الظنّ، التجسّس والغِيبة

تزداد في الآونة الأخيرة في كرملنا وغيره عادات غير مقبولة وغير أخلاقية قد تمسّ بمجتمعنا وتهدد كيانه وكماله، ومن ذلك التجريح، التشهير، الغيبة والنميمة، ناهيك عن تفشّي المخدرات والسموم والسرقات وغيرها.

25.04.2010 מאת: حسام منصور
الظنّ، التجسّس والغِيبة

لن أقف في هذه العجالة على جميع هذه الشوائب، إنما سأكتفي بثلاث منها تقترن بعضها ببعض بالضرورة وتكمل إحداها الأخرى، وأكبر دليل على ذلك ذكرهن مجتمعات في آية قرآنية واحدة حيث يقول تعالى في الآية 12 من سورة الحجرات: "يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظنّ  إنّ بعض الظنّ إثم ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحبّ أن يأكل أحدكم لحم أخيه ميّتا فكرهتموه".

عندما ننظر إلى هذه الآية، يمكننا ترتيبها على ثلاث مراحل وفق ترتيب معيّن يأتيك على النحو الآتي: الظن-  التجسس- الغيبة.

أشار بعض المفسرين إلى أن الظنّ هو التهمة، وما يميّز الظنون عمّن سواها أنّها كلّ ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر، والتجسّس هو البحث عن عيب الناس وعوراتهم، وهو أيضا التفتيش عن بواطن الأمور والبحث عن المخفي.

والمعنى: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطّلع عليه بعد أن ستره الخالق، والغيبة هي قوْل الأخ في أخيه ما هو فيه. والإفك هو قول الأخ في أخيه ما بلغه عنه. أمّا البهتان فهو قول الأخ في أخيه ما ليس فيه. يصبح المعنى بذلك، أنّ خاطر التهمة قد يقع للإنسان في البداية ممّا يدفعه إلى التجسّس على الخبر والبحث عنه، كذلك إلى الاستبصار والاستماع لتحقيق ما وقع له من التهمة.

بكلمات أخرى، يظن الإنسان في المرحلة الأولى بغيره أمورا سيئة، فيدفعه هذا الأمر إلى التجسس وهو البحث عن تفاصيل الأمور والتحقق من صحتها ودقتها. بعد البحث عن بواطن هذه الأمور والخوض في خصوصيات وأسرار الغير، تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة التشهير بالغير وكشف أموره أمام الآخرين، ويكون هذا الكشف بغيابه، ويدعى ذلك "الغيبة".

وقد حث بعض المفسرين كالزمخشري على اجتناب هذه الأمور وعلى أن المأمور اجتنابه هو بعض الظنّ، وإنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب لئلا يجترئ أحدٌ على ذلك إلا بعد نظر، تأمّل وتمييز بين الحقّ والباطل بأمارة بينة مع استشعار للتقوى والحذر.

ويضيف الزمخشري بأنّ الذي كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به مِمن شوهد منه الستْر والصلاح، بخلاف من اشتهر أمام الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث.

ويطالب القرطبي بالنظر إلى الأمور الظاهرة دون تتبّع عورات المسلمين، أي عدم بحث الإنسان عن عيب أخيه حتّى يطّلع عليه بعد أن ستره الخالق.

هذا من ناحية معنوية، أمّا من ناحية نحوية، فالأمر واضح أيضا. الفعل "تجسّسوا" هو فعل مضارع، وهو صورة ثانية للفعل "تتجسّسوا"- فعل مضارع (قد يكون التغيير لأسباب قد تتعلّق بصيغة القرآن والحديث)، وهو مجزوم بلا الناهية (حذفت نونه لأنه من الأفعال الخمسة).

إذن، وفق الناحيتين، لا يمكن تجاهل النهي عن التجسّس والتطلّع على الناس واقتحام خصوصياتهم، بل على العكس، هنالك حثّ وأمر بالتكاتف والتعاضد واعتبار المسلم غيره أخًا له.

وحذت السنة النبوية حذو القرآن، فنهت عن الغيبة، ومن ذلك ما ورد في الحديث عن لسان النبي محمد (ص) حين سئل عن الغيبة، فقال: "ذكْرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه" (أخرجه أبو داود في سننه).

ويقول الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" إن الغيبة كأكل لحم الميت. لكلّ إنسان خصوصياته وحياته الخاصّة، ويجب على الآخرين احترام ذلك، فلا يجوز لهم تتبّع عوراته والتجسّس عليه إذا لم تظهر منه معصية أو عمَل قبيح، وكلّ ما يقوم به من أفعال أو أقوال داخل بيته يبقى خاصّا به، ولا علاقة له بالآخرين، ولكن إن تمادى صاحبه على القيام به وتفاخر به أمام الآخرين، صار واجبًا عليهم زجره على ذلك والعمل بكلّ  الطرق الممكنة لإيقافه وردعه عن فعله.

وفي الحديث أيضا عن أبي برزة الأسلمي أنّ النبي محمّد (ص) قال:" يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم فإنّه من يتتبّع عورة أخيه المسلم يتتبّع الله عورته ومن يتتبّع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته" (أخرجه أبو داود في سننه).

بيت الإنسان هو مكان سكناه، ومن مميّزاته أنّه مكان آمن وهو يبعث الطمأنينة والثقة إلى قلب صاحبه ولكن بما أنّ  الله عالم بسريرة الإنسان وبداخليته، فبإمكانه أن يفضحه ولو كان في بيته. وهذا هو جزاء المغتابين والمتتبّعين لعورات غيرهم.

بكلمات أخرى، فإنّ آداب السنّة النبوية تأمر المسلم بالنصح لأخيه والستر عليه، وتنهاه عن التجسّس وهتك الأسرار التي سترها الخالق. كذلك فإنّ تلمّس العورات والأسرار هو من الذنوب التي تمحو الإيمان من القلوب، وتستجلب غضب الله وتهديده وفضحه لصاحب هذا الجرم.

وتجدر الإشارة إلى أنّ السنّة النبوية حثّت على حفْظ سرّ المسلم ليس في حياته فحسْب، وإنّما أيضا بعد مماته. وقد  ورد  في الحديث:" مَن غَسَلَ ميّتا فكَتَمَ عليه غَفَرَ له أربعين مرّة، ومن كفّن ميتا كساه الله من السندس واستبرق الجنة، ومن حفر لميّت قبرًا فأجنّه فيه أجري له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة" (أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين).

كما هو متّبع، فإنّه عند موت إنسان يجب غسْله وفقط بعد ذلك تكفينه ودفنه. والواجب على من يغسل الميت أن يكتم كلّ ما يراه منه، وإذا فعل ذلك، فإنّ الله سيغفر له أربعين مرّة.

وجاء في الحديث أيضا: "أذكروا محاسن موتاكم وكفّوا عن مساويهم" (أخرجه أبو داود في سننه). يوجد في هذا الحديث أمر ونهي، فالفعل "أذكروا" فيه معنى الأمر والحثّ. الحثّ على  إظهار الأعمال الحسنة التي قام بها الميّت قبل مماته وتبيينها للملأ، الأمر الذي قد يشجّع الآخرين على القيام بنفس الأعمال وهذا في صالح الأمة. كذلك هذا يفيد المؤرّخين والباحثين في كتابة التاريخ والبحث العلمي وخصوصًا إذا كانَ رجلًا مشهورًا في خدْمة الدين والبلاد.

أمّا الفعل "كفّوا"، ففيه معنى النهي، الرّدع والزّجر عن ذكْر مساوئ الميت، ويشمل ذلك عيوبه ونواقصه، وأيضا أمراضه وسيّئاته.

ولم يقتصر هذا الأمر على الإسلام فحسب، فيوجد في التوراة حثّ واضح على حفظ السرّ أيّا كان، ومصدره في الفقرة: "لا تنشر الفساد بين شعبك" (ויקרא, יט, טז). ويحث الراب موسى بن ميمون أيضا على عدم نشر الفساد بين الناس لأنّ الإنسان الذي يتجسّس على صاحبه وينقل الحديث بين الناس، حتّى وإن قال حقيقة- يؤدّي إلى خراب العالم. وكذلك במשנה סנהדרין: "المفشي للسرّ شبيه بالذي ينشر الفساد والنميمة بين الناس".

إذن، واجبٌ على الإنسان أن يستر على أخيه الميّت أفعاله المكروهة، ومن جهة ثانية عليه أن يُبرز أعماله الخيّرة التي قد يقتدي بها الأحياء من بعْده، الأمر الذي قد ينعكس بالتالي على مصالح الأمّة.

وقد تكلّم العلماء عن الستر وعن علاقة الساتر بالمستور، فأوجبوا على الساتر نصْح المستور عليه وإبصاره بعيبه، كذلك ينبغي عليه نهيه بالوعظ، التغيير باليد، والاستعانة بالغير.

نستدلّ مما تقدّم على تحريم الظنّ، التجسس والغيبة، ونخْلص إلى أنّ حفْظ السرّ وستْر العورات في القرآن وغيره هو واجبٌ شرعي لا يجوز التساهل به، وقد حثّت السنة النبوية عليه، ووعدَت فاعله بالخاتمة الحميدة وبالفوز بثواب الخالق.

תגובות

1. אמין לפני 16 שנים
אפשר להוסיף לפני שמך תואר דר'?

מומלצים