الانتخابات بين حسابات الماضي وأمل المستقبل

انتهت عمليّة التصويت ولم تنتهِ الانتخابات، لأن الحسم، ووفقًا للنتائج، لم يكن من نصيب أيٍّ من المعسكرين المتخاصمين على الحكم في إسرائيل، اليمين المتطرّف من جهة، واليمين الذي يتشدّق بالليبراليّة، وبينهما التحّدي الانتخابيّ الأكبر في هذه الانتخابات وهو المواطنون العرب، الذين علّموا المعسكرين درسًا هامًّا، وهو أن إرادة الشعوب لا يمكن أن تخمدها القوة ولا البطش والتزمّت الدينيّ.

31.10.2026 מאת: المحامي زكي كمال
الانتخابات بين حسابات الماضي وأمل المستقبل

وعليه وانطلاقًا من كون هذه الانتخابات للبرلمان الإسرائيليّ، شئنا أم أبينا وشاءت الأحزاب بعضها أو كلّها أو أبت، قد جرت في يوم الاقتراع وقبله، حول السابع من أكتوبر ومسؤوليّة  حكومة بنيامين نتنياهو الحاليّة وائتلافه من وجهة نظر الأحزاب المعارضة أو كتلة التغيير، كما يحلو للبعض تسميتها تيمّنًا أحيانًا، ومن منطلق السذاجة السياسيّة أحيانًا أخرى، وعدم معرفة التيّارات التحت أرضيّة للحلبة السياسيّة الإسرائيليّة أوفي ظلّها، ومن منطلق التهرّب من المسؤوليّة ووأد أيّ احتمال للتحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، وهو تحقيق لن يتم بأيّ شكل من الأشكال وبأيّ توليفة كانت سواء لجنة تحقيق رسميّة أم قوميّة أو برلمانيّة من منطلق المثل العربيّ العامّيّ:" لو بدّها تشتِّي كان غيَّمت"، أو الرسالة تُقرأُ من عنوانها.

 

لا بدّ من طرح أسئلة حقيقية تنبثق ممّا سبق، بغضّ النظر عن نتائج الانتخابات والاستطلاعات والتي كانت متوقّعة من حيث عدم الحسم في صندوق الاقتراع وهو ما كانت أظهرته الاستطلاعات المبكّرة، وربما  بفوارق بسيطة النتائج  الانتخابات النهائيّة،  وبغضّ النظر عمّا ستحمله الأيّام القادمة من تحرّكات  منها مراسم أداء اليمين الدستوريّة للكنيست ال 26 بعد أسبوعين من الانتخابات، والخطوات الأخرى ومنها مشاورات  رئيس الدولة  يتسحاك هرتسوغ مع ممثّلي الكتل المختلفة والحصول على توصيّاتهم حول المرشح لتشكيل الحكومة القادمة، وصاحب أفضل الحظوظ لتشكيل الحكومة،  وأوّل هذه الأسئلة، هل تعلّمت إسرائيل بأحزابها وسياسييها العبر، من السابع من أكتوبر  وأيّ عبر تلك، والإجابة واضحة، حيث يكاد يسود الاتّفاق  بين المحلّلين وحتى الجمهور في إسرائيل، واستنادًا إلى نتائج الانتخابات وخاصّة تلك المتعلقة بالأحزاب التي قادت الدولة خلال الحرب وقبلها وتحديدًا بنيامين نتنياهو نفسه،  أن المنظومة السياسيّة في إسرائيل بشقّيها،  لم تستخلص العبر الحقيقيّة والمطلوبة من هجمات السابع من أكتوبر  وممّا سبقها وما تلاها،.

 

ويتجلّى ذلك في عدة أبعاد منها تعاظم الانقسام الداخليّ بين الأحزاب والمجموعات اليهوديّة خاصّة،  وربما بلوغه نقطة اللا عودة،  وهو ما عكسه الخطاب السياسيّ خلال المعركة الانتخابيّة وتصريحات رؤساء الأحزاب ووسائل الإعلام المؤيّدة لكلّ منهم بعد ظهور نتائج الانتخابات،  ليتّضح أن خطاب" معًا ننتصر"  الذي كان راية حكومة الطوارئ الإسرائيليّة، وراية معظم أحزابها اليهوديّة في  بداية الحرب، كان خطابًا مؤقّتًا ومصطنعًا، عاد بعده الخطاب السياسيّ ، وربما بفعل عدم تحقيق الأهداف التي وضعها بنيامين نتنياهو وأهمها القضاء على حركة حماس واستبدال الحكم في طهران وغيرها، إلى الاستقطاب الحزبيّ، والاتهامات المتبادلة بين اليمين المتطرّف واليمين المعتدل، وبين المعارضة والحكومة، والأخطر وهو ما ستكشف عنه الأيّام القادمة وتشكيلة الحكومة القادمة تحديدًا، وإذا كان بالإمكان تشكيلها دون النوّاب العرب جميعًا أو القائمة الموحَّدة فقط، وذلك من حيث إمكانيّة استفحال ظاهرة التهرّب من المسؤوليّة الشخصيّة والجماعيّة، خاصّة وأن  ثقافة تحمّل المسؤوليّة والمحاسبة الفوريّة للقيادة السياسيّة العليا خاصّة غابت منذ السابع من أكتوبر.

 

ولذلك، لا بدّ من السؤال ما إذا كان هذا الغياب مؤقّتًا فرضته الحكومة الحاليّة، بعكس القيادات العسكريّة والأمنيّة التي أعلن جزء كبير منها تحمّل المسؤوليّة المباشرة ، ومنهم  رئيس الاستخبارات العسكريّة ورئيس الشاباك وبعض القادة الميدانيّين، وبالتالي هل سيتبدّل الحال في ظلّ حكومة قادمة قد تكون مختلفة، أو من المفروض أن تكون كذلك، تتحمّل فيها القيادة السياسيّة مسؤوليّة ما سيحدث وهل ستتواصل سياسات وتوجّهات عرقلة عمل لجان التحقيق الرسميّة  وعدم تشكيلها أو تأخير عملها  تجنّبًا لدفع أثمان سياسيّة، وهو ما امتازت به الحكومة الحاليّة وحكومات بنيامين نتنياهو المتتالية بدءًا من حريق الكرمل حتى مقتل 44 من المتديّنين في منطقة الجرمق، ميرون، وهجمات السابع من أكتوبر 2023، وإلى ذلك تضاف توجّهات كانت غريبة على الساحة السياسيّة الإسرائيليّة، وملخّصها تفضيل البقاء السياسيّ على المصلحة الوطنيّة والمصلحة العامّة، واتّخاذ  القرارات الأمنيّة والسياسيّة وكذلك التعيينات، وتوزيع الميزانيّات وفقًا  للحسابات الائتلافيّة والمصالح الحزبيّة الضيّقة، بدلًا من وضع خطط شاملة ومدروسة في كافّة مناحي الحياة ومنها الاجتماعيّة والتعليميّة والاقتصاديّة وتكاليف المعيشة وحالة إسرائيل الدوليّة، والعمل على إعادة الثقة المهزوزة في مؤسّسات الدولة.


والأمر أو السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل تعلّمت الدروس والعبر من السابع من أكتوبر 2023، لا تتوقّف عند ما سبق، بل تصل أبعد من ذلك، فهل تعلّمت إسرائيل أن الجيش والأجهزة الأمنيّة ليست مطلقة القدرة، وأنها لن تنجح في منع كلّ الاعتداءات والهجمات الخارجيّة، وأن الاعتماد الأعمى على القوّة العسكريّة لا يعني دائمًا الأمن والهدوء، بل إنه ربما يقود إلى المزيد والمزيد من المواجهات العسكريّة وفتح المزيد من الجبهات، بل والتباهي بذلك. وبكلمات أخرى إبقاء دولة إسرائيل في حالة حرب دائمة مع جيرانها الأقرب والأبعد على حدّ سواء، والحكم على مواطنيها من مؤيّدي هذه التوجّهات ومعارضيها، بالعيش على حدّ السيف، وأن  الاعتماد على التكنولوجيا والجدران الذكيّة ليس ولا يمكن أن يكون الحلّ لكلّ المشاكل، بل إنّه كان خطأً فادحًا،

 

خاصّة وأنه حال دون التفكير في رفد الوسائل التكنولوجيّة والعسكريّة والأمنيّة، بمساعٍ دبلوماسيّة لحلّ الصراع وضمان الهدوء عبر اتفاقيّات يفضّل أن تكون دائمة، وربما يمكن الاكتفاء بكونها اتفاقيّات أو هدنات مؤقّتة، ناهيك عن أن ذلك لم يتوقّف عند الاعتماد على سياج ذكيّ ومكلف فحسب، بل اقناع الناس أنه الحلّ السحريّ وأن حماس لن تتمكّن أبد الدهر من الاقتراب منه وبالتالي يمكن للمواطنين الإسرائيليّين خاصّة في منطقة غلاف غزة أن يناموا قريري العين،  ليتّضح العكس بكلّ ما يعنيه ذلك ليؤدّي إلى زعزعة الثقة الجماهيريّة بالقرارات والخطوات الأمنيّة التي اتّخذتها هذه الحكومة المتطرّفة، وخلق شعور متنامٍ  بين المواطنين ومن مختلف التيارات السياسيّة، القيادات السياسيّة وأحيانًا العسكريّة، والتي جعلت  المواطن الإسرائيليّ يشعر بأن هناك تهديدًا وجوديًّا داخليًّا بسبب سياسة حكومة اليمين- يمين، تجاه المواطنين العرب  الذين اعتبرتهم هذه الحكومة المتطرّفة ، ليسوا جزءًا من الإجماع الإسرائيليّ، وسنعود إلى تبعات ذلك، إضافة إلى التهديد الخارجيّ، بجوانبه الحقيقيّة وتلك التي يتمّ تضخيمها لأهداف سياسيّة وحزبيّة ضيّقة، بل انتخابيّة كما لاحظنا خلال الحملة الانتخابيّة، وصولًا إلى جعل الأمن والاهتمام به ، تحصيل حاصل حتى على حساب  التضامن الاجتماعيّ ومواصلة المنظومة السياسيّة في تكريس الصراع على السلطة، والمناورات الحزبيّة، وتأجيل المحاسبة، ممّا يجعل العبر المستخلصة على الصعيد العامّ  غير مكتملة، ويتطلّب تغييرها  كليًّا أو استكمالها  على الأقلّ على المدى الطويل، ومن المؤسف أن المواطن اليهوديّ الإسرائيليّ، وأثناء ممارسته حقّه الانتخابيّ،  لم يأخذ بعين الاعتبار، الإخفاقات والمآسي التي جلبتها حكومة اليمين المتطرّف هذه.


 وهو الحال بالنسبة لعبر السابع من أكتوبر، على صعيد علاقة المؤسّسة الإسرائيليّة بالمواطنين العرب في إسرائيل، وهي علاقة طالما اتّسمت بالتوتّر بين البعد المدنيّ  أي المواطنة الإسرائيليّة، والبعد القوميّ العربيّ أو الفلسطينيّ، لكنها وبعد أحداث السابع من أكتوبر   دخلت نقطة تحوّل مفصليّة، بل وصلت مرحلة خطيرة تتطلّب إعادة صياغة جذريّة، خاصّة بعد ما شهدناه من تضييق للهامش الديمقراطيّ للمواطنين العرب، وهو هامش لم يكن واسعًا أصلًا، عبر خطوات من الشرطة وغيرها، شملت الملاحقة الرقميّة والاعتقالات واستُجوب المئات من المواطنين العرب بينهم  أكاديميّون وفنّانون وأطباء، على خلفيّة منشورات قصيرة اعتبرتها السلطات تحريضًا أو دعمًا للإرهاب، وحظر شبه تامّ للمظاهرات في بداية الحرب،  رغم أن سلوك المواطنين العرب تميّز بعد السابع من أكتوبر بانضباط ميدانيّ لافت وتحاشى الصدام المباشر، من منطلق فهم حساسيّة المرحلة وخطورتها وجاهزيّة المؤسّسة الأمنيّة، وإلى ذلك تضاف طبعًا التضييقيات في أماكن العمل ومؤسّسات التعليم وتحريض على الأطباء والصيادلة والمعلّمين العرب، لتأتي الانتخابات وما تخلّلها من مواقف من الأحزاب العربيّة، واعتبار العرب خارج اللعبة السياسيّة أو كتلة ثالثة، يتجنّب الباقون الاقتراب منها، الأمر الذي شكّل ضربة قاصمة  كانت دون شكّ مقصودة من اليمين المتطرّف، تماشى وتساوق معها من يسمّون أنفسهم بالمركز  واليسار ، بلغت ذروتها تأييد كافّة الأحزاب المطالب بشطب القوائم العربيّة كلّها،  للنهج الذي أخذ يزداد بين المواطنين العرب، وبدأ مع حكومة التغيير، القائم على الاندماج والمشاركة في الائتلافات الحكوميّة، فعادت  الخطابات الإسرائيليّة اليمينيّة لتعامل الأحزاب العربيّة  كلّها على أنها طابور خامس وتعامل المواطنين العرب على أن أصواتهم غير شرعيّة، وأنهم لن يكونوا شركاء في اتّخاذ القرارات، وبعد ذلك  تجميد الميزانيّات الموجّهة  للتطوير الاقتصاديّ للمجتمع العربيّ لصالح المجهود الحربيّ، وزيادة  الفجوات الاقتصاديّة وعزّز مشاعر التمييز .

 

وبالتالي لا بدّ من السؤال مرّة أخرى ، هل ستتعلّم الحكومة القادمة العبرة المطلوبة من السابع من أكتوبر ، وهل ستواصل سياسة الإقصاء والتخوين عبر تشريعات تضرّ بالمواطنين العرب، وتمنع مشاركتهم في اتّخاذ القرار وتجعلهم تحت طائلة التخوين ، بينما يصرّ المجتمع العربيّ على انتزاع حقوق المواطنة المدنيّة الأساسيّة،  أم اأن المؤسّسة الإسرائيليّة  سوف تصرّ على إرجاع هذه العلاقة إلى المربع الأمنيّ الأوّل، ليصل ذلك رفض إشراك الأحزاب العربيّة في الحكومة القادمة، إذا كانوا بيضة القبَّان لتشكيلها، حتى لو تحتم على ذلك انتخابات تتكرّر، أم ستتغلّب الحنكة السياسيّة على خطيئة تحميل المواطنين العرب في إسرائيل وزر هجمات السابع من أكتوبر التي كانوا لها ضحايا، والظاهر حتى لحظة كتابة هذا المقال ونشره أن إسرائيل ، ترفض تعلّم واستخلاص العبرة المدنيّة من هجمات السابع من أكتوبر وتصرّ على استعداء وإقصاء أكثر من 20 بالمئة من مواطنيها، ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذا الكمّ الهائل من المصوّتين العرب في هذه الانتخابات، هو الردّ والدرس لكلّ متطرّف يمينيّ يهوديّ في إسرائيل، بأنه إذا ما أعاد العرب حساباتهم وأفكارهم من جديد، وفهموا اللعبة السياسيّة كما يفهمها اليهود في أمريكا وأوروبا وحتى روسيا، فهم عازمون على أن يصبحوا  شركاء في القرار السياسيّ والأمنيّ والاقتصاديّ في الدولة.


والحال كذلك بالنسبة للسياسة الخارجيّة لإسرائيل ، فاستخلاص عبر السابع من أكتوبر وما تلاه وخاصّة ما يحدث في الضفة الغربيّة من إرهاب المستوطنين ومصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات ، يحتّم على الحكومة الإسرائيليّة القادمة أن تدرك جيّدًا حجم وعمق ومعنى التغييرات السياسيّة العميقة، والتي يمكن القول عنها أنها عامّة، والتي تسود الساحة السياسيّة الدوليّة، ما يحتّم عليها تبنّي استراتيجيّات سياسيّة ودبلوماسيّة  جديدة ومختلفة، تتّسم بالواقعيّة للتعامل مع التحديات والفرص الراهنة، في جوهرها إدراك أن الأمور قد تغيّرت، وأن الدول الأوروبيّة كلّها وأمريكا بغالبيّتها، باتت أبعد عن إسرائيل  أيّ وقت مضى، وأن الدعم التلقائيّ الذي تمتعت به إسرائيل قد انتهى، وأن العقوبات الاقتصاديّة والسياسيّة قادمة لا محالة، والتطوّرات الأخيرة في بريطانيا  التي فرضت عقوبات على مستوطنين وهولندا التي  أعلنت أنها لن تشارك في مهرجان الأغنية الأوروبيّة إذا شاركت إسرائيل، ومواقف دول أخرى منها إسبانيا، هي الدليل، ناهيك عن أنه على هذه الحكومة وإزاء تراجع تأييد إسرائيل في الولايات المتحدة وحتى داخل الحزب الجمهوريّ، أن تدرك أن عهد الدولة العظمى الوحيدة قد ولّى، واأن تراجع  تأثير الولايات المتحدة بعد خسارة سياسيّين أيّدهم دونالد  ترامب  في البرازيل وصربيا، يعزّز حالة جديدة  يمكن تسميتها إعادة تشكيل النظام العالميّ، وهكذا  تواجه الحكومة القادمة  واقعًا دوليًّا يتّسم بالتنافس الشديد بين القوى العظمى (الولايات المتحدة، الصين، وروسيا).

 

هذا الاستقطاب يفرض على إسرائيل الموازنة الدقيقة في علاقاتها السياسيّة والاقتصاديّة والتكنولوجيّة، خاصّة مع الصين، دون المساس بالتحالف الإستراتيجيّ مع واشنطن، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار أن التعاطف الذي حظيت به في بداية الحرب، لا يمنحها العفو التامّ عن خطواتها في غزة وفي الضفة الغربيّة، كما لا يمنحها الشفاعة  مقابل الضغوط في المحافل الدوليّة الدبلوماسيّة والقانونيّة في منظّمات مثل الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدوليّة، والمحكمة الجنائيّة الدوليّة، ممّا يتطلب جهودًا قانونيّة وإعلاميّة مكثّفة لحماية مكانتها ومسؤوليها ومنع اعتقالهم، وفوق كلّ ذلك الإدراك أنه رغم  بقاء الولايات المتحدة الحليف الأقوى والأهمّ لإسرائيل، هناك  ضرورة للحفاظ  على دعمها التامّ من الحزبين الجمهوريّ  والديمقراطيّ على حدّ سواء ، والعمل على منع إسرائيل من  الانزلاق داخل الاستقطاب الداخليّ الأمريكيّ، وكذلك محاولة الحفاظ على علاقات مقبولة مع الدول الأوروبيّة باعتبارها دولًا حليفة تحتاجها إسرائيل، والامتناع عن الردّ بخطوات شعبويّة على قرارات أوروبيّة منها طرد دبلوماسيّين هولنديّين أو إغلاق القنصليّة البريطانيّة في شرقي القدس ، والتراجع عن ذلك لاحقًا وتسميتها البعثة البريطانيّة للتمويه، أو التدخّل إلى جانب الأرجنتين في النزاع والخلاف الذي ما زال دائرًا حول جزر فوكلاند، أو المالفيناس بلغة الأرجنتينيّين وعرفهم.

 

والحال ذاته  بالنسبة لاتفاقيّات التطبيع والسلام مع الدول العربيّة، والتي تشهد، ما عدا تلك مع الإمارات العربيّة المتّحدة، ركودًا بل تراجعًا،  إذ يرى الخبراء أن تعزيز "اتفاقيّات إبراهيم" وتوسيع دائرة السلام الإقليميّ، لتنضمّ إليه ربما السعوديّة، يجب أن يكون في مقدّمة سلّم أولويّات الحكومة القادمة، رغم ما يحمله ذلك من شروط سعوديّة تتعلّق بالدولة الفلسطينيّة، أو وفق التعريف السعوديّ، الممرّ المضمون نحو الدولة الفلسطينيّة،   إضافة إلى أنه يمكن أن   يشكّل حجر الزاوية في مواجهة النفوذ الإيرانيّ ومحاولات طهران الحصول على أسلحة نوويّة وصواريخ بالستيّة عابرة للقارات، وباختصار على الحكومة القادمة أن  تضع سياسات تدعم الاستقرار الإقليميّ، وتفتح آفاقًا للتعاون الاقتصاديّ والأمنيّ وإنهاء النزاعات، والكفّ عن استعمال السلاح من كل حدبٍ وصوب. 


ويبقى السؤال هل ستعاد الانتخابات لعدم تشكيل حكومة مع الأحزاب العربيّة التي من المفروض أن تجتاز هذا الامتحان السياسيّ   والتنازل عن كثير من الشعارات ، لتنقذ الشعب اليهوديّ من كيده من جهة، ولتخرج المواطنين العرب من العزلة والإقصاء، كي تصبح الحكومة نموذج شراكة عربيّة يهوديّة، ما يحمل أهميّة كبرى على صعيد العالم العربيّ وأوروبا وروسيا والصين وأمريكا، لأن إسرائيل قوّة عظمى سياسيًّا وأمنيًّا وتكنولوجيًّا.


ومن انتخابات  إسرائيل إلى تلك الفلسطينيّة والتي كانت مقرّرة  الشهر القادم، لكنّ الرئاسة الفلسطينية أجّلتها، والتي كانت ستجرى تحت وطأة السابع من أكتوبر، والحرب التي تلته وما سبّبته من تزايد للانقسام الفلسطينيّ، وبالتالي على الفلسطينيّين من حماس والسلطة وكافّة الفصائل وانطلاقًا من كون أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب مدمّرة نقطة تحوّل كبرى، استخلاص العبر السياسيّة وتغيير جذريّ في الإستراتيجيّة، إذا كانت  هناك أصلًا  استراتيجيّة، وليس شعارات على كافّة الأصعدة، وخاصّة اعتماد التزمّت الدينيّ وإلغاء الآخر، وإعادة دراسة وفهم ميزان القوّة على  ضوء ردّ الفعل الإسرائيليّ على هجمات السابع من أكتوبر والتي دمّرت أجيالًا من الشعب الفلسطينيّ، مع الأخذ بالاعتبار الفارق الهائل في ميزان القوى العسكريّة، فرغم أن الهجمات تسبّبت بخسائر كبيرة لإسرائيل، لكنها أدّت بالمقابل ، إلى حرب شاملة ودمار واسع وغير مسبوق للبنيّة التحتيّة في غزة، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا والنازحين، ممّا يفرض مراجعة دقيقة لتقدير ردود الفعل العسكريّة والسياسيّة للطرف الآخر، وضرورة النظر في الحاجة إلى مرحلة جديدة ينتقل الفلسطينيّون رغم صعوبة ذلك بسبب الظروف الإقليميّة والعالميّة، من مرحلة إدارة الصراع إلى حلّه، أو السعي إلى ذلك على الأقلّ باعتبارهم الطرف الأضعف،  وذلك على الرغم من رغم أن هذه الهجمات، وهي حقيقة تتطلّب الاعتراف بها، أعادت بثمن باهض للغاية،  القضيّة الفلسطينيّة إلى  أجندة العالم، وصولا الى الشأن الداخلي ، حيث كشفت الأحداث بعد السابع من أكتوبر عمق أزمة القيادة الفلسطينيّة وتفكّكها بين الفصائل المختلفة،  وربما بكلمات أدق عدم وجود قيادة فلسطينيّة مؤثّرة، اللهم باستثناء استدرار بيانات الشجب من دول إسلاميّة وعربيّة ليس إلا،  خاصّة مع انعدام  الوحدة الوطنيّة، ما أكّد مرّة أخرى أن  الانقسام السياسيّ والجغرافيّ بين الضفة الغربيّة وقطاع غزة يضعف الموقف الفلسطينيّ.

 

وبالتالي لا مفرّ من تشكيل قيادة  فلسطينيّة موحّدة وجديدة ، يمكنها صياغة استراتيجيّة عمل سياسيّة تلائم الوضع الحاليّ، ومن المفروض أن يفرز الشعب الفلسطينيّ قائدًا مثل المرحوم محمد أنور السادات، مع الأخذ بعين الاعتبار محدوديّة وعجز  الدعم الخارجيّ، وعدم جدوى الرهان على الجهات الدوليّة وحتى الإقليميّة في مساعدتها، مثلًا الرهان الحمساويّ على انضمام حزب الله إلى المعركة منذ اليوم الأول، والتفطّن إلى أن لكل الأطراف الإقليميّة، حتى تلك التي تدعي كونها في محور المقاومة، اعتباراتها  وحساباتها الخاصّة. وبالتالي حتميّة الاعتماد على الذات وعلى موازين القوى الشعبيّة والسياسيّة الفلسطينيّة، وإدراك الثمن البشريّ للحرب، فالحقيقة الساطعة والمؤلمة، بل الكارثيّة هي أن الهجمات الفلسطينيّة، والتي من الواضح أنها لم تأخذ بعين الاعتبار للثمن البشريّ، انتهت إلى تدمير مقوّمات الحياة في قطاع غزة والتهجير القسريّ والأذى للشعوب والدول العربيّة. وعليه، من المفروض أن يوضع على عاتق أيّ حركة أو فصيل فلسطينيّ، الموازنة بين الأهداف العسكريّة وحماية الحاضنة الشعبيّة التي تدفع الثمن الأكبر في هذه المواجهات واستخدام السلاح.


ختامًا، قد يقول قائل إن من حقّ الفلسطينيّين والإسرائيليّين على حدّ سواء اختيار حكوماتهم، أو قياداتهم التي يرونها مناسبة، وأنه ليس من حقّ أحد التدخّل في ذلك، أو سؤالهم عن قرارهم، أو مطالبتهم باستخلاص العبر من أحداث الماضي، انطلاقًا من أنه يحقّ للشعوب اختيار قياداتها السياسيّة وممارسة الإرادة الانتخابيّة بحكم مبادئ السيادة، والحقّ في تقرير المصير ، لكون العمليّة الانتخابيّة شأنًا خالصًا للشعوب، وكون ممارستها تعني قبول خيارات الناخبين بغضّ النظر عن مواقف وطبيعة  القيادة التي تفرزها الانتخابات،  وأن مطالبة الشعوب بتفسير اختياراتها وخياراتها الانتخابيّة، هو مسّ بالقرار المستقل للمواطن،  وهذا صحيح. ولكن حان الوقت، كما يبدو، للتأكيد على أن ما سبق يجب أن يتماشى أو ألا يتناقض مع الأعراف والاتفاقيّات الدوليّة.

 

فالانتخابات لا تُجرى في بوتقة مغلقة بعيدة عن الصراعات السياسيّة والداخليّة. ولذلك فإن استخلاص العبر من ماضي الصراع العربيّ والفلسطينيّ والإسرائيليّ، ضروريّ لتقييم مدى فعالية الإستراتيجيّة السياسيّة في تحقيق السلام والاستقرار، وليفهم الناخبون أن قراراتهم تحمل مسؤوليّات تؤثّر بشكل مباشر على مستقبل الصراع والعلاقات الإقليميّة والدوليّة، وبالتالي عليهم المفاضلة بين التصويت بفعل غضب على الماضي أم بفعل النظرة إلى المستقبل المنشود.

 

ومن هنا، حان الوقت ليختار الإسرائيليّون والفلسطينيّون على حدّ سواء قيادات تنظر إلى المستقبل، وتعمل على تحسينه، ولا تنظر إلى الماضي وتصرّ على تكريسه، قيادات تسعى إلى تحقيق مستقبل أفضل عبر رؤية قياديّة شجاعة تركّز على البناء والتقدّم والحياة للشعوب بدلًا من الاستمرار في إعادة اجترار صراعات الماضي، تركّز على التنمية والازدهار ورفاهية المواطن وحياته، واحترام الإنسان وصون كرامته وليس على بقائها في الحكم. قيادة تعزّز بناء جسور الثقة ببراغماتيّة بعيدة عن الغوغائيّة والشعبويّة والتطرّف الدينيّ والسياسيّ، وإشراك قيادات جديدة لم تتأثّر بعقود من العداء، وتريد أن تتماشى مع الواقع والعصر الحديث، والانتقال من إدارة الصراع إلى صنع السلام وبناء المستقبل، وتوفير حياة آمنة ومستقرّة للشعبين والدول المجاورة.

 

ومن المفروض أن يسعى لذلك الشعبان الإسرائيليّ والفلسطينيّ، حتى لو لم يدركوا ذلك، أو يعترفوا به حتى اليوم بفعل الظروف.  وبالتالي على القيادات أن ترسم معالم الطريق، وأن تقود إلى هناك على أحسن وجه، إذا أرادت الخير لشعوبها أوّلًا وللمنطقة والعالم ثانيًا. وكما قال بيل غيتس:" القيادة في جوهرها تتمثّل في القدرة على قيادة الناس نحو تحقيق الأهداف على الوجه الأكمل ". وحان الوقت أن تعيش شعوب هذه المنطقة في سلام وتقدّم، لأنّ السلاح الفتَّاك قد يأتي على الأخضر واليابس، حتى لمن يتصوّر ذاته بأنّه المنتصر، فلا انتصار في الحرب ... وتلك سُنّة سارية منذ الأزل إلى يومنا هذا.

 

תגובות

מומלצים