هل يستبدل القطب الأعظم الاستعمار التقليديّ بالإمبرياليّة الاقتصاديّة

وبالأرقام نبدأ، فالأرقام والمعطيات ضروريّة في هذا المقام من أجل الإيضاح والوضوح، ونقل الرسالة دون لبس، وكذلك تحوّيل الأفكار المجرّدة إلى حقائق ملموسة وفهم ومقارنة، خاصّة في موضوعنا الحاليّ الذي يجيء بعد أيّام من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وبكلمات أصحّ اختطافه من مقرّه الرئاسيّ خلافًا للقانون الدوليّ، وانتهاكًا صارخًا لسيادة بلاده

17.01.2026 מאת: المحامي زكي كمال
هل يستبدل القطب الأعظم الاستعمار التقليديّ بالإمبرياليّة الاقتصاديّة

 

وقبل أيّام أو ساعات ربما من عمليّة عسكريّة أميركيّة في إيران، تنفيذًا لتصريحات الرئيس دونالد ترامب بمساعدة المحتجّين ضد النظام إذا ما استمرّ سقوط الضحايا بين المتظاهرين والمحتجّين. ويتطرّق إلى قضيّة  عودة الإمبرياليّة والاستعمار، ولكن بطرق مختلفة وذرائع متنوّعة تتجنّب الحقيقة، وتحاول إلباس هذا الأمر ثوب الفضيلة، وإضفاء الصبغة الإيجابيّة عليه، في محاولة لتبرير هذه الظاهرة التي اعتقد كثيرون أنها  أصبحت في عداد الماضي في الدول الديمقراطيّة والولايات المتحدة بضمنها، فهي تُسمّي نفسها عرش الديمقراطيّة، بل إنها ما زالت مقتنعة أنها ومعها دول أوروبيّة أخرى، ترفع راية الدفاع عن الحريّة والديمقراطيّة وكرامة الإنسان، كما حاولت تبرير موقفها من الحرب في أوكرانيا، والتي يؤكّد الجميع أن التدخّل الأميركيّ والأوروبيّ كان السبب في إطالتها، وتحويلها إلى حالة يوميّة ودائمة  غابت عن العناوين المركزيّة للصحف.

 

وهو اعتقاد له ما يبرّره خاصّة أن تجارب الماضي القريبة منا جغرافيًّا، وتحديدًا حربي الخليج الثانية والمعروفة عسكريًّا باسم عمليّة عاصفة الصحراء والتي استمرت من آب1990 وحتى 17  كانون الثاني 1991والتي شنّتها  بتفويض مجلس الأمن ، الولايات المتحدة الأمريكيّة  برئاسة جورج بوش الأب ومعها 34  دولة ضدّ العراق لتحرير الكويت من الاحتلال العراقيّ،  وحرب الخليج الثالثة بحجّة البحث عن أسلحة الدمار الشامل عام  2003 والتي استمرّت أكثر من شهر بقيادة  قوات الولايات المتحدة برئاسة جورج بوش الابن، ومشاركة بريطانيا وأستراليا وبولندا، أثبتت أن سياسة التدخّل التي انتهجها رؤساء الولايات المتحدة خاصّة بوش الأب والابن في الماضي القريب، لم تعد بالفائدة من جهة، ولم تحقّق النتائج المرجوّة منها، كما أنها من جهة أخرى شكّلت نوعًا جديدًا، وربما أخطر من الاستعمار والإمبرياليّة، ما يثير تساؤلات حادّة حول الدوافع والأسباب  من جهة الولايات المتحدة، خاصّة أن  الباحثين أحصوا 41 حالة بين عامي 1898 و1994 نجحت فيها الولايات المتحدة في إحداث تغيير الحكَّام في أمريكا اللاتينيّة، عبر استخدام القوة العسكريّة والتدخّل المباشر  لقوّاتها، أو استخباراتها في  17 حالة، أو الاستعانة بمواطنين محليّين  متعاونين للقيام بهذا العمل  مقابل دعم مالي.

 

وهذه إحصائيّات لا تشمل حالات فشلت فيها الولايات المتحدة في تغيير النظام، كما حدث  في كوبا عام 1961، عندما حاولت الإطاحة بالحكومة الشيوعيّة هناك وإقامة  نظام موالٍ لها في عمليّة عُرفت باسم غزو خليج الخنازير، كادت أن تُشعل حربًا نوويّة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وحالات نجحت، لكنها انتهت إلى نتائج معاكسة منها غزو هايتي عام 1915، والذي ارادت منه اميركا ضمان الاستقرار ومنع سيطرة الدول الأوروبية، لكنه انتهى باحتلال دام 19 عامًا، وفرض الحكم الموالي لأمريكا، وانتفاضة مدنية، والإطاحة بحكومة غواتيمالا  المنتخبة ديمقراطيًّا عام 1954، لعرقلة الإصلاح الزراعيّ الذي ادّعت أنه  سيضرّ بمصالح شركة أمريكيّة كبرى،  والتدخل الأمريكيّ طويل الأمد في بنما، والذي بلغ ذروته في اعتقال رئيسها مانويل نورييغا عام 1989.


ما سبق  من معطيات ومعلومات ليس جديدًا ولا يأتي من فراغ ، بل إنها سياسات موثّقة في كتب التاريخ عبر منظّرين في مجال السياسات الأمريكيّة الداخليّة والخارجيّة، منهم خاصة ويليام إبيلمان وليامز، المؤرخ الأمريكي المؤثّر الذي تحدّى الادعاءات والتبريرات والنظرة التقليديّة للسياسة الخارجيّة الأمريكيّة في سياق الحرب الباردة، التي قال إنها  ليست فقط صراعًا أيديولوجيًّا  بين الرأسماليّة والشيوعيّة، بل استمرار مباشر للسياسة الإمبرياليّة الأمريكيّة، وأكّد بخلاف الادعاءات الرسميّة الأميركيّة أن سببها لم يكن عسكريًّا وأمنيًّا فقط، بل إنه وبكلماته هو، كان للإمبريالية الاقتصاديّة دور رئيسيّ  ملخّصه الرغبة في توسيع السوق الأمريكيّة كقوة دافعة وراء تحرّكات الولايات المتحدة في العالم، مشيرًا إلى أن السياسة التي تسميها الولايات المتحدة سياسة الباب المفتوح، والتي تهدف إلى ضمان الوصول المتساوي إلى الأسواق الدوليّة للسلع الأمريكيّة، والتي عبَّر عنها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بفرض الجمارك الباهظة على المنتجات والصادرات الصينيّة، الواردات إلى الولايات المتحدة، مدّعيًا أن ذلك يهدف إلى منع انتقال الصناعات إلى الصين وكندا والشرق الأقصى، واستغلال عوامل الإنتاج الأرخص، و توفير المزيد من فرص العمل في الاقتصاد الأميركيّ.

 

وهي اعتبارات أصبحت في الواقع تعبيرًا عن الإمبرياليّة الأمريكيّة، إذ تصرّ الولايات المتحدة على إجبار هذه الدول على تبني نماذج اقتصاديّة، كما مع الصين وكندا والدول الأوروبيّة، وسياسيّة كما في حالة إيران ومشروعها النوويّ وحالة فنزويلا وعلاقاتها مع الولايات المتحدة، تتوافق مع مصالح الولايات المتحدة، ما يعني أن الولايات المتحدة انتقلت، وفقًا للتعريف الذي لخّصه إبيلمان، بأنه فرض إمبرياليّ بدلًا من الاستعمار بمعناه التقليديّ، أي  سيطرة دولة قويّة على دولة أخرى أو شعب آخر بشكل مباشر أو غير مباشر، وبسط السيطرة السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة عليه، واستغلال موارده وثرواته، إلى الإمبرياليّة، أي تطبيق  أيديولوجيّة تسعى الدولة القويّة من خلالها إلى بسط وتوسيع توسيع سيطرتها ونفوذها على دول أخرى.

 

وبكلمات أخرى  استبدال السيطرة العسكريَّة بتفعيل  سيطرة بواسطة الاقتصاد على المرافق المختلفة للدولة المُسَيْطَر عليها، خدمةً لمصالحها السياسيّة يمكن القول إن سياسات الولايات المتحدة اليوم، وكما اتضح من حالة فنزويلا وتهديد إيران بضربة عسكريّة سبقتها عقوبات اقتصاديّة على طهران، وعلى دول ومؤسسات تتعاون معها، تطبق الإمبرياليّة  بمفهومها الأوسع والأيديولوجيّ، بدل الاستعمار والذي يشكل مظهرًا من مظاهر الإمبرياليّة يقوم على الاحتلال المباشر للأرض، وباختصار "احتلال ناعم"  هو اقتصاديّ وليس عسكريًّا احتلاليًّا وهذه مرادفة   تظهر لأول مرة، وتخدم في النهاية مصالح اقتصاديّة وسياسيّة .


 ما سبق، يعني أننا في عهد الرئيس ترامب أمام حالة جديدة من   العلاقات الدوليّة هي في الواقع فوضى عالميّة راهنة، ومرحلة جديدة من عدم الاستقرار في العالم لم تعد يقتصر على الدول المتحاربة عسكريًّا، بل تغطي مساحات شاسعة، وليس بالضرورة أن تتم على طول الحدود.

 

هذا هو الحال في الصراع بين إسرائيل وحماس والذي وصل أيضًا الأراضي الإيرانيّة والقطريّة واللبنانيّة وهدّدت إسرائيل بأن يطول قادة حماس في كل بقعة يتواجدون فيها، كما أنه الحال في الصراع الإستراتيجيّ بين إسرائيل وإيران الذي نقلته إيران إلى العراق وسوريا ولبنان عبر حزب الله، وحتى الصراع بين روسيا وأوكرانيا، الذي يمتدّ إلى ما هو أبعد من الحدود، لدرجة أنه لا يوجد مكان للتراجع، ولا مجال للاتفاق، بل إن الأقرب إلى الحدوث هو محاولة أميركيّة واضحة ومكشوفة لإخضاع الطرف الضعيف، كما فعل ترامب مع الرئيس الأوكراني فلوديومير زلينسكي خلال لقائهما المشهود في واشنطن، إذ حاول إخضاعه للشروط الأمريكيّة وحتى تلك الروسيّة باعتباره الطرف الأضعف الذي لا قائمة له دون الدعم الأمريكيّ، وبالتالي عليه الخضوع للإمبرياليّة الأمريكيّة الحديثة والقبول بمواقف تتوافق مع مواقف ومصالح أميركا السياسيّة والاقتصاديّة وإلا الويل له.

 

وهكذا تم طرده من البيت الأبيض، وهكذا حدث مع فنزويلا التي كان السبب الحقيقيّ لمهاجمتها أمريكيًّا الرغبة في تحقيق أهداف جيوسياسيّة أمريكيّة منها تقويض النفوذ الصينيّ والروسيّ، المتزايد في أمريكا اللاتينيّة،  أي إضعاف نظام مادورو وإعادة فنزويلا لتكون ضمن الهيمنة الأمريكيّة، باستخدام خطوات منها  العقوبات  الاقتصاديّة المشدّدة والتهديد العسكريّ، مبرّرة ذلك بمزاعم واهية منها اتّهام نظام مادورو بالديكتاتوريّة وانتهاكات حقوق الإنسان وتهريب المخدرات، وكلّها مبرّرات لتحقيق أهداف سياسيّة منها سحب البساط اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا من تحت أقدام الصين وروسيا. والضحية فنزويلا، والوسيلة إمبرياليّة جديدة وناعمة.


ورغم أن الحال ليس بجديد، وأنه من المعروف أن أمام الرئيس الأمريكيّ، رئيس الدولة العظمى، إمكانيّة اختيار أحد نهجين في علاقته مع العالم، فإما  التجاهل أو الانعزاليّة، كما حدث في الحرب التي دارت بين العراق وإيران من العام 1980 وحتى العام  1988 أو الموقف من الحرب الأهليّة في سوريا،  التي كان الرئيس الأمريكي الأسبق  باراك أوباما قد صرَّح أن أيام  بشار الأسد باتت معدودة، دون أن  يفعل شيئًا لتحقيق نبوءته، وبين  التدخّل كما حدث في حرب الخليج الثانية وحرب الخليج الثالثة ، وهو اختيار يمكن تنفيذه عبر  أحد أمرين أولهما  الحزم،  أي التلويح باستخدام القوة وإرغام الأطراف على قبول إملاءات أميركا دون استخدام القوة،  وهو ما حدث في  قضية التهديد لإيران باستخدام القوّة إذا لم تلجأ إلى مفاوضات مع الولايات المتحدة حول المشروع  النوويّ خلال ستّين يومًا.

 

وهو ما انتهى إلى قيام إسرائيل في حزيران الماضي بقصف إيران بعد انتهاء هذه المهلة دون أي تفاوض، وانضمّت الولايات المتحدة إليها، وثانيهما التسلّط أو استخدام القوة وانتهاك سيادة الدول. وبالتالي يمكن القول إن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ينتهج سياسة التدخّل في شؤون الدول الضعيفة. وهو أمر يرى فيه كثيرون جوانب إيجابيّة، لكنه اختار أن يفعل ذلك عبر التسلط وليس الحزم، وفي هذا خطر كبير، وهذا ما دفعه وبعد أيام من تصريحه في مقابلة متلفزة مع برنامج "60 دقيقة"، بأن أيام الرئيس الفنزويلي مادورو باتت معدودة، إلى غزو فنزويلا واعتقال رئيسها، بمعنى أن ترامب، لم يكتف بالتصريح، بل فعل ما يلزم لتحقيق ما وعد به إعلاميًّا.

 

الخطورة الكبرى هنا، وكما يتضح من حالة فنزويلا وممّا سبقها في العراق، أن الانتقال إلى مرحلة سياسيّة جديدة بعدها، أو   مرحلة المفاوضات التي يراد منها التوصّل إلى اتفاقيّات وتفاهمات سياسيّة تنفيذًا لرغبات ومصالح الولايات المتحدة في حكم فنزويلا. تستغرق وقتًا طويلًا. كما أن نتائجها  غير مضمونة، فالديمقراطيّة في العراق لم تحصل، بل حلّ محلّها التشرذم والتطرّف.

 

أما الفراغ الذي خلّفه التدخّل الأمريكيّ فقد ملأه سلاح داعش ومجازرها ضد المدنيين الذين لم يرق لها موقفهم أو معتقدهم أو غير ذلك، كما أن تدخل باراك أوباما كرئيس للولايات المتحدة في أحداث مصر ومناشدته للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بالتنحّي عن منصبه بعد أحداث واحتجاجات ميدان التحرير،  والسماح بانتخابات ديمقراطيّة فكانت نتيجته صعود  حركة الإخوان المسلمين وبعدها الانقلاب عليهم واعتلاء عبد الفتاح السياسي سدّة الحكم والأمثلة كثيرة.  أما تدخّل ترامب وإعلان دعمه لأحمد الشرع أبو محمد الجولاني ومنحه صكوك الغفران، ومنع إسرائيل من مواصلة وتوسيع نشاطاتها العسكريّة جنوبي دمشق فقد أثمر مجازر في منطقة السويداء والساحل واستمرار حالة عدم الاستقرار في حلب وغيرها من المناطق.  

 

وهو ما حدث حين بدأت عمليّات استخراج المعادن النادرة في أفريقيا منذ عقود، لتقوم دول أوروبيّة منها فرنسا وغيرها باحتلال وقمع  دول القارّة بحجّة المحافظة على الاستقرار وضمان التنمية والدفاع عن حقوق الإنسان.

 

وهذا ما يحدث اليوم في فنزويلا، التي أراد ترامب بعد اعتقال رئيسها أن تقف الشركات الأميركيّة الكبرى وخاصّة تلك العاملة في مجال النفط، في طابور مزدحم انتظارًا لجزاياه وعطاياه راجية متوسّلة منحها امتيازات للتنقيب عن النفط الفنزويلي، لتصدمه الحقيقة ومفادها أن الشركات الأمريكيّة لا تستعجل  افتتاح مكتب لها في كاراكاس، وأن شركات النفط الأمريكيّة ترفض التورّط في استخراج النفط الفنزويلي، وبالتالي يبدو حتى الآن أن اختطاف نيكولاس مادورو من سريره في 3 كانون الثاني عام  2026 على يد القوات العسكريّة الأمريكية ما زال حتى اليوم مجرّد مشهدٍ أراده ترامب، يبدو للناظر من بعيد أنه عرض تلفزيونيّ استعراضيّ وانفجارات كبيرة  ضربت انحاء العاصمة كاراكاس، وصوّر لمادورو وهو يُقتاد مكبّل اليدين للاعتقال تمامًا، كما في أفلام الغرب الأمريكيّ حين يتم اعتقال الأشرار، ولكن وبعد زوال البهرجات الإعلاميّة  ونشوة نشاط قوة دلتا الخاصّة، وانتشار معلومات حول الإصابات بين أفرادها، تبقى أسئلة كثيرة، أهمّها  زيف الحديث عن تغيير في السلطة في فنزويلا فالحكومة هناك باقية كما هي بما فيها كافة الوزراء  ونائبة مادورو وحتى نجله، أي أن النظام رغم اختطاف قائده السياسيّ، ما زال يحتفظ بسلطاته ومواقع تأثيره منها الرئاسة المؤقّتة بيد  نائبه  السيدة ديلسي رودريغيز، واستمرار السيطرة على مؤسّسات قضائيّة هامّة منها المحكمة العليا، والنيابة العامّة، فضلًا عن أنه لم يضع حدًّا للخطاب الرسميّ المناهض للولايات المتحدة والإمبرياليّة والذي ما زال يتردّد على ألسنة  المسؤولين.

 

أما الحديث عن نفط فنزويلا فهو ضرب من الغيب، خاصّة وأنه نفط اتفق على تسميته بالنفط الملوّث أو بالإنجليزية Dirty Oil ومن هنا جاءت ردود فعل الشركات الأمريكيّة المنتجة أو المستخرجة للنفط، والتي لم تسارع إلى إبداء استعدادها للتعامل مع هذا النفط، خاصّة وأن استخراجه يستوجب تقنيات عالية التكلفة لوجوده في مناطق جبليّة وصخريّة.


 الخلاصة، ترامب الرئيس  كما ترامب رجل الأعمال ، يبحث عن الإنجاز السريع   عبر التسلّط بشكل عامّ، ومع أكبر قدرٍ من النشر والبهرجة الإعلاميّة وترامب كما ترامب يريد التملّك كما فعل كرجل أعمال سيطر على مناطق شاسعة من نيويورك خاصّة الأحياء غير الغنيّة، والسيطرة على مشاريع سكنيّة في بروكلين وكوينز قبل الانتقال إلى ناطحات السحاب الفاخرة في مانهاتن  وإقامة برج  ترامب الشهير، ونذكر جميعًا حديثه عن ريفييرا غزة وسيطرة الولايات المتحدة عليها،  وتهديده بالسيطرة على منطقة غرينلاند التي تملكها دولة أوروبيّة ديمقراطيّة عضو في الاتحاد الأوروبيّ وحلف شمال الأطلسيّ حليف أمريكا، واتفاقيّاته مع الدول الخليجيّة بمئات مليارات الدولارات، وبيعها ما أرادت من أسلحة دون حساب كما حصل مع تزويد تركيا والسعوديّة بطائرات إف 35،  وتوقيع اتفاقيّات دفاع مشترك مع قطر بغضّ النظر عن سياساتها ومواقفها ودعمها لحركة الإخوان المسلمين  وبضمنها حركة حماس في غزة، التي أعلنها ترامب نفسه حركة إرهابيّة   ما يعني  أن المصالح الاقتصاديّة  ستكون واحدة من أبرز سمات  ومميزات الاضطراب العالميّ، أو حالة عدم الاستقرار العالميّ الجديدة.

 

أما المعطيات والحقائق لا  تثير اهتمام أحد، بل إن الأهم في خضم عدم الاستقرار هذا هو  نسب المشاهدة ومدى النجاح في تضليل أو تجييش، أو تجنيد الرأي العام، ما يمكّن الدول المتقدّمة تكنولوجيًا وبكبسة زر، وباستخدام  الاتصالات الخلويّة المتطوّرة  إشعال شرارة التغيير  وإيران اليوم خير مثال،  وحشد الجماهير وإثارة حماسها خدمة لأهداف سياسيّة واقتصاديّة لا علاقة لها أحيانًا بالواقع والرواية الصحيحة والحقيقة، والأنكى من ذلك أن تصرّف الولايات المتحدة  في فنزويلا قد يفتح الباب على مصراعيه أمام دول أخرى لتكرّر هذا الفعل، فإذا كانت سيّدة العالم وعرش الديمقراطيّة قد قبلت أن تجعل اختطاف القيادة  السياسيّة أو غيرها أمرًا مقبولًا،  فلماذا لا تحذو حذوها دول أخرى في ذلك، تدرك أن واشنطن بعد اليوم لن تنتقدها، فهي لن تنهى عن خلق أتت هي بمثله

 

ولماذا مثلًا يمكن اعتبار عملية اختطاف مادورو، إيذانًا لإسرائيل  بالقيام بالعمل نفسه ضد القيادة الإيرانيّة، لا سيما في ظل تصاعد الاحتجاجات الداخليّة هناك؟؟ أوليس ذلك شرعنة لعالم يسوده الفساد الذي يخدم المصالح الذاتيّة، والذي قال عنه نلسون مانديلا إن "الفساد ليس مجرّدَ سرقةٍ للمالِ العامّ، بل هو سرقةٌ لأحلامِ الناسِ ومستقبلِهم"، أو أن ما حدث في فنزويلا والفارق الشاسع بين الحقيقة الكامنة وراءه وبين المسوغات التي سيقت لتبريره، والتي يصدّقها العامّة والتابعون،  دليل على عالم لا يمكن للسياسيّ فيه أن يكون صادقًا ونزيهًا وشفافًا وصريحًا، بل مناورًا يلتفّ على الحقيقة، وهو ما أجاد وينستون تشرتشل رجل الدولة والسياسّي، ورئيس وزراء بريطانيا إبّان الحرب العالميّة الثانية  وصفه بقوله:" رأيت وأنا أسير في أحد المقابر ضريحًا كتب على شاهده هنا يرقد الزعيم السياسيّ والرجل الصادق، فتعجّبت كيف يدفن الاثنان في قبر واحد".

 

תגובות

מומלצים