الصلة بين الانتقائيّة القضائيّة ودوس الديمقراطيّة
لم تكن ظاهرة الانتقائيّة في تطبيق القانون في إسرائيل وليدة اليوم، أو الأمس. ولم تولد بمجرّد تولي بنيامين نتنياهو رئاسة حكومته الحاليّة بتشكيلتها اليمينيّة الاستيطانيّة المتشدّدة.
ولم تولد بمجرّد تقديم التماس العفو والمغفرة لرئيس الدولة يتسحاك هرتسوغ، مناشدًا إيّاه بوقف محاكمته، ولكن عبر تنفيذ انتقائيّ للقانون يسعفه ويزيح عن ظهره الإدانة المحتملة وعقوبة السجن، وربما وصمة العار في ملفّات الفساد التي تتمّ محاكمته بسببها. وإن كان نتنياهو أول وأكثر من عزف على وترها منذ تقديم لائحة الاتهام بحقّه بقرار من المستشار القضائيّ للحكومة السابق أفيحاي مندلبليت والذي عيّنه نتنياهو ذاته،
وشغل قبلها منصب سكرتير حكومته، وهو معروف بانتمائه الدينيّ والسياسيّ اليمينيّ. ولم تنشأ بمجرّد تولّي إيتمار بن غفير مسؤوليّة وزارة الأمن القوميّ، ويقينًا أنها لم تكن غائبة يومًا ما عن حياة هذه الدولة، وعن جدول الأعمال السياسيّ، بل تمّت ممارستها أكثر من مرّة وفي أكثر من مناسبة، ورغم ذلك رفض كثيرون الاعتراف بها، رغم كونها رافقت المجتمع الإسرائيليّ والحلبة السياسيّة،
منذ إقامة الدولة عام 1948، كما رفضوا تسميتها بالاسم الحقيقيّ معتقدين دون حقّ أن تلطيف الأسماء يعني تلطيف الأجواء، وأن فذلكة التسميات تغطّي على المضامين والماهيّات، فاعتاضوا عن اسمها الحقيقيّ بمصطلحات تراوحت بين التعاطف مع المقرّبين، أو غضّ الطرف عن أخطائهم، ومسامحتهم باعتبار زلّاتهم وأخطائهم أمرًا عابرًا، لكنها كغيرها من الظواهر والمظاهر كانت خافية عن عيون العامّة.
وتمّت ممارستها خفية وبخجل شديد، لكنها عادت إلى حياة هذه الدولة ليس بقدرة قادر بمعناها الدينيّ، بل بقرار من قرّر ذلك سياسيًّا في عهد الحكومة الحاليّة والتي جعلتها شمّاعة علقت عليها كافّة خطواتها وقراراتها وتشريعاتها خاصّة تلك الموجّهة ضدّ الأقليّات العرقيّة والسياسيّة وحملتها الشعواء ضد الجهاز القضائيّ ( رغم أنه لم يكن يومًا من الأيّام ضد السلطة التنفيذيّة،
حتى ولو وضع المآخذ على قرارات معينة من قراراته وليس بالضرورة لصالح العرب) والتي اتّفق على تسميتها بالانقلاب الدستوريّ، أو الإصلاحات القضائيّة والتسمية تشي هنا بتوجّهات مطلِقها، وضدّ وسائل الإعلام والجيش والمخابرات وكل شيء على هذه البسيطة، وهذه المرة على استحياء من البعض والذين فضّلوا استخدام مصطلح التمثيل المناسب والحقيقيّ لليمين والطوائف الشرقيّة في المحكمة العليا،
والسلك القضائيّ برمّته، ليشمل اليهود الشرقيّين والمتديّنين في الجيش وصناعات الهايتك والجهاز الطبيّ، وبوضوح وصراحة من البعض الذين اتّخذوها سياسة واضحة لمصلحة من هو في طرفهم، ومن تصبّ أفكاره ومواقفه في مصلحتهم وتتماشى مع توجّهاته، في إصرار غريب على تعزيز هذه الظاهرة التي تعتبر واحدة من أخطر الظواهر التي تصيب المجتمعات الديمقراطيّة في الجيل الثالث أو الرابع من قيام دوله تدّعي الديمقراطيّة فتؤدّي إلى تفكّك المجتمع،
ونشر العداوات بين أبنائه، وتكريس العوامل التي تفرّق وتجاهل القواسم المشتركة الجامعة، وتدفع إلى عدم احترام القوانين، بل تشجع كثيرين على العمل على تجاوزها واختراقها، والتمرّد عليها واثقين من أنهم في الجهة الصحيحة من القانون، وأنهم براء من كل حساب أو محاسبة، خاصّة إذا كانت ممارسة هذه الانتقائيّة تتمّ علنًا وعلى رؤوس الأشهاد وبتشجيع من السياسيّين وأصحاب القرار، الذين يتجاهلون بقصر نظرهم المبدأ الأول والأساسيّ للديمقراطيّة وملخّصه ضمان المساواة بين جميع الأفراد دون تمييز بسبب مواقفهم السياسيّة، أو انتمائاتهم العرقيّة أو القوميّة أو الفكريّة، وتطبيق القانون على الجميع على قدم المساواة، ومعاملتهم وفق نفس الاعتبارات، وجعلهم يخضعون لنفس القوانين وتطبيق العدالة، بغضّ النظر عن وضعهم الاجتماعيّ، عرقهم، جنسهم، دينهم، أو أيّ صفة أخرى.
وإن كانت هذه الانتقائيّة، وسنعود إليها، قد وصلت ذروتها في الأشهر الأخيرة عبر سلسلة من التشريعات والقرارات والتصرّفات كان آخرها مطالبة نتنياهو بوقف محاكمته قبل اكتمالها، ودون انتظار لنتائجها، وربما بعد إدراكه بحسّه السياسيّ وفهمه القضائيّ ومعرفته الحقيقيّة لواقعه القضائيّ الجنائيّ، أن النيران تكاد تلامس،
أو ربما لامست أطراف ثيابه ، وهو الذي كان قد صرح علنًا وأمام الجميع أنه سيواصل المحاكمة حتى تتّضح براءته ناصعة صافية برَّاقة، وسبقها السعي إلى تشريعات منها ما اتّفق على تسميته وفق مصطلحات البرلمان الإسرائيليّ، تعديل قانون العقوبات وخاصّة البند الذي يسمح بفرض عقوبة الإعدام على فلسطينيّين نفّذوا أعمالًا عسكريّة وعمليّات قتل ضدّ يهود فقط، بمعنى سنّ قانون جديد، أو تعديل قانون قائم وفق مبدأ واضح من الانتقائيّة القضائيّة.
وهي انتقائيّة رافقت هذه الحكومة من حيث تمرير الميزانيّات للمجتمع العربيّ ووقفها بحجج تؤكّد الانتقائيّة، ومحاولات لسنّ قوانين انتقائيّة تمنع مشاركة الأحزاب العربيّة في العمليّة السياسيّة، وتمنع مشاركة المواطنين العرب في الانتخابات ضاربة عرض الحائط مبدأ المساواة ، وغيرها من القرارات السيّئة ضدّ الأقليّات، فضلًا عن حديث متواصل عن زيادة تمثيل اليهود الشرقيّين واليمين في الجهاز القضائيّ ومجالس إدارة الشركات الحكوميّة وغيرها من القطاعات، بانتقائيّة واضحة تتناسى مثلًا قوانين تمّ تشريعها وقرارات حكومية تم إقرارها تضمن التمثيل المساوي والملائم للعرب في كافّة المؤسّسات،
مع التأكيد على أن التمثيل المتساوي يضمن التنفيذ الحقيقيّ والعادل للقانون والأحكام والخطوات القضائيّة، إلا أنها خاصّة في الجهاز القضائيّ ليست جديدة، وإن كانت ملامحها ووقائعها تحمل، أو حملت تفسيرات أخرى.
وهذا ما أكّدته معطيات مقلقة حول انتقائيّة قضائيّة واضحة أظهرتها أبحاث أشارت إلى أن القضاة في إسرائيل يشدّدون في أحكامهم على المدانين العرب أكثر بكثير ممّا هي لدى اليهود، كما تبيّن أن القضاة يميلون إلى تخفيف العقوبة في حال الاعتداء على النساء إضافة إلى فروقات بارزة أخرى تعكس الانتقائيّة، ومنها أن بعض القضاة العرب يفرضون، في نفس التهمة، على المدانين العرب أحكامًا قاسية تفوق تلك التي يفرضها عليهم قضاة يهود، وأن احتمال إدانة يهوديّ ليس من أصحاب السوابق بارتكاب مخالفة عنف تجاه عربيّ والحكم عليه بالسجن الفعليّ يبلغ 14%، مقابل 46% لعربيّ أدين بنفس المخالفة إذا كان الضحيّة عربيًّا، أما إذا كان الضحيّة يهوديًّا فاحتمال الحكم عليه بالسجن الفعليّ يصل إلى 40%.، ما يؤكّد وجود الظاهرة منذ عشرات السنين ( نتائج بحث في جامعة حيفا نشرت عام 1996 ). ووجود انتقائيّة قضائيّة تحرّكها عوامل تأخذ بعين الاعتبار الملامح والسمات والانتماءات الشخصيّة لمن يخضعون للإجراءات القضائيّة، وتترك للجنس والقوميّة أهميّة عند اتخاذ القرار بشأن شدّة العقوبة المفروضة، زد على ذلك القضاء الانتقائيّ الذي يعتمد على قوانين الأراضي والغائبين والمصادرة التي عمليًّا يتم تنفيذها برمّتها على العقارات التي يملكها، أو يضع اليد عليها العرب .
ما سبق يؤكّد الحالة التي تشهدها البلاد مؤخّرًا من حيث تجذر التنفيذ الانتقائيّ خاصّة في القانون الجنائيّ، وتكرار الحالات التي تُميّز فيها جهات إنفاذ القانون بين الأشخاص أو الحالات المتشابهة، دون مبرّر موضوعيّ، بشكّل يعزّز من الشعور السائد لدى المواطنين العرب واليهود على حدّ سواء وبقوّة متفاوتة، من أن الجهاز القضائيّ بانتقائيّته المتواصلة،
والكنيست بتشريعاتها والحكومة بممارساتها وتخصيصها ميزانيّات تستند إلى العرق والجنس والدين والانتماء السياسيّ والحزبيّ، لا تمثّلهم وأنها ليس لهم، وتركيز إجراءات وخطوات التنفيذ على مجموعة معيّنة دون غيرها، في انتهاك لمبدأ المساواة وسيّادة القانون،
عبر أمثلة منها توجيه اتّهام ضد شخص واحد فقط، رغم أن آخرين ارتكبوا جريمة مماثلة، وهو ما تكرّر منذ هجمات السابع من اكتوبر عام 2023، عبر تمييز صارخ بين متظاهر مناوئ للحكومة يستحقّ الاعتقال والتفتيش والتنكيل ومتظاهر يدعمها يحظى بحماية الشرطة وحراستها وتساهلها، وممارسات ترفض المبدأ الأساسيّ للمواطنة وهو الحقّ في حريّة الرأي والتعبير، واعتناق وإعلان مواقف تخالف الحكومة، ولا تتفق مع الشرطة ووزيرها، وترفض التشريعات التي تواصلها الحكومة والساعية إلى خلق نظام حكم الرجل الواحد بدل الديمقراطيّة الليبراليّة التي سادت قبل سنوات رغم نواقصها وعيوبها، وعبر اعتقالات ومحاكمات لمواطنين عربًا ولمعارضين تتّهمهم الشرطة بالدعوة للإطاحة بالحكومة.
وهي مخالفة أوجدتها الشرطة وغير قائمة في كتب القوانين والتشريعات، بل إنها حقّ ديمقراطيّ لكل مواطن ضمن حدود حريّة التعبير، مقابل تساهل واضح ومقصود مع مؤيّدي الحكومة، وإلقاء الحبل على غاربهم، فهم " المقرّبون من سدّة الحكم"، كما حدث في قضايا عديدة منها اقتحام معسكر سديه تيمان ووقف التحقيقات مع ضباط شرطة تحوم حولهم شبهات دون محاكمتهم، والتحريض على العرب من قبل وزراء وأعضاء كنيست ومستوطنين وغيرهم .
أقول هنا أن التطبيق الانتقائيّ في القانون الجنائيّ هو حالة تُميّز فيها جهات التنفيذ (الشرطة، النيابة العامّة وأجهزة القضاء) بشكل غير متكافئ بين الأشخاص أو الحالات المتشابهة، دون مبرّر موضوعيّ. قد يُؤدي هذا الوضع إلى انتهاك مبدأ المساواة وسيادة القانون، واستخدامه ضد تنفيذ العدالة. ومن الأمثلة على ذلك توجيه اتهام ضدّ شخص معيّن دون غيره، رغم وجود آخرين ارتكبوا جريمة مماثلة، لكن الأمر بلغ ذروته هذا الأسبوع بطلب العفو من قبل رئيس الوزراء نتنياهو والذي يؤسّس بكافّة ملابساته لمرحلة جديدة،
وقبل الوصول إلى نتائجه، أو حتى محاولة التكهّن حولها، ملامحها تعني وباختصار أن العدالة القانونيّة وتنفيذ القانون ليس حالة مفروغًا منها ولا تتسم بالمساواة، كما أنها ليست واضحة المعالم بل إنها " بدلة" خاصّة يتم تفصيلها وخياطتها لتلائم مقاييس المعني بها،
وبالتالي يحق للمواطن العادي في حالة نتنياهو والعفو المطلوب، أن يتقدّم بطلب العفو والاسترحام فقط بعد انتهاء محاكمته، وبعد إدانته وذلك مشروط باعترافه بالتهمة التي أدين بها وإبداء الندم وطلب الرحمة عليها. أما إذا كان من أصحاب المنصب الأعلى فلا حاجة للتنحّي أو الاستقالة حتى ولو نُسبت إليه سلطات تطبيق القانون، جرائم خطيرة والتي من المفروض أن يضعف التأثير لصاحب المنصب الرفيع والذي من المؤكد أن يقلّل من ثقة الجمهور بالحكومة وخاصّة من حيث أهمية مبدأ المسؤوليّة الذي يفرض أن يتحمل كل مسؤول عن جميع أفعاله.
وما نراه اليوم هو العكس فأصحاب المناصب العليا لهم امتيازات تفوق مبدأ المساواة وتطبيق القانون، لأنهم حماة الشعب وفقًا لمفهوم "كبار القوم". وعليه فنتنياهو لن يتنحى عن منصبه وفقًا لمبدأ الانتقائيّة، وليس بحاجة أن يعترف بالجنايات المنسوبة له في لائحة الاتهام وعليه طلب الاسترحام، والذي سمّاه رئيس الحكومة بكلماته "وقف المحاكمة فورًا"، دون أن يتطرّق إلى التهم الموجهة إليه،
بل اعتبر إلغاء المحاكمة منّةً منه للدولة، وشرطًا يريده لضمان رأب الصدع على ضوء الهوّة الداخليّة والتحريض المتبادل بين أطياف المجتمع الإسرائيليّ معتبرًا إيقاف محاكمته اليوم، وقبل نهايتها وقبل صدور الحكم فيها، مصلحة لإسرائيل كلّها مُدعيًا بأن الظروف الأمنيّة الصعبة تفرض إلغاء محاكمته، متناسيًا أن هذه الظروف قائمة منذ عامين ونيّف، وأن المسّ بالجهاز القضائيّ وحرّاس العتبة يتواصل منذ تولّي هذه الحكومة مهامّها أوائل عام 2023، ممّا أدّى إلى إضعاف جميع أجهزة تطبيق القانون، كما لم يتطرق نتنياهو إلى "مساهمته"،
أو ما سيدفعه هو مقابل وقف المحاكمة في حال قبل رئيس الدولة توجّه الرئيس ترامب والالتماس الذي تقدّم به نتنياهو دون اعتراف ولا ندم ولا ابتعاد عن الحلبة السياسيّة، بل انتقائيّة مستغربة هدفها هو العكس تمامًا، أي ضمان بقائه في الحلبة والحياة السياسيّة. وفي هذا التوجّه رسالة واضحة ملخّصها أن القانون لا يسير ولا يطبق على أصحاب النفوذ والقوة، بل هؤلاء هم فوق القانون والمحاسبة والمسائلة، خاصّة إذا كانوا في الطرف الصحيح من الانتماء.
هذا ما يؤكّده أيضًا النصّ الحالي والمقترح للقانون الذي يعرف بتطبيق الإعدام على مرتكبي الاعتداءات وعمليّات القتل ضد اليهود، وهو بنصّه الحالي يكرّس الانتقائيّة القانونيّة، ولكن بأخطر صورها، وهي تلك النابعة من منطلقات عنصريّة وقوميّة وسياسيّة، ما قد ينقل البلاد إلى حالة تتم فيها الاستعانة بمنظومتين متوازيّتين وأحيانًا متناقضتين من القوانين، تطبّق إحداهما على اليهود مثلًا والثانية على العرب،
أو منظومتين تطبّق إحداهما على معارضي الحكومة والثانية على مؤيّديها، أو الأخطر من ذلك هو منظومة قوانين تمنع القضاة في المحاكم من حرية القرار، وتلزمهم دون أي خيار آخر بفرض عقوبة الإعدام، وسط تجاهل تامّ لما جاء في قانون العقوبات من عام 1977 والقانون العسكريّ، أو أنظمة الطوارئ الذين بموجبهم توجد الصلاحيّة للمحاكم العسكريّة والجنائيّة فرض عقوبة الإعدام بحيث يكون القرار بالأجماع لهيئة المحكمة، خاصّة على مرتكبي مخالفات تمسّ بأمن الدولة وسيادتها مثل مخالفات التجّسس والتعاون مع العدو وخاصّة أثناء الحرب، وتقديم المساعدة للعدو،
ونقل المعلومات الاستخباريّة مع منح القائد العسكريّ بإلغاء قرار حكم الإعدام، وكذلك تجاهل الحقيقة أنه ورغم تكرار قضايا التجسّس والتي زاد عددها عن 30 قضية منذ السابع من أكتوبر 2023، وتقديم لوائح اتهام ضد مواطنين إسرائيليّين غالبيتهم العظمى من اليهود بتهمة تقديم العون والتجسّس لصالح إيران، لم يطالب أحد بفرض عقوبة الإعدام عليهم، ولم يدّع أحد أن هذه التهم تشكّل خيانة لدولة إسرائيل، ومسًّا بأمنها القوميّ.
وهي قضايا ليست جديدة وأبرزها قضية التجسّس التي أدين بها الوزير السابق الدكتورغونين سيغف، الذي اتّضح أنه زار إيران مرتين، ورجل الأعمال ناحوم مانبر وغيرهما، وبالتالي وانطلاقًا من الحقيقة بأن اقتراحًا مماثلًا تمّ تقديمه للبرلمان قبل أربع سنوات،
دون أن يخرج إلى حيّز النور ووسط خلافات حول كونه عقوبة رادعة، وهو اعتقاد لا يستند إلى الواقع، فالعارفون بأوضاع الشرق الأوسط والواقع الفلسطينيّ يعرفون أن معظم منفّذي العمليات ضد الجيش، أو غيرهم وعلى خلفيّة قوميّة أو جهاديّة يفعلون ذلك وسط إدراك تامّ وواضح بأنهم لن يعودوا على قيد الحياة، ووسط إدراك أنهم سيواجهون جيشًا قويًّا أو مواطنين مسلّحين وبأنهم في هذه المعادلة الطرف الأضعف، وبالتالي يستوجب الأمر السؤال حول الجدوى، وأكثر من ذلك حول التوقيت الذي تم فيه البتّ في هذا الاقتراح، وصولًا إلى نتيجتين أولهما أن الموضوع يتعلّق دون شكّ باقتراب موعد الانتخابات البرلمانيّة القادمة، وثانيهما أن السابع من أكتوبر كان المحفِّز لتشريعات شديدة وغير معقولة، وغير مسبوقة خاصّة ضد المواطنين العرب، وتلك المتعلّقة بالشأن الفلسطينيّ، ومنها قانون منع إقامة الدولة الفلسطينيّة والذي حظي بأغلبيّة ساحقة.
ما سبق يؤكّد حقيقة مؤلمة وهي أن حكومات إسرائيل المتعاقبة، تميل إلى تفسير بعض الأحداث المفصليّة في تاريخها بشكل خاطئ، أو تقرر ذلك عمدًا، فصحيح أن تاريخ هذه الدولة شهد أحداثًا مفصليّة منها حرب عام 1948، وحرب الأيام الستة في حزيران 1967 وحرب أكتوبر 1973 وحصول إسرائيل على تقنيات نوويّة، كما يتحدّث الإعلام العالميّ، وكذلك السابع من أكتوبر 2023، الذي كان حدثًا تكتيكيًّا، وليس عملًا استراتيجيًّا رغم قسوته وفظاعة أعمال مسلّحي حركة حماس، لكن الحكومة الحاليّة قرّرت تفسير هذا الحدث التكتيكيّ والآنيّ والذي انتهي بعد ساعات، أو أيام معدودة رغم نتائجه غير المسبوقة إسرائيليًّا، على أنه حدث استراتيجيّ بعيد المدى يشكّل خطرًا على كيانها ووجودها، بل خطرًا وجوديًّا، وبالتالي يجب الردّ عليه بما يناسب ذلك، وأن الجيش شارك في الردّ لتبرير الانتقام والابتعاد عن المساءلة حول قصوراته وفشله، كما فعلت الحكومة عبر ردّ يجعل الكثيرين ينسون أنها اتّبعت قبل ذلك مبدأ اعتبار حماس ذخرًا.
ما سبق من تشريعات وتبرير وقبول للردّ العسكريّ في غزة، يتم وسط صمت مردّه الادّعاء أنه يتم باسم الأغلبيّة في تكريس لرواية الحكومة الحاليّة التي تلوح بالأغلبيّة البرلمانيّة التي تملكها، والتي حصلت عليها في الانتخابات الأخيرة ، تمامًا كما التلويح بذلك، لتبرير عرقلتها أكثر من مرة لصفقات تبادل الرهائن وإصرارها على إطالة أمد الحرب في غزة، وتبرير وشرعنة الانقلاب الدستوريّ القضائيّ وتعديل القوانين المتعلّقة بالشرطة وغيرها من التشريعات وقانون إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكريّة ومحاولات إقالة المستشارة القضائية للحكومة، وإضعاف حرّاس العتبة والجهاز القضائيّ برمّته، وقضيّة مطالبة نتنياهو بالعفو عنه، أو بكلمات أصحّ، وقف محاكمته وهي خطوة غير مسبوقة قانونيًّا ودستوريًّا في إسرائيل،
ولا يملك أحد الحقّ بتنفيذها ولا حتى رئيس الدولة، دون اعتبار رئيس الحكومة مُجرمًا قانونيًّا، وذلك وسط تجاهل تامّ للتغيّرات على الأرض، وخاصّة تلك المتعلّقة بمشروع قانون إعفاء الحريديم من الخدمة في الجيش وغير ذلك من القضايا، ووسط صمت من الأغلبيّة ووصم من يرفع صوته بأنه معادٍ للحكومة وللدولة، وبكلمات أدقّ استغلال أكثريّة انتخابيّة لتبرير وشرعنة خطوات لم تكن معهودة في دولة تتبجّح بالديمقراطيّة. وهو ما تحدّث عنه الفيلسوف والكاتب والشاعر الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته في تفسيره للنفس البشريّة من منظور التاريخ والسياسة والمصير الجماعيّ: "لا شيء أكثر إثارة للاشمئزاز من الأغلبيّة، لأنها تتكوّن من قلّة من الأسلاف الأقوياء، ومن الأوغاد الذين يتكيّفون، ومن الضعفاء الذين يخضعون، ومن الجموع التي تقلّد، دون أن تعرف على الإطلاق ما تريده".
وهو بذلك لا يصف المشهد السياسيّ فقط، بل يتعدّى ذلك إلى تحليلٍ عميق لتصرّفات الجماهير من جهة وادّعاءات السياسيّين من جهة أخرى. فالأغلبيّة في هذا الصدد ليست رقمًا، بل كيانًا تتحكّم فيه، وتستغلّه قوى سياسية مستخدمة قوة السلطة، وانهيار المبادئ، وهشاشة المواقف وانعدام أو قلّة الوعي والفهم السياسيّ ومفهوم المواطنة لدى الجماهير، التي تصفق وتصمت ولا ترفع صوتها متناسية أن التغيير كما التاريخ، وهذا ما قاله نيتشه، لا يصنعه الذين يصفّقون، بل أولئك الذين يرفضون في اللحظة التي يختار فيها الجميع الصمت.
ختامًا، ما يحدث في عالمنا من إجحاف وانتهاك لحقوق الإنسان ومحاولة مقصودة ولغايات ضيّقة في نفس يعقوب، لتغيير أبسط القواعد السياسيّة والديمقراطيّة والإنسانيّة، لا بدّ من القول وبصراحة مؤلمة تستوجب التوقّف عندها ومداواة أسبابها ومسبّباتها بدلًا من مناقشة نتائجها فقط، إن العالم ونحن جزء منه، لم يعد كما كان، وإن ملامح التعب والإنهاك تعلو الوجوه وتعتري النفوس، فتثير القلق وتُبعد الفرح والتفاؤل، حتى نكاد لا نعرف أنفسنا وما حولنا. ولكن، إيّانا أن ننسى بأنه لا بدّ لليل أن ينجلي، وللحقّ أن يظهر ولو بعد حين !!!.
















