمقراطية وترفص مبادئ المساواة المدنيّة التي نصّت عليها وثيقة الاستقلال وبعض قوانين الأساس وتكرّس قانون القوميّة وبفعله تعتبر المواطنين العرب مجموعة تقع خارج نطاق وساحات العمل السياسيّ والتأثير والانتماء، لا تستحقّ المساواة والأمن والأمان، بل يجب إقصاؤها ورفض كافّة محاولاتها للاندماج والانتماء، متناسية الحقيقة الواقعة والمثبتة أنه كلما ازداد شعور العرب بالأمان وكلما ازداد اندماجهم في مرافق الدولة وشملتهم خططها الاقتصاديّة والإنمائيّة، زاد انتماؤهم إليها والتزامهم بقوانينها وحفاظهم على مصالحها، وهذا يصبّ في مصلحة الجميع،
ومن هنا جاء الإجماع وخلال المظاهرة المذكورة على رفض كافّة محاولات السياسيّين الغوغائيّين والشعبويّين الذين أرادوا وما زالوا تحويل مشكلة الجريمة المنظمة إلى قضيّة عربيّة بحتة، وعدم اعتبار حالة الطوارئ المجتمعيّة الحاليّة فرصة مواتية لتجاوز الانقسامات السياسيّة.
وهذا برأيي خطأ تاريخيّ ترتكبه الأحزاب اليهوديّة والحكومة الحاليّة، خاصّة وأن الجريمة في المجتمع العربيّ والاحتجاجات السلميّة والمدنيّة عليها قد فتحت نافذة نادرة أمام الدولة،
بعد عامين ونصف من الحرب التي أثبت المواطنون العرب فيها صدق انتمائهم للدولة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر، ودليل آخر على ذلك هو توجههم للحكومة، حكومة إسرائيل، باعتبارها حكومة لكافّة المواطنين، يطلبون المساعدة في الحفاظ على أمنهم، وهي خطوة أخلاقيّة وسياسيّة لها ما يبرّرها ،محذرين في نهاية المطاف من تفشّي الجريمة وامتدادها من المجتمع العربيّ إلى المجتمع اليهوديّ.
فوق ذلك فالمظاهرة تحمل قيمة نوعيّة خاّصة بفعل مشاركة المواطنين اليهود فيها، بعد مشاركتهم في الاعمال الاحتجاجيّة في مدينة سخنين وغيرها، وهي مشاركة تؤكّد قناعة المشاركين اليهود أنه يحظر عليهم الاكتفاء بالتظاهر تضامنًا مع المجتمع العربيّ، بل يجب عليهم تعزيز التعاون والنضال المشترك، وأن المساعي الهادفة إلى حسم الانتخابات المقبلة تتعدّى كونها مساعٍ انتخابيّة بحتة، أو عملية تصويت عادية، بل إنها تعبير صريح عن مدى شرعية مشاركة المواطنين العرب في إسرائيل في السلطة ومواقع اتّخاذ القرار خاصّة وأنه بات من الواضح أن نتنياهو واليمين سيبذلان كل ما في وسعهم لنزع الشرعيّة عن هذه المشاركة، وأكثر من ذلك لعرقلة العمليّة الانتخابيّة والطعن بشرعية نتائج الانتخابات، وهو ما تحذّر منه جهات مسؤولة في لجنة الانتخابات المركزيّة، وربما تؤكّده نيّة الليكود اختيار عضو الكنيست النائبة طالي غوطليف المعروفة بتطرّفها وغوغائيتها، وعدائها للعرب والمعارضة، مندوبة عنه في لجنة الانتخابات المركزيّة، والتي عليها إقرار نتائج الانتخابات في ختام يوم الاقتراع،
وباختصار فإن المشاركة اليهوديّة كانت رسالة ملخّصها أنه على المواطنين العرب واليهود المتضامنين معهم والشركاء المحتملين خوض هذا الصراع حتى النهاية، والعمل دون كلل لجعل التعاون السياسيّ مع أكثر من ٢٠٪ من مواطني البلاد أمرًا مشروعًا، وكذلك مشاركتهم في الائتلاف والحكومة والمشاركة في اتّخاذ القرارات العامّة، وهو نضال سياسيّ وأخلاقيّ يستوجب توحيد جهود الأغلبيّة الليبراليّة اليهوديّة والأقليّة العربيّة، في محاولة لتغيير الوضع الراهن، انطلاقًا من الإيمان أن بقاءه على حاله سيكون كارثة تقضي نهائيًّا على أيّ فرصة لإعادة اسرائيل إلى الطريق الصحيح.
خلاصة القول: النتائج الحقيقية للانتخابات وما سيحدث بعدها من تحالفات وتنافرات وحسابات سياسية باردة بعيدة عن الأيديولوجيّات والحسابات التي تسبق الانتخابات والهادفة إلى إرضاء القاعدة الانتخابيّة، وهي عادة تختلف عن المواقف المُعلنة قبل الانتخابات،
ستحسم الجدل حول الوصف الدقيق لها ، فهي تبدو اليوم نتائج ختامها إعادة تشكيل صورة اليمين وليس إسقاطه نهائيًّا، خاصّة وأن معظم قادة المعارضة يميلون سياسيًّا إلى اليمين السياسيّ ويرفضون باستثناء يائيرغولان زعيم حزب " الديمقراطيّين" مشاركة الأحزاب العربيّة كلها أو بعضها في الائتلاف، وعلى ضوء تحرك شخصيّات منها نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت لإعادة صياغة المشروع اليمينيّ ليكون أكثر اعتدالًا وواقعيّة، وسط تقديرات بأن نتنياهو يدرس إمكانية تقديم موعد الانتخابات مستفيدًا من تحسّن شعبيته عقب صفقة الأسرى وزياراته المتكرّرة لواشنطن ولقاءاته دونالد ترامب،أو استمرار اليمين الحاليّ المتدين والاستيطانيّ, ومعه كافّة ملامح التفكك الاجتماعيّ والطائفيّ والسياسيّ مقتربًا ربما من حرب أهليّة.
أما بالنسبة للمواطنين العرب، فالنتيجة الحقيقية والتي تعتبر جيدة، لا تقتصرعلى تغيير الحكومة، بل إنها يجب أن تصل إلى تغيير التوجهات، وهي عمليّة مستحيلة مع الحكومة الحاليّة أو في حال استمرارها بعد الانتخابات، بل ستصبح أقرب إلى الاستحالة، والمطلوب هو نتيجة انتخابيّة تفرز نوعًا ما من الشراكة المدنية البنّاءة انطلاقًا من أن تغيير الحكومات دون تغيير التوجهات والمواقف هو تكريس للإقصاء والرفض،
أو ربما نتيجة يتضح معها أنه بدون شراكة عربيّة في مواقع اتّخاذ القرارات، لا يمكن لأي كتلة أن تشكل ائتلافًا وحكومة، وأن دعم الأحزاب العربيّة ومشاركتها لا تأتي مجانًا، بل إن مقابلها السياسيّ والمدنيّ هو تغيير أعمق في السياسات وقبول لمشاركة العرب في صنع القرارعلى جميع المستويات، المدنيّة والسياسيّة وغيرها تشكل هدفًا جماعيًّا واضحًا يتفق عليه الجميع في المجتمع العربيّ أو معظم العرب في هذه البلاد.
إذن، انتخابات يصحّ فيها قول الشاعر:" عيد بأية حال عدت يا عيد، بما مضى أم بأمر فيك تجديد"، مع التأكيد على أن استمرار القديم هو ضرر أكيد لا يمكن إصلاحه، أما التغيير ففيه على الأقل احتمالات خير.
وهذا في حالة المجتمع العربيّ اليوم يقدّم البشرى وعليه السعي من أجلها عبر تصويت بنسبة مرتفعة، ممارسة اللعبة الديمقراطيّة واستنفاذ ما بقي من قواعد وأساليب الاحتجاج والتغيير المتاحة والتي أخشى أن لا تدوم بعد الانتخابات القادمة،
وأؤكد هنا وفي حالة المواطنين العرب صدق قول جان جاك روسو الفيلسوف والمفكر السويسريّ الفرنسيّ البارز، وأحد أهمّ رموز عصر التنوير والذي اشتهر بأفكاره حول الحرية والمساواة:" رصيد الديمقراطيّة الحقيقيّ ليس في صناديق الانتخابات فحسب، بل في وعي الناس".


















