الخيط الواصل بين "اتفاق" أميركا وإيران وبين انتخابات البرلمان في إسرائيل

بصرف النظر عن المجريات الحاليّة للحرب بين أميركا وإسرائيل وبين إيران، والتي وصلت حد الاتفاق المرحليّ حول مذكرة تفاهم أو اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، يعاد خلالها فتح مضيق هرمز من دون رسوم، ويسمح لإيران ببيع نفطها بحريّة

30.05.2026 מאת: المحامي زكي كمال
الخيط الواصل بين "اتفاق" أميركا وإيران وبين انتخابات البرلمان في إسرائيل

بينما تتواصل المفاوضات حول قضيّتين أساسيّتين فيه وهما المشروع النوويّ الإيرانيّ وتحديدًا التخلص من كميّات اليورانيوم المشبع بدرجة 90%، وما إذا كان الاتفاق الحاليّ، وهو مؤقت،  لكنه ملزم للجميع، وهي نقطة سنعود اليها،  سيتحول بعد 30 أو 60 يومًا إلى اتفاق دائم يشمل إيران ولبنان وينهي الصراع،  وهو ما تريده وبوضوح واشنطن وطهران ، أم أن المفاوضات فيه لن تنتقل من مرحلة إدارة الصراع إلى حله وإنهائه، فإن الحرب مع إيران، تلك التي كانت في حزيران 2025، وتلك التي تبعتها في شباط 2026. 


ستكون هذه الحرب، وكما قلت سابقًا، بغض النظر عن نتيجتها النهائيّة وتحديدًا تلك التي ستتضح بعد شهرين من اليوم أي مع نهاية تموز أو بداية آب القادمين، عشية الانتخابات البرلمانيّة الإسرائيليّة القريبة، واحدًا من المواضيع الرئيسيّة والأساسيّة في الحملة الانتخابيّة التي يتوقعها الجميع، حامية الوطيس، خاصة وأنها تجيء وسط انقسام إسرائيليّ داخليّ حول قضايا عديدة منها المسؤوليّة عن هجمات السابع من أكتوبر 2023، ورفض الحكومة الحاليّة برئاسة بنيامين نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق رسميّة وإصرارها على لجنة سياسيّة رغم تسميتها أنها متساوية وحكوميّة، والحربان مع إيران والحرب مع حزب الله في لبنان وغيرها، وذلك واضح قبل أن يتحدد موعد الانتخابات سواء كان بداية أيلول وفق قانون تبكير موعد الانتخابات الذي أقره البرلمان الإسرائيليّ قبل أيام بالقراءة التمهيديّة.
 

وسيتم طرحه في وقت لاحق لإقراره بالقراءات الثلاث وفق المعمول به برلمانيًّا في إسرائيل، أم ستكون في موعدها الأصليّ وهو السابع والعشرين من أكتوبر القريب إذا ما نجح بنيامين نتنياهو في تمرير قانون الخدمة العسكريّة والذي يضمن إعفاء كافة طلبة المعاهد الدينيّة من الخدمة المدنيّة، وهو ما كان نتنياهو وعد به شركاءه الائتلافيّين، أو في العشرين منه تبعًا لذلك. 


وهذا أمر يثير التساؤلات العديدة  والمستغربة حول سبب إصرار نتنياهو عليه، رغم أن إقرار القانون بكل ما يثيره من معارضة شعبيّة وجماهيريّة وكذلك وسط أعضاء برلمان من حزب الليكود، يؤكدون أن المعلومات الصادرة عن قيادات الجيش الإسرائيليّ ورئيس هيئة أركانه الجنرال إيال زمير والتي تؤكد أن الجيش بقواته النظاميّة وتلك الاحتياطيّة، وصل إلى أقصى قدرات وإمكانيات التحمل، وقد أصبح أقرب إلى الانهيار ، خاصة وأنه ينقصه اليوم ومع كتابة هذه السطور 13000 جندي سيزداد عددهم مطلع العام 2027 الى 18000 جندي، لن يطيل عمر الحكومة  الحاليّة سوى بشهر واحد وبالمقابل سيثير غضب وسخط عشرات بل مئات الآلاف من الجنود النظاميّين  الذين ستتم إطالة مدة خدمتهم النظاميّة الإجباريّة حتى 36 شهرًا، والاحتياطيّين الذي سيتم تكرا ر استدعائهم للخدمة الاحتياطيّة ولفترات تطول وتطول.. وسواء تحققت أو تلاشت علامات السؤال حول إمكانيّة واحتمالات تأجيلها أو إلغائها لأسباب غير معلومة كما يخشى كثيرون.


إن قضيّة الحربين على إيران ستكون على المحك وفي مركز العمليّة الانتخابيّة، سواء انتهى الاتفاق الحاليّ بكل ما كُشف عنه وما بقي خافيًا، وربما المخفيّ أعظم، وبالتالي يبقى حاليًّا   من غير الواضح ما إذا كان سيؤدي إلى اتفاق سلام دائم، يلبي أيضًا مطالب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب  السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والإقليميّة وكذلك النوويّة، بما يشكل قاعدة لاتفاق شامل يمكِّن ترامب من تسويقه على أنه النصر الكبير والخضوع الإيرانيّ للقوة الامريكيّة ،خاصة الفتح التام لمضيق هرمز من دون رسوم عبور، وإزالة الألغام التي زرعتها  إيران في المضيق واستئناف مرور السفن بحريّة، مقابل   رفع الولايات المتحدة حصارها عن الموانئ الإيرانيّة، وتخفيف العقوبات النفطيّة المفروضة على إيران ما يسمح  ببيع النفط بحريّة،  ويليها تمكين إيران من استخدام أصولها المجمدة في المصارف الامريكيّة والدوليّة، والتي تقدر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات، ووقف مضايقات تصدير النفط والغاز وصولًا إلى انخفاض أسعار الطاقة ، ناهيك عن توفير مليارات الدولارات من الخزينة الأميركيّة لتمويل نفقات الحرب. 


وإلى جانب ذلك، يجب أن نضيف إمكانيّة استغلاله من قبل إدارة ترامب لترميم سمعتها وشعبيّتها مع اقتراب الانتخابات النصفيّة، أو انتخابات منتصف المدة التي ستجري في تشرين الثاني القادم،   وسواء استجاب الاتفاق  الذي ينص على أن "تلتزم  إيران بعدم السعي لامتلاك أسلحة نوويّة. واللافت للانتباه هنا، هو الحديث عن أسلحة نوويّة وليس قدرات نوويّة- عبر مفاوضات هدفها  تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم، وإزالة مخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب، استجابة لمطالب إسرائيل خاصة تلك المتعلقة بالسلاح النوويّ الإيرانيّ، أو القدرات النوويّة الإيرانيّة ومشروع الصواريخ بعيدة المدى، وكذلك دعم إيران لجماعات ومنظمات مسلحة في مناطق قريبة من إسرائيل واستمرار الصدامات المسلحة على حدود إسرائيل الشماليّة رغم وقف إطلاق النار مع لبنان والمفاوضات التي من المفترض أن تجري بين إسرائيل ولبنان في واشنطن برعاية أمريكيّة،  خاصة وأن مسودة مذكرة التفاهم تنص بوضوح على إنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.


قلنا إن الاتفاق بصيغته النهائيّة سيكون في صلب المعركة الانتخابيّة في إسرائيل، فهو بصيغته المؤقتة وكما أكدت مصادر إسرائيليّة لا يستوفي الحد الأدنى مما تريده إسرائيل. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصولًا لما أعلنه رئيس وزرائها نتنياهو  منذ بداية الحرب  الأخيرة مع إيران في الثامن والعشرين من شهر شباط 2026، على أنه يمثل أهدافًا ستحققها الحرب، شملت القضاء على مشروع إيران الصاروخيّ، وهو ما لم يتحقق بالحرب إضافة إلى أن الاتفاق لا يشمله، وإنهاء المشروع النوويّ الإيرانيّ وهو كذلك لم يتحقق عسكريًّا ولا يحققه الاتفاق الأوليّ  الحاليّ، بل يتركه رهنًا لمفاوضات تستمر 30 ْ أو 60 يومًا لإيجاد حل لقضيّة اليورانيوم المشبع الذي تملكه إيران، دون القضاء على كامل المشروع النوويّ مقابل "التزام" إيرانيّ بعدم امتلاك أسلحة نوويّة، وإسقاط النظام الذي يبدو اليوم قويًّا وثابتًا نجح في ترميم الكثير من قدراته وأسلحته وعتاده،  وهو عمليًّا تكرار للوضع الحاليّ، فإيران لا تملك أسلحة نوويّة فعلًا، لكنها تملك القدرات والخبرات والتجربة والمنشآت اللازمة لذلك. 


ومن هنا فهو تأجيل للمشكلة وليس حلًّا لها، إضافة إلى أنه يشمل وقف إطلاق النار في لبنان والذي كان ترامب قد أعلن قبل أسبوع فقط تمديده لمدة 60 يومًا دون أن تكون إسرائيل شريكة في القرار، الذي تلاه بأيام تصريح  أعلن فيه ترامب أن نتنياهو سوف يمتثل لأوامره وينصاع لقراراته وسوف يفعل ما يريده منه ترامب، أو ينفذ ما يقوله له ترامب، وبكلمات أخرى، فهو اتفاق جاء في وضع قرر ترامب فيه ولأسبابه الخاصة والداخليّة أساسًا،  أن يضع مصالح الولايات المتحدة والاقتصاد العالميّ في المرتبة الأولى ، بعيدًا عن رغبات نتنياهو واعتباراته الداخليّة، وفي وضع تحولت فيه إسرائيل، بفعل خيبة أمل أميركيّة من تأويلات وتفسيرات إسرائيل لتبرير خوض الحرب،  من صاحبة الكلمة الفصل في الحرب على إيران

 

وتلك الحليفة الأولى والصدوقة التي أقنعت الولايات المتحدة  بدخول الحرب للإطاحة بالنظام الإيرانيّ الحاليّ بمساعدة انتفاضة شعبيّة أقنعت إسرائيل أميركا أنها ممكنة ، إلى طرف يتم اتخاذ القرارات بشأنه من واشنطن وإبلاغه بها فقط، كما حدث في وقف إطلاق النار في لبنان والمفاوضات بين الطرفين وتمديد وقف إطلاق النار هناك، وإذا ما أضفنا إلى ذلك سريان وقف إطلاق النار بصيغته الحاليّة أو النهائيّة على ما يجري في لبنان،  فإن الصورة النهائيّة ستكون تحويل إسرائيل إلى ولاية أميركيّة تتخذ القرارات حولها في واشنطن، وتضطر حكومتها إلى وقف إطلاق النار في لبنان وهو ما لا تريده، دون أن يخفف من حدة ذلك الإعلان أن وقف  إطلاق النار في لبنان لن يكون أحادي الجانب، بمعنى أنه إذا ما  حاول حزب الله إعادة التسلح أو  العودة الى مناطق تقع جنوب نهر الليطاني،  أو شن هجمات  مسلحة ضد إسرائيل، فسوف يكون لإسرائيل  الحق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنعه.


مما سبق من تصور واحتمالاته المختلفة، خاصة وأنه يتزامن مع تسريبات حول كون إسرائيل والولايات المتحدة قد اعدتا الرئيس الإيرانيّ الأسبق محمد أحمدي نجاد لتولي السلطة في إيران خلفًا لعلي خامنئي وفق فرضية انهيار النظام في إيران والتي اتضح فشلها الذريع، وهو أي احمدي نجاد الذي كان مئير دغان رئيس الموساد الإسرائيلي الأسبق قد وصفه في لقاء صحفي ضمن قناة سي.بي. إس عام 2012 مع الإعلاميّة ليسلي ستوهل،  بأنه  إنسان عقلانيّ- وفي هذا الخصوص هناك علامات سؤال عديدة أهمها كيف يمكن لأكثر شخصيّة إيرانيّة رفضت الاعتراف بالمحرقة النازيّة، وتتبنى أشد المواقف العلنيّة ضد إسرائيل والشعب اليهوديّ، أن يتم اختيارها من قبل أمريكا وإسرائيل لتكون خليفة للمرشد الأعلى علي خامينئي- هو ما يشغل نتنياهو ليس فقط اليوم أي قبيل الانتخابات بل استعدادًا لليوم التالي لها

 

ومن هنا يجيء إصراره على تلك الخطوة سابقة الذكر والتي يعتبرها البعض عبثيّة وليست ذات أهمّيّة، وهي الجهود التي لا تتوقف لضمان إقرار الكنيست قانون الخدمة العسكريّة الذي يريده نتنياهو ويريده شركاؤه في الائتلاف الحكوميّ، خاصة من الأحزاب المتدينة الأصوليّة والذي يضمن لها الإعفاء التام لعشرات آلاف طلاب المعاهد الدينيّة من الخدمة العسكريّة ووقايتهم من قرار محكمة العدل العليا الأخير بسحب أو تقليص امتيازات ماليّة يحصلون عليها تقدر بآلاف الشواقل سنويًّا،  ويمنح قادة هذه الأحزاب إنجازًا يمكنهم التلويح به أمام ناخبيهم ومؤيديهم معلنين أنهم بدعم وتأييد نتنياهو يضمنون الاستقلاليّة لطلاب المعاهد الدينيّة ويوازون بينهم وبين الجنود في الخدمة النظاميّة أو خدمة الاحتياط، بل يفضلونهم عليهم. 


وسوف يسمح بمواصلة ضخ مليارات الدولارات إلى هذه الاحزاب،  ولكن وعلى الرغم من أن عدم إقرار مشروع القانون المذكور قبيل الانتخابات يعني في أسوأ الحالات ان تُجرى الانتخابات قبل شهر واحد من موعدها الدستوريّ، فإن نتنياهو بحسه السياسيّ وحدسه الذي يدفعه إلى إجادة صراع البقاء السياسيّ، ينظر إلى اليوم التالي خاصة وأن سن قانون التجنيد يعني تأكيد وحدة الكتلة الائتلافيّة المؤلفة من أحزاب الائتلاف الحاليّ والتي توحدها الرغبة في إبقاء نتنياهو رئيسًا للوزراء لأطول مدة ممكنة، ليتم في حال فوزها بالأغلبيّة إتمام مسيرة الانقلاب الدستوريّ وسن القوانين الإضافيّة التي تعزز سيطرة العناصر اليمينيّة والتوجهات الدينيّة في الدولة وتحويل حراس العتبة إلى تعيينات سياسيّة تدين بالولاء للملك وليس للمملكة، وغيرها من القوانين، ناهيك عن عرقلة أي إمكانيّة لتشكيل لجنة تحقيق رسميّة أو أي محاولة لإبقاء الجهاز القضائيّ مستقلًا، أما في حالة الخسارة أي حصول الكتلة المنافسة  والمؤلفة من كافة أحزاب المعارضة، فإن بقاء الكتلة الائتلافيّة متماسكة خاصة بعد أن أعلن بعض قادة الأحزاب الدينيّة الأصوليّة أنهم لم يعودوا يدينون للكتلة بأي التزام أو تعهد، وذلك فور أن أبلغهم نتنياهو بأنه غير قادر على سن قانون التجنيد، ناهيك عن السيناريو الذي بات متوقعًا أو يخشاه كثيرون، وهو تشكيك نتنياهو ومعسكره في نتائج الانتخابات إذا خرجت في غير صالحهم، وهو ما بدأه الليكود منذ أشهر عبر التشكيك بنزاهة لجنة الانتخابات المركزيّة ومستشارتها القضائيّة الجديدة وصولًا إلى التماس للمحكمة العليا ضد اختيارها.


سن هذا القانون يجعل خيارًا آخر ممكن الحدوث حتى وإن كان مستبعدًا، قوامه السؤال الحقيقيّ والواقعيّ حول إمكانيّة إقدام نتنياهو على تأجيل الانتخابات بسبب حرب تنشب قرب موعد الانتخابات في أي من الجبهات التي تشهد اليوم توترات عسكريّة وأمنيّة، خاصة غزة على ضوء احتمال أن يضع الاتفاق الإيرانيّ الأمريكي ّحدًّا للحرب في لبنان وإيران، رغم أن القانون الإسرائيليّ لا يبيح تأجيل انتخابات الكنيست بشكل تلقائيّ أو مباشر بمجرد إعلان "حالة الطوارئ". 


خاصة وأن  قانون أساس الكنيست،  ينص على أنه بغية تأجيل موعد الانتخابات أو تمديد ولاية البرلمان في ظروف استثنائيّة (كالحروب والأزمات)، يجب على الكنيست سنّ قانون خاص يتطلب تصويتًا خاصًّا بأغلبيّة كبيرة تبلغ 80 عضوًا من أصل 120، بدلًا من استخدام أنظمة الطوارئ التنفيذيّة العاديّة، لكن قوانين الأساس وكما أثبتت الكنيست الحاليّة لم تكن عائقًا أمام تشريعات جديدة تلغيها ، يتم تفصيلها على مقاس الحكومة الحاليّة، مع الإشارة إلى أنه تم تأجيل موعد الانتخابات بشكل استثنائيّ في حالات محددة، منها تأجيل انتخابات الكنيست الثامنة لمدة شهرين بعد اندلاع حرب عام 1973 (حرب يوم الغفران).


يعد نتنياهو العدة للانتخابات القريبة، إزاء كل هذه الظروف سابقة الذكر والتي تتسم بالضبابيّة وعدم الوضوح، وهو يدرك أن الانتخابات القريبة ستكون في نهاية المطاف استفتاءً على إرث السابع من أكتوبر، والمسؤوليّة  عنها والتي تعتقد غالبيّة الموطنين في إسرائيل وفق كافة الاستطلاعات أن نتنياهو يتحمل مسؤوليّتها، إضافة الى حالة انعدام المساواة بين الفئات والجماعات اليهوديّة داخل إسرائيل والمشاكل الاقتصاديّة وغلاء المعيشة بدرجة أقل، مع تركيز المعارضة على الإخفاقات التي أدت إلى وقوع الفظائع في السابع من أكتوبر وخاصة إصرار نتنياهو على أن تقوم دولة قطر بتحويل 30 مليون دولار شهريًّا لحركة حماس، وتجاهله تحذيرات المستوى العسكريّ حول إسقاطات الانقلاب الدستوريّ على اللحمة الداخليّة ، وكيفيّة تَعامُل الحكومة مع الصدمة الوطنيّة التي تلت ذلك، ومحاولات إعفاء المتديّنين المتشددين من الخدمة العسكريّة

 

علمًا أن الانتخابات ستجرى في ظل عامل جديد على الساحة وهو تحول  نتنياهو من  قائد سياسيّ يتبنى أسلوب الحذر والتردد والتأجيل وإدارة الصراعات بدلًا من حلها  ويخشى التورط في حروب استنزاف، إلى زعيم يخوض حربًا لمدة عامين ونيف في غزة، ويرفض صفقات لتبادل الرهائن الإسرائيليّين، ويعتمد سياسة " المعركة تلو الأخرى"  وتعدد الجبهات، إضافة إلى شنه حروبًا استباقيّة في إيران ولبنان وغارات ضد الحوثيّين وعمليّات عسكريّة في الدوحة وطهرن وغيرها، 


وليس ذلك فقط، بل إلى زعيم يدفع واشنطن  بإدارتها الحاليّة وقيادة دونالد ترامب إلى المواجهة، وذلك نتيجة أمور ثلاثة هي  هجمات السابع من أكتوبر  وما تلاها من حرب دامت عامين ونصف، إضافة إلى خضوعه لأسباب ائتلافيّة داخليّة، للخضوع إلى ضغوطات  الأحزاب اليمينيّة المتطرفة لضمان بقائه  السياسيّ، والاستراتيجيّة العسكريّة لإنهاء برنامج إيران النوويّ، وسط حالة ستفرز حقيقتها الفترة القادمة، والتي ستؤكد ما إذا كانت الحرب على إيران قد آتت أكلها وحققت أهدافها، سواء كان ذلك موافقتها على وضع حد لمشروعها النوويّ وعندها سيكون لنتنياهو القول إنه استطاع تنفيذ مهامه في هذا السياق، أو عبر رفضها واستئناف الحرب ضدها بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار. وعندها سيكون نتنياهو قادرًا على تسويق سرديّة انتصار ملخصها أن الأوضاع والنتائج أكدت سياسته التي دعت منذ أكثر من عقد، إلى استخدام القوة العسكريّة ضد إيران، وهو الحالة في لبنان التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالموقف من إيران، بينما تبقى غزة الجبهة التي يملك فيها نتنياهو حرّيّة الاختيار والحق في اتخاذ القرار دون الضوء الأخضر الأمريكيّ.


رغم كل ما سبق، يبقى سؤال واحد هام، وإن اعتبره البعض افتراضيًّا، وهو الترابط بين الجبهتين في إيران ولبنان، من جانب إيران ومن جانب الولايات المتحدة، والسؤال هو هل ستنصاع إسرائيل إلى هذا الاتفاق؟ وهل سيقبل نتنياهو مرة أخرى بقرار ترامبيّ أميركيّ يستجيب لرغبات ترامب أولًا والولايات المتحدة ثانيًا فينهي حربًا كان ترامب نفسه قد بدأها، باتفاق سياسيّ أمكن التوصل اليه قبل أشهر، سوف يسوقه ترامب خاصة ما يتعلق منه بالقدرات النوويّة الإيرانيّة، على أنه انتصار للولايات المتحدة وخضوع إيرانيّ للقوة العسكريّة وتراجع إيرانيّ أمام تهديداته بضربات غير مسبوقة أو بمحو حضارة كاملة؟

 

كما تستجيب لمصالح أميركا من حيث إرضاء حلفائها العرب في المنطقة ومنهم قطر ومصر والسعوديّة والبحرين وكذلك الباكستان وتركيا على حساب إسرائيل، أم أن نتنياهو سيفضل هذه المرة إرضاء قاعدته الانتخابيّة التي تريد حربًا أخرى ضد إيران، والتي رشح عن بعض قياديّيها في الائتلاف قولهم إنه إذا فشل الاتفاق في توفير مطالب إسرائيل بكاملها، خاصة تلك المتعلقة بالنوويّ الإيرانيّ ودعم إيران للحركات المسلحة في المنطقة، فإن إسرائيل ستحقق ذلك بمفردها أي عبر حرب تخوضها هي وحدها دون ترامب.


خلاصة القول : بين غبار المعركة الانتخابيّة القريبة وضبابيّة الوضع في إيران ولبنان وربما غزة، تقف إسرائيل أمام حالة غير مسبوقة لا يمكن فيها الجزم بهويّة الجهة السياسيّة المستفيدة من النتائج سواء كانت الفشل أو النجاح في إيران وأي سردية سوف تكون لها الغلبة، وبالتالي ستكون معركة انتخابيّة غير مسبوقة من حيث الحدة والشدة والقسوة والعنف، تكون القضايا الخارجيّة وتحديدًا القضيّة العسكريّة اليوم وهجمات السابع من أكتوبر ، حاسمة للغاية وربما خطيرة تزيح الأنظار عن الحقيقة الواقعة وهي أن الانتخابات القريبة وما سيدور قبلها سوف يحدد ما إذا كان بالإمكان  رأب الصدع  الداخليّ، وتخفيف حدة مشاعر العداء والإقصاء داخل المجتمع اليهوديّ والتي يقول البعض حولها إنه انتهت الحروب الخارجيّة لتبدأ الآن الحروب الأهليّة الداخليّة، 


وذلك إضافة إلى ما نشهده من إقصاء تام للمواطنين العرب  وأحزابهم  عبر اتفاق تام بين طرفي الحلبة السياسيّة الإسرائيليّة، بيمينها ومركزها ويسارها، باستثناء حزب الديمقراطيّين وهو تحالف حزبيّ ميرتس اليساريّ  وحزب العمل، حول كون الحكومة القادمة ستكون بدون الأحزاب العربيّة، وهو اتفاق، يمكن القول إنه بالنسبة لأحزاب المركز واليسار التي ترفض علنًا أي حكومة مع الليكود واليمين ، يشكل عودة إلى الشعار المعروف في السنوات الأولى لدولة إسرائيل:" بدون حيروت ( الليكود اليوم) وماكي( الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ الممثل العربيّ الوحيد في البرلمان حينها، ويبقى السؤال: إزاء ما سبق، هل ستأتي الانتخابات القادمة، إذا ما جرت في موعدها وبغض النظر عن نتائجها،  بأي جديد في سياق اللحمة الداخليّة في إسرائيل أم أن ما كان هو ما سيكون؟ والسؤال الهامّ: هل سيلعب الناخب العربيّ الدور الهامّ، بل اللازم، في هذه الانتخابات، ليغيِّر الموازين السياسيّة ويفرض نفسه على جميع الأحزاب، ويصبح الشريك الكامل في تقرير المصير السياسيّ والمدنيّ الداخليّ لدولة إسرائيل؟ وإلى هذا لنا عودة.

 

תגובות

מומלצים