قد تنتهي النزاعات السياسيّة، أمّا الحروب الدينيّة فتبقى أبديّةً

آخذًا بعين الاعتبار الظروف الإقليميّة والعالميّة التي تمّ وسطها، أو في خضمها توقيع اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان نهاية الأسبوع الأخير بوساطة أميركيّة، والحقيقة الواقعة أن ما خفِيَ فيه أعظم، وأن احتمالات تطبيق وتنفيذ بنوده الفضفاضة، بل التي تتّصف بالعموميّات وربما الشعارات، خاصّة تلك التي جاء فيها تأكيد المؤكّد

04.07.2026 מאת: المحامي زكي كمال
قد تنتهي النزاعات السياسيّة، أمّا الحروب الدينيّة فتبقى أبديّةً

بل المفروغ منه ضمنًا ولا حاجة لاتفاقيّات إطار، أو حسن نوايا، أو إعلان مبادئ أو أي وثيقة وسمِّها ما شئت لتأكيده. وهو اعتراف إسرائيل ولبنان بالتوازي بحقّ الدولة الأخرى، كل دولة،

بالتواجد والعيش  بسلام، ورغبتهما المشتركة في العيش بأمان كدولتين سياديّتين متجاورتين، فهما كذلك أصلًا،  وسعيهما إلى  إنهاء الصراع بشكل نهائيّ، وخاصّة التزام الجيش اللبنانيّ باستعادة سيادته الفعليّة على كامل الأراضي اللبنانيّة، ونزع سلاح الجماعات المسلّحة غير الحكوميّة،

في إشارة واضحة إلى حزب الله دون غيره من المنظّمات المسلّحة في لبنان، واحتكار الدولة اللبنانيّة للأسلحة وسيادتها على أراضيها عبر ترتيبات أمنيّة إضافيّة، سريّة للغاية حتى الآن، تلغي "الحاجة المستقبليّة للعمل العسكريّ أو الوجود العسكريّ "  في لبنان، في اعتراف أميركيّ ولبنانيّ ضمنيّ أن تواجد الجيش الإسرائيليّ في لبنان هو عمل دفاعيّ، تعلن حكومة إسرائيل، بعد إتمامه، أن لا مطامع إقليميّة  لها في لبنان،

هي احتمالات ضئيلة خاصّة وأن تنفيذ معظمها وخاصّة ذلك المتعلّق بوحدانيّة السلاح في لبنان ونزع سلاح حزب الله، لا يحدّده في نهاية المطاف الرئيس اللبنانيّ جوزيف عون، أو رئيس حكومته نواف سلام ، بل حزب الله وإيران دون غيرهما، انطلاقًا من البعد الدينيّ والجهاديّ الذي صبغتا به النزاع والمواجهة مع إسرائيل، وهو الحال بالنسبة للاتفاق الذي تم التوصل إليه هذا الأسبوع بين إيران وواشنطن، الشيطان الأكبر وفق الرؤية الإيرانيّة الخمينيّة، والذي أعقب تبادلًا للضربات العسكريّة بين الطرفين أنذر ربما بانفجار المفاوضات والعودة إلى الحرب، ورغم الشكوك حول ما إذا كانت المفاوضات التي ستتمّ بموجبه ستؤدّي إلى اتّفاق دائم، أو مؤقّت أو تهدئة،

فإن هاتين الحالتين، تتطلّبان منّا إعادة طرح ذلك السؤال السياسيّ  الهامّ الذي تكرّر مرّات عديدة في التاريخ القديم والمعاصر على حدّ سواء، حول ما إذا كانت  العداوة بين الدول ثابتة،  وما هي مقوّمات ثبات أو استمرار هذه العداوة وصعوبة إنهائها، أم أنه هذه العداوة مؤقّتة وقابلة للتحوّل والتغيير إذا  تبدّلت الشروط والظروف؟ وهل يعني ما سبق أن النزاعات والخلافات السياسيّة بين الدول، حتى حين تكون مصحوبة بالحرب والدماء والدمار والعداوة لا تدوم إلى الأبد، وأن أبوابها لا تبقى مُغْلَقَة أبد الدهر، بل إنها يمكن أن تنتهي عبر خطوات متتالية أوّلها وقف لإطلاق النار وهو خطوة غير سهلة تحتاج وتحضير دقيقين،

وتشكّل جزءًا من إطار أوسع ومسارات تفاوضيّة موازية، تنتهي إلى سلام بين الخصوم، وربما بين الأعداء، دولًا وشعوبًا.
ما سبق حول الاتفاقين اللبنانيّ الإسرائيليّ والإيرانيّ الأمريكيّ، وكلاهما يهدف مع الفوارق الكبيرة بين الوقائع والظروف الجغرافيّة، إلى إنهاء خلاف وحرب صدام عسكريّ وعداء، دام سنوات بل عقود، يؤكّد عدم صحة، بل خطورة الفكرة التي تكرِّس أبديّة الحرب وديمومة النزاع،  أو في حالات أفضل إبقاء الخلاف في مرحلة اللا حرب واللا سلام، وهو التوجّه الذي كان سائدًا في الشرق الأوسط عامّة والنزاع الاسرائيليّ الفلسطينيّ، أو العربيّ الإسرائيليّ منذ العام 1948 وربما قبله، ويؤكّد ما أثبتته التجارب العالميّة والأمثلة التاريخيّة  أنه يمكن للأعداء أن يصيروا أصدقاء، مع التفاوت في عمق وصلابة ووتيرة وسرعة ودرجات انتقال العلاقة بين الدول  من تلك العدائيّة إلى تلك السلميّة،  

أو التي تتّسم بعدم الاعتداء، وهل يكفي لتحقيق  السلام الحقيقيّ قرار حكوميّ أو اتفاق عدم اعتداء أو اتفاق إطار يوقّعه القادة والزعماء، أم أن الأمر تدريجيّ تكون الكلمة الأخيرة فيه للشعوب ولاعتباراتها، وهي التي تجعل من السلام أمرًا يفوق وقف إطلاق النار، أو عدم الصدام، بل تنقله إلى مرحلة السلام الدائم، الذي يستند إلى بل بناء تدريجيّ للثقة المتبادلة والاتفاق بين القادة والشعوب لدى الطرفين،

حول ضرورة  إدارة الخلافات وحلّها دون عنف. وأكثر من ذلك توفّر القدرة على حلّ الخلافات بالطرق التفاوضيّة والسلميّة دون العودة إلى استخدام القوة. وهذا ما تؤكّده الحقيقة التاريخيّة، بل الأمثلة التاريخيّة التي تؤكّد ، رغم قساوة العداوة بين طرفي أو أطراف الخلاف فيها، أن العداوة بين الدول ليست أبديّة، لكنها كي تنتهي ، لا يكفي وجود رغبة سياسيّة، أو جملة من الأحلام الورديّة المفروضة بضغوط دوليّة حول سلام، بل إن أساس ذلك التغيير يكمن أولًا  في تغيير جذريّ على  تعريف مصلحة كل واحدة من الدولتين  للطرفين، وهل يخدم السلام تلك المصلحة أم لا ، ثم تكلفة الحرب،

وهل تفوق تكلفة السلام  إضافة الى الأخذ بعين الاعتبار هوية رعاة اتفاق السلام وهل بإمكانهم ضمان تنفيذه أم لا، والأهم  قدرة الحكومات وبعدها المجتمعات، وهي لا تقلّ أهميّة في هذا الشأن،  على ترجمة اتفاق السلام من لغة الكتابة والخطابة، إلى ترتيبات اقتصاديّة وأمنيّة وسياسيّة ملموسة للجميع وتعود بالفائدة على الجميع، وبكلمات أخرى نقل  اتفاقيّات السلام من المستوى الإداريّ والرسميّ، أي وقف حالة الحرب بين الدولتين ورسم الحدود وصياغة قنوات اتّصال لمواجهة الأزمات  ،  إلى المستوى الشعبيّ أو العمليّ الذي يتضمّن خلق التواصل الاجتماعيّ بين الشعبين وتعريف جديد للمصالح،  يتيح التعاون في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا  والسياحة والأمن والسياسة  ما يعود بالفائدة المجتمعيّة على الجميع .

 

وباختصار أن لا يقتصر الأمر على الاتفاقيّات الرسميّة، بل يصل حدّ التواصل والتعاون في كافّة المجالات، وانتهاء الحالة التي بنظر كل شعب أو طرف إلى الآخر بوصفه عدوًّا أبديًّا لا يمكن تغيير حالته ووصفه، مع استثناءات قليلة تعيشها منطقة الشرق الأوسط خاصّة، وسببها انتقال الصراعات فيها، بين إسرائيل والدول العربيّة عامّة وبين إسرائيل والفلسطينيّين خاصّة، من مرحلة النزاع السياسيّ والجغرافيّ إلى مرحلة الصراع الدينيّ، وذلك خدمة لأهداف القيادات في الطرفين، عبر تسييس الدين.  وهذا ما سنعود إليه لاحقًا خاصّة بما يتعلّق بالحرب في قطاع غزة، والحرب مع حزب الله في لبنان.

 


 ما سبق تؤكّده حالات عديدة شهدها التاريخ، انتقلت فيها دول متحاربة من صراع متواصل إلى بناء علاقات سلام واستقرار دائم، منها انتهاء الخلاف بين فرنسا وألمانيا والذي شهد العديد من الصراعات المريرة والحروب المدمّرة  أهمّها واكبرها  الحربين العالميّتين الأولى والثانية، وصولًا إلى اليوم وكونهما عضوين في الاتحاد الأوروبيّ،  بل حلفاء  اقتصاديّين وسياسييّن مقرّبين يسود بينهما التعاون والتفاهم والمصالح المشتركة، وأحيانا المواقف المشتركة في قضايا عديدة تهمّ أوروبا والعالم،

ما يؤكّد إمكانيّة الانتقال التام من العداء وتكريسه إلى علاقات سلام بين الدولتين، وتربية شعبيهما على أن الشعب الآخر ليس عدوًا، وصولًا إلى حالة الولايات المتحدة واليابان، وهي حالة خاصّة على ضوء الموروث التاريخيّ اليابانيّ وإلقاء الولايات المتحدة القنبلتين الذريّتين على هيروشيما وناغازاكي عام 1945 في نهاية الحرب العالميّة الثانية، وحالهما اليوم كحليفتين استراتيجيّتين تربطهما علاقات اقتصاديّة وسياسيّة تؤكّد انتقالهما من مرحلة العداء التامّ والشرس،  إلى تحالف وتقارب أساسه تشارُك القيم وتقاسُم مصالح، ما يعني تغييرًا جذريًّا يشمل إعادة صياغة العلاقة بين الدولتين، بل الشعبين بالكامل وبنائها من جديد  لخلق تحالف أمنيّ ومؤسّسيّ واقتصاديّ طويل المدى.

وهو الحال الولايات المتحدة وفيتنام اللتين أنهيتا عام 1975 حربًا ضروسًا ودامية استمرت نحو 20 عامًا، باتفاقيّات   سلام وتطبيع وعلاقات دبلوماسيّة كاملة منذ العام 1995 ، أبرز سماتها الشراكة الاقتصاديّة التامّة ، وكذلك العلاقات  الروسيّة - الصينيّة التي شكّلت نقلة نوعية بين الدولتين وانتقالًا، رغم كونهما بالأساس دولتان شيوعيّتان، من الخصام والمواجهة السياسيّة والأيديولوجيّة إلى شراكة براغماتيّة  تخدم البلدين عبر  معاهدة من العام 2001،  تضمن حسن الجوار والتعاون خلقت شراكة متينة ومفيدة للطرفين، حتى مع إبقاء كل طرف استقلاله الإستراتيجيّ وكلها أمثلة، تؤكّد  ما قلته حول الفارق أو الفرق  بين السلام الرسميّ  والسلام الشعبيّ،  فالأول رغم كونه  ينهي الحرب ويترتّب عليه اتفاقيّات سياسيّة واقتصاديّة يبقى سلامًا بين القيادات وليس سلامًا بين الناس، بينما الثاني يزيل الحواجز بين الشعوب المتنازعة ويضع حدًّا لرؤية كلّ منها الآخر عدوًّا، عبر تواصل جيّد ومعرفة متبادلة وعلاقات بين الناس. ويأبى الشرق الأوسط إلا أن يوفر المثال الأنصع على السلام الرسمي، عبر اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، والتي أنهت  سلسلة من  أربعة حروب مباشرة (1948، 1956، 1967، 1973)، ووضعت حدًّا للصراع، لكنّ اتفاقيّة السلام بقيت بين القيادات فقط،  رغم  تبادل السفراء والاتفاقيّات الأمنيّة وانسحاب إسرائيل من  شبه جزيرة سيناء التي احتلتها عام 1967، لكنّ هذا السلام تجمّد هناك، ولم يبلغ حدّ الصلح والمصالحة والسلام بين الشعبين، ليبقى مثالًا على السلام البارد، أي سلام بين قيادات سياسيّة وليس بين الشعوب، وهو الحال أيضًا ولكن ربما بشكل أخف، بما يتعلّق باتفاقيّة السلام بين إسرائيل والمملكة الأردنيّة الهاشميّة التي تمّت في الرابع والعشرين من أكتوبر 1994 وجرت مراسمها في منطقة وادي العربة بحضور الراحل الملك حسين بن طلال والرئيس الأميركيّ بيل كلينتون ورئيس وزراء إسرائيل حينها إسحق رابين. 

 


وعودة إلى البداية، وما يخالف الأمثلة التاريخيّة العالميّة والإقليميّة السابقة التي شهدت انفراجًا، بينما تشهد الخلافات والحروب بين إسرائيل وحماس وإيران وحزب الله، تصعيدًا وتشدّدًا في المواقف، ما يعيق الحلّ وربما يحول دونه. والسبب الرئيسيّ في ذلك  هو أن المواجهة بين إسرائيل، وإيران وحلفائها (حزب الله وحماس) تشكّل صراعًا جغرافيًّا وسياسيًّا تدخل فيه بل تقوده أبعاد دينيّة وعقائديّة، تجعل كلّ طرف من أطرافه يعتبره صراعًا وجوديًّا، وذلك من الطرف الإسرائيليّ بسبب سرديّات دينيّة ومصطلحات تستخدمها القيادات السياسيّة والعسكريّة والإعلاميّة  تضيف الطابع الدينيّ والتوراتيّ على  الصراع، وتصوّره على أنه  حرب وجوديّة لإعادة بناء  الهيكل الثالث وأرض إسرائيل التوراتيّة ، واعتبار الحركات الاستيطانيّة الخلاصيّة الحرب الحاليّة في غزة حربًا مبرَّرة رغم عدد الضحايا فيها وحصّة الأطفال والنساء بينهم، واعتبار ذلك أمرًا يستحقّه الفلسطينيّون باعتبارهم من بادر إلى الحرب،

ناهيك عن الاعتقاد أنها الوسيلة لمنع حل الدولتين وكونها التمهيد والمدخل  لتحقيق نبوءات دينيّة، وهو ما يحوّل الصراع من نزاع سياسيّ  إلى صراع دينيّ مقدّس، ومن الطرف الإيرانيّ وطرف حزب الله  العقيدة الخمينيّة الشيعيّة  التي تعتمد ولاية الفقيه  وضرورة نشرها وشرعنة التدخّل في المنطقة انطلاقًا من هذه العقيدة الدينيّة التي ترفع راية مواجهة الغرب وقيادة المسلمين  وتشييعهم، وفق قواعد الإيمان بالمهدي المنتظر، واعتبار  الصراع ضد إسرائيل تمهيدًا لمعركة  مقدّسة ( ما يشبه بالضبط الفكر الخلاصيّ المسيحانيّ اليهوديّ) تنتهي إلى  إقامة العدل الإلهيّ والقضاء على الظلم، وهو نفس منطلق حركة "حماس" النابع من أيديولوجيّة إسلاميّة تعتبر فلسطين وقفًا إسلاميًّاً، لا يجوز شرعًا التنازل عن شبر واحد منها لغير المسلمين، واعتبار الحرب مع إسرائيل جهادًا وواجبًا دينيًّا مقدّسًا للدفاع عن مقّدسات المسلمين، وفي مقدمتها المسجد الأقصى،  ممّا يجعل الاستسلام أو التسوية التفاوضيّة خيارًا غير وارد بفعل العقيدة الدينيّة للحركة, وكلّها أمور تعيق أيّ حلّ سياسيّ أو دبلوماسيّ، بسبب ادّعاء كلّ طرف  امتلاك مبرّراته الدينيّة والتاريخيّة التي  تؤكّد، في رأيه،  حقّه في الأرض كاملة دون نقصان ودون غيره ، ممّا يمنع خلق تسويات  براغماتيّة يقبلها الطرفان، وليس ذلك فقط، بل إن هذا التوجّه يجيز لكل طرف شيطنة الطرف الآخر، واعتباره العدو الأزليّ والشرّ الكامل والمطلق، وبالتالي لا حوار معه ولا سلام ولا صلح، بل تجب هزيمته والقضاء عليه.

 

ختامًا، اتفاقيّات السلام أو وقف الحروب بين الدول، أساسها ومدماكها الأول قناعات مشتركة  واتّفاق على أن  استمرار الحرب بات أكثر كلفة من فتح الباب السياسيّ، ومن هنا تجيء  في معظم الأحيان، عادة مرحلة تمهيديّة فيها اتصالات خفيّة  وسريَّة ورسائل غير مباشرة وبوساطة طرف ثالث تسبق الانتقال إلى قنوات رسميّة، ما يؤكّد قدرة الدول والشعوب على تجاوز مآسي الحروب وصناعة مستقبل مشترك قائم على المصالح المتبادلة، وصولًا إلى سلام لا يكتفي بجلوس الزعماء إلى طاولة المفاوضات، كما هو الحال اليوم بين إسرائيل ولبنان وبين إيران وأميركا، بل يصل حدّ ربط السياسة بالاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والازدهار والتواصل الاجتماعيّ بين الشعوب،  وإلا بقي السلام مجرّد هدنة أو اتفاقات موقّعة على ورق، فكم بالحريّ إذا كانت العقيدة الدينيّة المتزمّتة تمنع الأطراف حتى من مجرّد التفكير بالحلّ، أو التوصّل إلى حلول وسط، بل بالعكس السعي إلى النصر المطلق والهزيمة المطلقة.

 

وهو سعي يعني ليس فقط إدخال الدول والشعوب إلى أتون الحرب، بل الحكم عليها بالبقاء هناك، ولعلّ مجريات الحرب في غزة ولبنان والدمار في كلا الموقعين وتبعات المواجهة بين إسرائيل وإيران الاقتصاديّة والسياسيّة وعلى الطرفين دون استثناء، وكذلك على دول الخليج التي رغم ترحيبها بالاتفاق الإيرانيّ الأميركيّ كانت وما زالت وستبقى رهينة التهديد الإيرانيّ، هي الإثبات القاطع والدليل على خطورة الحروب الدينيّة، وربما استحالة إنهائها، خاصّة في ظلّ قيادات تحركها المعتقدات الدينيّة، أو قيادات تشكّل المعتقدات الدينيّة وسيلة لها للبقاء في سدّة الحكم ،

لأهداف وغايات شخصيّة ضيّقة، بعيدًا عن حاجات شعوبها الحقيقيّة، واحتياجاتها إلى الأمن والاستقرار والرفاهية والعلم وضمان حياة الإنسان وحريّته وسلامته، فهل سيشكل الاتفاقان آنفًا فرصة حقيقيّة لتغيير الحال أم أنهما مجرد هدنة، ستشعلها رياح أو شارة التعصّب الدينيّ والحرب الدينيّة التي قال عنها  الروائي الفرنسيّ ألكسندر دوما :" الحروب الدينيّة لا تُعلم الناس دينهم، بل تعلّمهم كيف يكرهون بعضهم البعض" وقال عنها ميشيل دي مونتين الفيلسوف الفرنسيّ :" ليس هناك قسوة في العالم تفوق قسوة الحروب الدينيّة"، وهذا ما نشهده على أرض الواقع.

 

رغم ما جاء أعلاه، تجب الإشارة إلى أن المنظّمات الدوليّة والمحاكم الدوليّة، لم تستطع فرض السلام على الدول المتحاربة على أرضيّة دينيّة، ولكن لو وُجِدَّت قيادات عالميّة حكيمة تستطيع فرض السلام، أو حماية الشعوب من قياداتها هي ، التي تؤمن بقوة السلاح بدلًا من قوة السلام،  وبمواصلة وتكثيف تصنيع السلاح بدلًا من نزعه وتقليصه، وبالتنافس العسكريّ بدلًا من العلميّ، وصناعة أسلحة أكثر فتكًا وأغلى سعرًا وتكلفةً  من أجل الحرب وليس رفاهية الشعوب،  وعليه ربما حان الوقت لتغيير منظومة عمل المنظمات الدوليّة وربما الخطوة الأولى هي إلغاء حقّ النقض الفيتو، الذي يستخدم في العقود الأخيرة ليس لوقف الحروب، بل لمنع وقفها، ومنع  الزام الدول المتحاربة بوقف القتال إلى الأبد.

תגובות

מומלצים