أميركا في ذكرى استقلالها ال 250 بين القيم المنشودة وبوادر الضَّعف الموجودة
تزامنًا مع انقشاع غبار احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى ال 250 لإعلان الاستقلال بمراسم كانت الأكبر والأعظم منذ ولادة هذه البلاد. فضلًا عن أنه طغى عليها الطابع الشخصيّ، أو ربما النرجسيّ، بلغة البعض، للرئيس الحاليّ دونالد ترامب، ورغم ما شملته من عروض جويّة واستعراضات مبتكرة للألعاب الناريّة، وغيرها من المراسم والنشاطات الفنيّة
تعود إلى الواجهة الأسئلة والتساؤلات، التي تصل لدى العارفين بحقيقة الحال في أميركا اليوم، حدّ المخاوف بل الخوف، حول حال البلاد، وإذا كانت بعد هذا العمر المديد، قادرة على ضمان العيش الرغيد والمساواة والحريّة دون قيود لمواطنيها، اختصرتها وسائل إعلام أميركيّة بالسؤال حول ما إذا كانت هذه الدولة التي بلغت من العمر 250 عامًا، ما زالت في عافيتها أو ما زالت قادرة على الوصول بخير وسلام إلى المئة الثالثة من عمرها، أو دون أن يصبح الانقسام سمتها الظاهرة، ودون أن تتآكل روابطها وأواصرها الداخليّة وثقة المواطنين بالمؤسّسات المختلفة، وهي ثقة انخفضت بشكل متواصل في السنوات الأخيرة، لتصل مستويات غير مسبوقة، إذ تشير الاستطلاعات إلى أن 33% فقط من البالغين في الولايات المتحدة يؤكّدون أنهم ما زالوا إنهم فخورين جدًّا، بكونهم أمريكيّين، مقارنة بـ55% قبل 25 عامًا، معطيات دفعت مسؤولين وقادة سابقين إلى إبداء قلقهم بشأن الخطر الذي يواجه المؤسّسات الديمقراطيّة الأمريكيّة، السياسيّة والقضائيّة بما فيها المحكمة العليا.
وبالتالي تراوحت المواقف حول الاحتفالات ومضمونها ومعانيها والوضع الأمريكيّ الداخليّ والخارجيّ الذي تمّت فيه، بين من يعتقد أن الأمور ما زالت بخير، وأن لا خطر على الوحدة والديمقراطيّة الأمريكيّة سواء كان الخطر خارجيًّا ، فالولايات المتحدة ما زالت الدولة الأقوى في العالم وصاحبة القول الفصل في مختلف القضايا العالميّة، أو داخليًّا فالإتحاد والمصالح والروابط المشتركة أقوى من أن تنهار، وبين من يشكّك في ذلك ويؤكّد أن الاحتفالات تتزامن مع أزمات داخليّة سياسيّة ودينيّة وعرقيّة واقتصاديّة، وتوتّرات خارجيّة مع العديد من الدول وليس إيران فقط، ووسط استقطاب سياسيّ خطير وتضخّم ماليّ كبير ومحاولات حثيثة للمس بالقضاء، وإقالة من لا يروق للرئيس، بشكل يثير مخاوف كبيرة وحقيقيّة عميقة لدى قطاع واسع من الشعب الأمريكيّ والمجتمع الدولي بشأن مستقبل الديمقراطيّة ووحدة الولايات هناك، وحول دوافع السياسة الخارجيّة الأمريكيّة وإلى أين تتّجه، وبين أولئك الناقدين والمتشائمين الذين يروق لهم وصف الفرح الذي ساد الاحتفالات بأنه يشبه ابتسامة من يقف إلى جانب سرير مريض حالته صعبة، لكنّه يبتسم ليخفّف عنه مصابه.
ما سبق ليس قولًا نظريًّا ، فاحتفالات الاستقلال في معظم مظاهرها أكّدت الخلاف والتنافر، خاصّة وأن معظم الاحتفالات العامّة والجماهيريّة تحوّلت إلى لقاءات استخدم فيها الخطباء العبارات الحادّة للتعبير عن مواقفهم في القضايا المختلف عليها بدلًا من الحديث عن العوامل والقواسم المشتركة، والوحدة الوطنيّة والسلام المجتمعيّ، كما أن هذه الاحتفالات اكدت تعاظم قوّة الجماعات اليمينيّة البيضاء ، حليفة حركة ماغا ((MAGA الداعمة للرئيس الحاليّ دونالد ترامب، وغيرها من الحركات العرقيّة، التي تريد أمريكا البيضاء، وربما تحلم بالعودة إلى ما قبل تحرير العبيد. وهي توجّهات تغذّي بعضها الأزمات الاقتصاديّة وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد مشاعر الغضب والإحباط لدى قطاعات عديدة، إضافة إلى ما تثيره سياسة واشنطن الخارجيّة، خاصّة المتعلّقة بالحرب على إيران، والعلاقات مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبيّ، من أسئلة وتساؤلات هامّة تدور حول استقرار النظام العالميّ.
وهي عوامل يزيد الكثير منها من حدّة الشكوك والقلق الذي ما زال مكتومًا لدى البعض، حول قوة النظام الديمقراطيّ الأميركيّ الذي دخل في عهد ترامب، وخاصّة ولايته الحاليّة وهي الثانية والتي يحاول ترامب أن لا تكون الأخيرة عبر تغيير بنود في الدستور، لتقترب البلاد من تلك المنطقة الفاصلة، أو الحدّ الفاصل بين الديمقراطيّة والدكتاتوريّة، عبر زيادة صلاحيّات الرئيس واعتباره القائد الوحيد والأوحد، وتجاهل كافّة الضوابط القانونيّة والتوازنات السياسيّة، خاصّة مع سيطرة ترامب على مضامين معظم الاحتفالات وشخصنتها بالكامل، لتبدو احتفالات الذكرى ال 250، ليس احتفالًا بحدث تاريخيّ رائع وطلائعيّ يسود حوله الإجماع والاتفاق بصفته كتب بحروف من ذهب راسخة كلماته رسوخ الجبال، بل إنها كانت الاحتفالات الأكثر كشفًا لنقاط الاختلاف الكبيرة والخطيرة التي دفعت بالبعض للقول إن أميركا ربما تقترب إلى حرب أهليّة ثانية كتلك التي شهدتها عام 1861
وكانت أسبابها تشبه في كثير من جوانبها الحالة اليوم، خاصّة ظروف وحالة الانقسام السياسيّ والاقتصاديّ من حيث الفقر النسبيّ في الجنوب والثراء في الشمال، والانقسام الثقافيّ، والعلاقة بين الولايات ال 50، إذا ما اعتبرنا أن ضمّ إسرائيل الى هذه الولايات أصبح بعيدًا بسبب حرب إيران الأخيرة واعتبارها الجهة التي ورَّطت أمريكا في حرب كانت في غنىً عنها، والسلطة الفيدراليّة حيث أعلن حكام ولايات معيّنة رفضهم لسياسات الحكومة الفيدراليّة، وقضيّة المساواة وحقوق الإنسان التي قابلها عام 1861، قضيّة استمرار العبوديّة وانتخاب أبراهام لينكولن رئيسًا، وهو الذي أراد المساواة للجميع بغضّ النظر عن العرق واللون والدين وغيرها من العوامل، والتي يدور الحديث والنقاش حولها اليوم في عودة ربما إلى ما كان من حيث الحديث عن تفاصيل منها ما هو الأمريكيّ ومن هو؟ وهل يحقّ للجميع أن يكونوا أميركيّين؟ وحتى ما هي أمريكا اليوم، وهل هي دولة مميزة صفتها الفرص والإمكانيات غير المحدودة، والتي لا تخضع بعكس دول أخرى لتقييدات دينيّة وعرقيّة، أم أنها تمامًا كغيرها من الدول على قدم وساق في عدم تطبيق المساواة.
والسؤال، هل ما زالت أمريكا عرش الديمقراطيّة التي تضمن المساواة وتكافؤ الفرص للجميع أم أنها تريد أن تكون كغيرها. وهنا لا بدّ من عودة إلى الزمن الذي سبق الاستقلال الأمريكيّ، والذي ساد فيه ولو بشكل هادئ نقاش مماثل، رجحت فيه كفّة النهج الذي يميل إلى تأكيد الرغبة في أن يشبه وضع الأمريكيّين وضع غيرهم، وأن تتمّ مساواتهم بالبريطانيّين ، لأنهم بريطانيّون في نظر أنفسهم، وهذا كان أقصى طموح قادة الاحتجاجات الأميركيّة حينها، حتى يمكن الجزم أن الهدف الأقصى كان " أن يكون المواطن الأميركيّ كغيره من مواطني بريطانيا"، وليس الانفصال التامّ عن المملكة البريطانيّة، بل مجرّد الاعتراض على فرض الضرائب على الأميركيّين دون أن يكون لهم تمثيل سياسيّ في البرلمان البريطانيّ، لتكون الاحتجاجات مرهونة بسقف منخفض من المطالب هو أنه لا فرض للضرائب دون تمثيل، حتى جاءت أقوال توماس بيين، البريطانيّ الأصل والذي عمل مع والده في مجال الأقمشة، وحاول العمل في مجال التربية ومجال السفن التجاريّة( بحّارًا) دون أن ينجح في ذلك، لكونه شخصًا ينشد المثاليّة ويرفض المساومة على الحقوق، ووصل توماس بيين إلى أمريكا وتقرّب من فرانكلين روزفلت أحد قادة الاستقلال في حينه ورئيس الولايات المتحدة لاحقًا، وسرعان ما أصبح بين محرّر مشارك في مجلّة بنسلفانيا، وفي عام 1776، نشر مؤلَّفه "الفطرة السويّة أو المنطق والعقل المقبول والسويّ " Common sense " الذي طرح فيه لأوّل مرّة فكرة الاستقلال الكامل عن بريطانيا وهو توجّه نال إعجاب، جورج واشنطن وتوماس جفرسون وآخرين فكانت رسالة واضحة نقلها توماس بيين ، والذي يمكن وصفه أنه مفكّر الثورة الأمريكيّة والاستقلال الأمريكيّ، إلى القادة حينها، جورج واشنطن ، توماس جيفرسون، وفرانكلين روزفلت وغيرهم ملخّصها أن عليهم أن لا يناضلوا للمساواة كمواطنين في بريطانيا، بل على حقوقهم كمواطنين أمريكيّين، وأن لا يناضلوا، ليكونوا كغيرهم بل أن يحاربوا من أجل التحرّر وإنشاء حكم فيدراليّ حقيقيّ للمستعمرات الثلاث عشرة، التي كانت الأساس الأمريكيّ.
وأن يضمن هذا الاتّحاد المساواة الكاملة، وبخلاف كافّة الأنظمة السائدة حينه، لتتصاعد بعد ذلك الأحداث من مجرّد مطالبة بالمساواة إلى ثورة شاملة وصولًا إلى تأسيس الكونغرس الأوّل عام1774 بحضور ممثّلي المستعمرات الثلاث عشرة حينها، لتوحيد صفوفهم وإعلان الولاء للملك جورج الثالث وليس للبرلمان البريطانيّ، لكن بريطانيا لم تقبل الاتحاد الأمريكيّ ولا الثورة الأمريكيّة، وعليه، كان اندلاع الحرب عام1775 وإعلان الاستقلال عام 1776، رغم تعنّت بريطانيا وإرسالها قوّات عسكريّة إضافيّة لمنع الاستقلال. وهو ما انتهى إلى اعلان الاستقلال في 4 يوليو 1776. وتجدر الإشارة هنا إلى أن قادة الثورة الأمريكيّة لم يبحثوا اسم الاتحاد أو الدولة، لولا صحفيّ أو كاتب أمريكيّ لم يُفصَح عن اسمه، أرسل بكتاب إلى صحيفة كانت تصدر في مدينة فيلادلفيا، واقترح تسمية الدولة الجديدة بالولايات المتحدة، مع التوقيع باسم القلم الجمهوريّ، وحقًّا تبنّى قادة المستعمرات في حينه اسم الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وأعلن ذلك رسميًّا في التاسع من سبتمبر أيلول 1776.
وقد جاء في وثيقة استقلال الولايات المتحدة التأكيد على أن القاعدة هي أن جميع الناس خلقوا متساوين، وأوّل حقوقهم الحقّ في الحياة، والحريّة، والكرامة لكلّ إنسان وإنسان. ومن أجل تأمين هذه الحقوق جاء الكيان السياسيّ، ليمنح العدالة لمن ينتمي إلى هذا الكيان والذي يطلق عليه اسم دولة، وهذا أجلّ تصريح شجاع من قادة الثورة الأمريكيّة خاصّة وأن الواقع الأمريكيّ حينها استثنى كثيرين من هذا المبدأ ،ولكن إصرار مؤسّسي الولايات المتحدة والمثابرة على الوحدة ، أوصل عدد الولايات إلى ما هو عليه اليوم وهو 50 ولاية، بعد أن اقتصرت حدودها في البداية على الساحل الشرقيّ للمحيط الأطلسي فقط، وليس ذلك فقط، بل ربما كانت قيم المساوة التامّة، وتنظيم العلاقات بين الولايات والحكم الفيدراليّ، السبب في بقائها على حالتها مدة 250 سنة، وعدم تفكّك أواصر وعرى التحالف، بعكس دول أخرى تشكّلت من جماعات مختلفة عرقيًّا ودينيًّا واجتماعيًّا، انتهت إلى الانحلال والاضمحلال ومنها الاتّحاد السوفييتيّ الذي انهار مطلع تسعينيّات القرن الماضي وتفكّك إلى 15 دولة دارت بين بعضها حروب ،وما زالت إحداها مستمرة حتى اليوم، وهي الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، وكان التفكّك مصير يوغسلافيا التي تفكّكت إلى 6 دول هي: صربيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، سلوفينيا، الجبل الأسود، ومقدونيا الشماليّة، بعد حروب أهليّة دامية بسبب صراعات قوميّة ودينيّة، وكذلك تشيكوسلوفاكيا التي تمّ حلّها بالتراضي والتفاهم، وسلميًّا عام 1993 في عمليّة عُرفت باسم "الطلاق المخمليّ"، لتنقسم إلى دولتين هما: جمهوريّة التشيك وجمهوريّة سلوفاكيا.
لكنّ الحال كما يبدو يتغيّر تدريجيًّا فالأمريكيّون اليوم، وكما قالت الكاتبة إليزابيث ليك، يقرأون وثيقة استقلالهم من باب الشكوى والإشارة إلى نواقص فيها، وضرورة تغيير بعض البنود، وليس من باب الالتزام بالمساواة في الحقوق والعدالة بين المواطنين، أي من باب نقاط الخلاف والاختلاف وليس تلك التي توحِّد، في حالة تشبه إسرائيل إلى حدّ كبير من حيث إبراز الاختلاف والتغاضي عن نقاط الاتفاق، والانتقال من اعتبار الدولة حالة وبوتقة تنصهر فيها المجموعات، وتذوب الخلافات والاختلافات لتخلق أمّة واحدة وشعبًا واحدًا، إلى الحديث اليوم عن الاقتراب من صدام داخليّ وحديث عن تفكّك الولايات الواحدة عن الأُخرى ، كما يدور الحديث في إسرائيل عن دولتي إسرائيل ويهودا، أو قول رئيس الدولة السابق رؤوفين ريفلين عن دولة أسباط وقبائل وجماعات ومجموعات يهوديّة ودينيّة وعرقيّة، أما في أمريكا فيدور السجال حاليًّا حول القضايا الداخليّة والخارجيّة، حتى جاء في مقال بمجلة فورين بوليسي، أن ما يقول الأمريكيّون إنهم يقاتلون ضده، أكبر بكثير ممّا يناضلون من أجله.
من المفروض هنا أن نشير إلى أن أمريكا هي الدولة الأبرز في العالم سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريّا، وهو ما أثبتته الأعوام الأخيرة، فهي تملك اقتصادًا تقوده قطاعات التكنولوجيا والمال وجيشًا لا يمكن مجاراته برًّا وبحرًا وجوًّا وسيبرانيًّا وما خفي أعظم من أسلحته، لكنها تعيش مستويات مقلقة وكارثيّة من حيث عدم المساواة والفوارق الطبقيّة والاقتصاديّة، واستقطاب سياسيّ وحزبيّ تغذيه وسائل التواصل الاجتماعيّ. وليس عبثًا أن يؤسّس الرئيس ترامب منصّة خاصّة به للتواصل الاجتماعيّ اسمها " الحقيقة Truth "، ينشر من خلالها تغريداته، دون حسيب أو رقيب يهاجم فيها الجميع ويواصل إثارة الخواطر واتهام الديمقراطييّن بأنهم يتحمّلون المسؤوليّة عن كل مصائب البلاد.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار كافّة الحروب والصراعات الاقتصاديّة والسياسيّة التي خاضها ترامب والانقسامات الداخليّة التي بلغت أوجها في اقتحام الكابيتول عام 2021 ، ورفض الاعتراف بفوز جو بايدن في تلك الانتخابات، ومعاداة ترامب للجهاز القضائيّ وإزاحة عدد من أصحاب المناصب الأمنيّة من مناصبهم وغير ذلك، فإن الولايات المتحدة ورغم ما سبق، تبدو اليوم أقلّ تماسكًا ووحدة ممّا كانت عليه قبل سنوات، وأكثر عرضة للضعف وربما الصدام الداخلّي أكثر ممّا كانت عليه، إضافة إلى تزايد النعرات القوميّة المتطرّفة وكراهية المهاجرين وخاصّة أولئك من دول آسيويّة ومسلمة، فإنه يمكن القول إن الولايات المتحدة، مهد الديمقراطية وعرش المساواة والفرص، تعاني اليوم أو بدأت تعاني ما اتفق على تسميته بالشيخوخة السياسيّة، وقوام ذلك مؤسّسات قديمة، وترتيبات حزبية منهكة، ومشاكل أو عوائق جديدة لم تعد الأدوات التقليديّة قادرة على استيعابها. ويجب أن نضيف الى ذلك رئيس البلاد الذي يفتقر إلى الخبرة السياسيّة ويقيس كافّة القضايا بميزان رجل الأعمال ووفق حسابات الربح والخسارة، اقتصاديًّا وحزبيًّا وانتخابيًّا، ويطهّر كما يقول الإعلام الأمريكيّ. إن ما يهمّه هو مصلحته أوّلًا بعيدًا عن مصلحة الدولة، وربما بما يناقض مصلحة الدولة.
وهو ما يحذر منه الباحثون، ويجعلهم يتساءلون هل ستبلغ الولايات المتحدة القرن الثالث من عمرها، وهي قادرة على الحفاظ على تماسكها ووحدتها وقوّتها، مشيرين إلى أن الديمقراطيّات لا تسقط دائمًا بضربة واحدة، بل يبهت نورها ببطء وبشكل تدريجيّ، أي أنها تحتفظ بمظهرها الخارجيّ كديمقراطيّة متماسكة وقويّة، لكنها في الوقت ذاته تفقد دورها شيئًا فشيئًا وتتوقّف عن تأدية مهامها كوسيلة لضمان رفاهية ومساواة وحقوق مواطنيها، وتوفير الحياة الكريمة والقضاء النزيه، وتوفير فرص النجاح للجميع وليس للمقرّبين من السلطة فقط، وتتحوّل قيادتها السياسية من عمل لصالح المصلحة العامّة إلى عمل لضمان البقاء في السلطة.
ختامًا، هل يكرّر التاريخ نفسه، وهل تعود أمريكا إلى نقطة الصفر، أو هل هي في الطريق إلى هناك.. فوثيقة الاستقلال الأمريكيّ، ورغم ما ورد فيها عن المساواة، وبأن الناس خُلِقوا متساوين، لم تكن ضمانًا للحرية والمساواة المدنيّة والاقتصاديّة والأكاديميّة والتشغيليّة، ولا حتى قريبًا منها أو مرادفًا لها، فوعد المساواة، لم يكن من نصيب الجميع طيلة عقود، وربما أكثر من قرن، إذ بقيت النساء والسود والسكان الأصليّون بعيدين عن المساواة في الحقوق، وحتى في حقّ الانتخاب والاقتراع، أو في العديد من قطاعات الدولة، حتى أن العبودية في أمريكا انتهت بعد مصادقة المحكمة العليا الأمريكيّة، أي ان القضاء الأمريكي لم يحرِّر العبيد بل شرْعَنَ العبودية، ويظهر أن الحال اليوم يؤكّد أن الفوارق الاقتصاديّة تزداد من يوم إلى آخر وكذلك التنافر الاجتماعيّ والعرقيّ والدينيّ والسياسيّ والحزبيّ، ومظاهر إقصاء واحتقار الأمريكيّين من أصول أفريقيّة ومحاولات كمّ الأفواه سياسيًّا وأكاديميًّا، فضًلا عن أصوات وإن كانت خافتة لا تستبعد الانسحاب من الاتّحاد الفيدرالي، على ضوء التوتّرات السياسية والانقسام حيث أظهرت بعض استطلاعات الرأي أن نحو 20% من الأميركيّين يؤيّدون فكرة انفصال ولاياتهم. ويتزايد هذا الدعم في بعض الولايات الكبرى مثل تكساس وكاليفورنيا وألاسكا، إضافة إلى ظاهرة تسمّى الانفصال الناعم، وذلك بدلًا من الانفصال التامّ، وفيه تلجأ بعض الولايات إلى انفصال جزئيّ عبر تشريع قوانين معيّنة تلغي قرارات فيدراليّة، أو بناء أنظمة تكنولوجيّة ورقميّة خاصّة بها بعيدًا عن تلك الفيدراليّة.
بعض العلامات والبوادر نحو ما سبق واضحة. وهي ما زالت وهذه الحقيقة في مهدها لكن مجرّد طرحها، وانطلاقًا من العمر الزمنيّ للدولة الأميركيّة وسوء أوضاعها الداخليّة، يثير المخاوف والقلق ويدعو إلى المزيد من اليقظة والتماسك الداخليّ، لتبقى كما وصفها جورج واشنطن الرئيس الأوّل لأميركا ، بقوله:" "أمريكا ليست مجرّد اسم لمكان، بل هي فكرة ومبدأ يتجاوز الحدود"، فهي فكرة أساسها المساواة التامّة بين الجميع، وقوامها حقوق الإنسان أيًّا كان، وعن ذلك قال الرئيس الراحل جيمي كارتر : "لم تخترع أمريكا حقوق الإنسان، بل على العكس من ذلك تمامًا؛ حقوق الإنسان هي التي اخترعت أمريكا".
والسؤال، هل ستنتهي الولايات المتحدة كما انتهى الاتّحاد السوفييتي أم ستؤول مثل الإمبراطوريّات في الألف عام الأخيرة؟؟.
















