البديل لأنظمة الحكم الدكتاتوريّة والديمقراطيّة هو التكنوقراطيّة

في حالة تحمل، بل ربما تستوجب من التساؤلات والأسئلة أضعاف ما تحمله وتوفّره من إجابات واضحة، ومن جميع الأطراف ذات العلاقة، بدأت سمات اللجنة الدوليّة لإدارة شؤون قطاع غزة، والتي تبدو للبعض أمرًا مُبتكرًا وجديدًا لكنّه ليس كذلك، ما لا يقلّل من أهميّتها التي تفوق في رأيي معظم التقييمات والآراء والتفاصيل لاحقًا.

14.02.2026 מאת: المحامي زكي كمال
البديل لأنظمة الحكم الدكتاتوريّة والديمقراطيّة هو التكنوقراطيّة

 

بدأت تتّضح شيئًا فشيئًا  تمامًا كاتضاح مهامّها ودورها وذلك وفق التسمية التي اتّفق عليها، وأقصد اعتبارها حكومة تكنوقراط، أي حكومة خبراء ليست سياسيّة، رغم أن معظم أفرادها إن لم يكن كلّهم هم أبناء الشعب الفلسطينيّ وخاصّة من قطاع غزة، ورغم أن بعضهم ومنهم رئيسها الدكتور علي شعث سبق أن أشغلوا مناصب رسميّة في السلطة الفلسطينيّة.

 

أما هذه  الأسئلة والتساؤلات، وهذه كلمة حق يجب أن تُقال، فلم تأت عبثًا، بل إنها  النتيجة المباشرة للغموض الذي يلفّ هذه الحكومة ونتيجة مباشرة لطبيعتها، فهي واحدة من ثلاثة مركّبات أو ثلاثة عوامل ستنشط، أو تعمل في قطاع غزة في مرحلة اليوم التالي، أو مرحلة ما بعد الحرب، وفق خطة السلام التي وضعها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب.

 

وهذه المركّبات هي مجلس السلام ولجنة تكنوقراط فلسطينيّة ( حكومة خبراء)  وقوّة استقرار دوليّة، وبموجب القرار تكون فيها  لمجلس السلام الذي يرأسه دونالد ترامب، الكلمة الأولى والأخيرة ومنها وضع الإطار العامّ لإعادة تنمية القطاع وتنسيق التمويل الدوليّ، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي وقيادة ورئاسة وتحديد سياسات وخطوات الحكومة الانتقاليّة التي ستدير القطاع في مرحلة إعادة الإعمار التي تبدأ عمليًّا مع بداية المرحلة الثانية من اتفاقيّة أو خطّة السلام الأميركيّة ونقاطها العشرين،  بما في ذلك الإشراف على  المركّب الثاني الذي سينشط أيضًا في نفس الفترة وهو لجنة تكنوقراط فلسطينيّة غير سياسيّة تضمّ كفاءات من قطاع غزة ستكون السلطة التنفيذيّة  المدنيّة داخل قطاع غزة، تتولّى إدارة الشؤون الخدماتيّة المدنيّة، وبكلمات أخرى إدارة مدنيّة فلسطينيّة،

 تتكوّن اللجنة من شخصيّات  فلسطينيّة من ذوي الاختصاص في مجالات الصحّة والتعليم والاقتصاد والماليّة والزراعة والمياه والشؤون الاجتماعيّة، إلى جانب ملفّات الأمن  الداخليّ والشرطة، ويرأسها علي شعث، نائب وزير التخطيط الفلسطينيّ الأسبق، والمركّب الثالث هو قوّة الاستقرار الدوليّة الأمنيّة  والتي ستشكّل من جنود يصلون من الدول العربيّة والإسلاميّة ويتولون مسؤوليّة الأمن الخارجيّ،

وتحديدًا ضمان وقف إطلاق النار، ومنع أي مواجهة عسكريّة بين القطاع وإسرائيل،  ومن هنا فإن الأسئلة والتساؤلات تأتي إما من منطلق محاولة إزالة الضبابيّة التي تلفّ عمل مجلس السلام بكلّ مكوناته، أو من باب التشكيك، ولذلك ما يبرّره على أرض الواقع، في قدرة هذه الحكومة على إدارة شؤون القطاع المدنيّة، وإما من منطلق البحث عن مخرج يتيح إمكانيّة معارضتها وعرقلة عملها وتأخير وصولها إلى القطاع بحجج متعدّدة منها مثلًا كما اتّضح الأسبوع الماضي أن شعارها ( لوغو) يشبه إلى حدّ بعيد شعار السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، أو أن بعض أعضائها كانوا في منصب نائب وزير في السلطة،

وكلها محاولات تتجاهل أمورًا  عديدة أن هذا النمط من السلطات ليس جديدًا على الإطلاق بمعنى أن الولايات المتحدة لم تخترع العجلة من جديد، بل إنه مفيد إذا ما توفّرت الظروف المناسبة والصحيحة لعمله، إضافة إلى أنها وبنظرة إلى أوضاع العالم حاليًّا قد تكون، إذا ما نجحت،  رمية من غير رامٍ، أي الحل الكافي والدواء الشافي لمشاكل مستعصية تعانيها دول مختلفة في العالم بما فيها الدول الأوروبيّة والتي تعاني في قضايا عديدة من مشاكل سببها سياسات تم وضعها ليس من قبل ذوي الاختصاص ما أدّى إلى تفاقم المشاكل ومنها قضايا اللاجئين وزيادة التطرّف السياسيّ والاجتماعيّ وذلك نتيجة لخيبة الأمل من الأنظمة السياسيّة الديمقراطيّة والليبراليّة، وسنعود إلى ذلك لاحقًا.

 

قلنا إن التكنوقراطيّة أو حكم التقنيين والخبراء ليست جديدة، فهي صورة معيّنة للسلطة والحكم يتم فيها اختيار وتعيين الوزراء وأصحاب المناصب وصانعي القرار على أساس خبرتهم العلميّة والتقنيّة في مجال تخصّصهم، وليس وفق اعتبارات ائتلافيّة وحزبيّة وشخصيّة يتم فيها تغليب المصلحة السياسيّة على تلك المهنيّة والتنفيذيّة، كما أنه في الوقت ذاته مصطلح يدعم تطبيق الطرق العلميّة لحلّ  المشكلات الاجتماعيّة، وحالة سادت في اليونان القديمة بشكل ما تطورت التكنوقراطيّة في روما القديمة من خلال الاعتماد على المهندسين والمعماريّين والخبراء والمخطّطين العسكريين وتسخير الخبرات العلميّة لمصلحة الدولة وصولًا حينها إلى الابتكارات الميكانيكيّة والهندسة مثل أرخميدس،

بينما هو مصطلح يُنسب في العصر الحالي أو الحديث إلى  المهندس الأمريكيّ ويليام هنري سميث من العام 1919 ويصف حُكم المنتخبين الذين يتم الاعتماد عليهم بفضل الكفاءات التي يتمتّعون فيها. وفي هذا الأسلوب إشارة إلى أنه يعني كيانًا أو دولة أو مجتمعًا  غير ديمقراطيّ ولا بيروقراطيّ نظريًّا، خاصّة وأن القوة انتقلت من المنتخبين والبيروقراطيّين إلى التكنوقراطييّن. وهذا ربما يفسّر بعض ادّعاءات الحكومة الحاليّة في إسرائيل،

حول نقل القوّة من المنتخبين  إلى التكنوقراط في محكمة العدل العليا والجهاز القضائيّ، ومن هنا ليس بالغريب  من جهة أن يتم تطبيق هذا النموذج اليوم في قطاع غزة، وتحديدًا اليوم وفي قطاع غزة المنطقة المنكوبة التي لم تبدأ بعد مرحلة التعافي من ويلات الحرب التي دارت فيها طيلة عامين ونصف وما زالت ولو بوتيرة منخفضة، نتيجة لهجمات السابع من اكتوبر 2023، بل تحتاج إلى عقود ليتم ذلك وتحتاج فوق كلّ ذلك إلى خبرات كبيرة ونوايا صافية بعيدة عن السياسة  تسخّر كافّة المقدرات العلميّة والماليّة والإنسانيّة لخدمة المواطنين دون غيرهم وهي حالة مستعصية في القطاع الذي يفتقد اليوم وبشهادة الجميع كافّةـ أو على الأقلّ الغالبيّة العظمى من مقوّمات الحياة وأبسط مقوّماتها،

بدءًا بإعادة الإعمار وإقامة وإنشاء البنى التحتيّة الأساسيّة في مجالات الصحّة والتعليم لكافّة الأجيال والفئات، وخلق فرص العمل وتأهيل الجرحى وتوفير الخدمات النفسيّة والعلاجيّة، ولكن من المفارقة ربما أنها بسبب مأساتها وعجز أصحاب الشأن، أي حركة حماس عن إيجاد الحلول وتولّي الأدوار في مرحلة اليوم التالي، لأسباب موضوعيّة وسياسيّة محليّة وإقليميّة ودوليّة ووقائع ترتّبت على الحرب ونتائجها، أنها ربما ستصبح ساحة مناسبة، ومن باب القول مجبر أخوك لا بطل، يتم فيها  وربما عليها وعلى حسابها اختبار وتجربة خطط تفتّق عنها ذهن الرئيس ترامب،

بعضها لم يصل حدّ التنفيذ، بل بقي حبرًا على ورق ومنه على سبيل المثال مشروع الريفييرا الغزيّة، ومنها ما وصل حيّز التنفيذ وتحديدًا خطّته  المكوّنة من 20 نقطة ، والتي عرضها  صهره جاريد كوشنر في دافوس قبل أسابيع ، والجديد فيها إضافة إلى المباني الشاهقة والأبراج التي تعدّ بالمئات،

هو النموذج السياسيّ أو السلطويّ الذي تقترحه، والذي يعني تحويل قطاع غزة إلى منطقة  تحكمها لجنة معيّنة غير منتخبة، يتم التحكّم فيها عن بعد  وتتشكّل من خبراء تم اختيارهم  دون استشارة السكان المحكومين، وما على أولئك إلا السمع والطاعة، في الواقع، وهو نموذج وعلى ضوء ما شهدته غزة منذ العام 2007 ، أي منذ استيلاء حماس على السلطة، يشير إلى اتجاهات أو سيناريوهات اعتقد كثيرون أنها لن تصل الغرب،

 بدأت بعد الانتخابات التي شهدها القطاع  عام ٢٠٠٧، للمجلس التشريعيّ الفلسطينيّ، والتي أرادها الجميع عرسًا ديمقراطيًّا لكن نتائجها جاءت في نظر البعض، وربما هذا صحيح بنظرة إلى الوراء، خرابًا ودمارًا متواصلًا ومتكرّرًا،  بعد أن اتّضح أن  حماس هي الطرف المنتصر،

والشكوك حول ما إذا كانت النتائج نزيهة، وهي نتائج اعتبرتها حماس تعبيرًا عن ثقة الفلسطينيّين ، بينما اعتبرها المجتمع الدوليّ غير مقبولة، تمامًا كما اعتبر الحركة نفسها متطرّفة وغير مقبولة، بل إرهابية في عرفه القانونيّ، والخلاصة هي أنه وكما يبدو كان قدر غزة أن  تعيش حربًا أهليّة، أو صدامًا فلسطينيًّا داخليًّا مسلّحًا بين حماس وفتح،  وجولات من المواجهة العسكريّة مع إسرائيل وتدمير متكرّر، وإعادة إعمار مرة  تلو الأخرى بأموال خليجيّة عامّة وقطَرِّية خاصّة، وعقوبات وحصار  والنهاية حرب طاحنة منذ اكتوبر 2023، أنتجت  دمارًا شاملًا وغير مسبوق، لتخضع في نهاية المطاف لحكم التكنوقراط، والخلاصة الهامّة وربما الخطيرة هنا أن ما حدث في غزة منذ 2007 وحتى اليوم يعني استنتاجًا واحدًا فهمه الرئيس ترامب على وجه الخصوص وربما يريد تطبيقه في أماكن عدّة ، مفاده أنه إذا ما أنتج النظام الديمقراطيّ، أو الليبراليّ أو اختيارات الشعب أيًّا كان ، نتائج غير مرغوبة، أو بالغة الخطورة،   فالخيار الوحيد هو تفعيل مبدأ  التكنوقراطيّة، ربما كمخرج أخير وحلّ متّفق عليه، أو ربما مفروض من الأعلى، يراد به إنهاء الفوضى لكنّه نوع جديد من الاستبداد.

 


وانطلاقًا من كون العالم قرية واحدة صغيرة، وعلى ضوء سياسة القطب الواحد والدولة العظمى الوحيدة، وإزاء ما حدث في غزة وقبلها اختطاف نيكولاس مادورو والحديث في واشنطن، وخاصّة في إسرائيل عن ضرورة الإطاحة بنظام ولاية الفقيه في إيران، وعلى ضوء النتائج المأساوية التي تعيشها إيران ويعانيها مواطنوها، رغم أنهم هم من اختاروا هذه القيادة عبر انتخابات رئاسيّة وبرلمانيّة، تدور دائمًا الشكوك حول مصداقيّتها،    لا بدّ من السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وفي عهد دونالد ترامب وعلى هداه، ستحاول تنفيذ الأمر نفسه في أماكن أخرى ، أي فرض حكومات تكنوقراطيّة يتم اختيار أعضائها من واشنطن ترامب، في إيران مثلًا إذا لم ترق للولايات المتحدة تصرفات قياداتها التي ربما سيتمّ التعامل معها كما تعاملت واشنطن مع الرئيس الفنزويليّ، في تكرار لهذا النموذج ربما في دول هي اليوم  أكثر استقرارًا وثراءً من غزة، وبخلاف  الموجة الشعبويّة  التي تسود دولًا أوروبيّة  تمامًا كما تسود واشنطن، والتي تُناقض ظاهريًّا النموذج التكنوقراطيّ وتُعارضه وترفع  من شأن إرادة الشعب وخياراته( الشعب اختار )،

وهي احتمالات تستوجب أسئلة إضافية تتمحور حول السلطة، أو القوة  الفعالة التي ستفرض الحكم التكنوقراطيّ وتوفّر له الدعم، فالأنظمة التكنوقراطيّة لا تقوم على أساس شرعيّة ديمقراطيّة إلا إذا تم انتخابها مباشرة من الشعب أو انتخاب مثل هذه السلطة التكنوقراطيّة على يد المجلس التشريعيّ الذي اختاره الشعب وهذا من أراد حكومة تكنوقراطيّة – خبراء وليس ساسة. وهل هي  في حالة غزة، قوة  إدارة ترامب والتحالف الدوليّ الذي حشدته لهذه المهمّة، وهل ستتمكّن هذه الحكومة غير الديمقراطيّة من غرس أسس للديمقراطيّة والليبراليّة في غزة؟  أم أنها وعلى ضوء تفويض مجلس السلام الدوليّ بالعمل حتى نهاية العام 2027 فقط، سلطة محدودة بسقف زمنيّ تنتهي بعدها مهامها وصلاحياتها، بغض النظر عن النتائج، وهو ما سبق وتكرر بمسمّيات أخرى في دول عديدة منها يوغسلافيا سابقًا ودول عربيّة عبر قوات الدعم السريع وقوات الطوارئ الدوليّة وغيرها.

 


ما سبق يزداد أهميّة على ضوء الوضع الحاليّ، والذي دخلت فيه غزة المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ما يعني أنها أصبحت وهو ما لم ترده إسرائيل، العامل الأوّل الذي يحدّد سياساتها الخارجيّة وجودة علاقاتها مع دول العالم عامّة والدول العربيّة والخليجيّة خاصّة، وبكلمات أخرى، فإن مستقبل وطبيعة ومدى جودة العلاقات مع الأردن ومصر والإمارات العربيّة المتحدة وحتى الولايات المتحدة ستحدّده المعطيات على الأرض والأحداث في غزة، وهذا ما يقلق إسرائيل، ومن ضمنها قطر وتركيا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي خاصّة تلك التي اعترفت بالدولة الفلسطينيّة،

وانتقدت إسرائيل بشدة جرّاء حربها في غزة ومنها فرنسا وإسبانيا، فإذا ما تمخّضت حكومة التكنوقراط في نهاية المطاف عن نتائج مرضية، وإذا ما تمّ على أحسن وجه تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار بتمويل عربيّ خليجيّ وقبلها إزالة الركام بتمويل إسرائيليّ كما تم الاتفاق على نزع السلاح سواء بتسليمه لإسرائيل كما يريد بنيامين نتنياهو، أو لجهة فلسطينيّة كما تقترح حماس وربما تقبل بذلك واشنطن،  فإن علاقات إسرائيل بتلك  الدول سابقة الذكر ستشهد تحسّنًا ملموسًا.

 

أما إذا فشل الأمر وألقي اللوم على إسرائيل،  فستتضرّر علاقات إسرائيل معها تبعًا لذلك. والواقع أمامنا، ورغم تحفظات حكومة نتنياهو  بل على النقيض تمامًا ممّا أرادته وما خططت له خاصّة على ضوء مواقف دول العالم جميعها وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، ,وكلّها  اعتبرت هجمات حماس والفظائع التي ارتكبتها واختطاف المدنيين الإسرائيلييّن من المسنّين والنساء وحتى الأطفال الرضع جريمة لا تغتفر وجريمة ضد الإنسانيّة، يشهد  الوضع  في قطاع غزة عمليّة تدويل، أول وأهم ملامحها أن اتخاذ القرارات لم يعد متعلّقًا بإسرائيل وحدها، بل إنه يتم في واشنطن بل في رأس دونالد ترامب وحده،  وليس ذلك فقط بل إنها حتى لم تعد الشريك الأوّل في اتخاذ القرارات، بل سبقتها أو تقف قبلها  تركيا وقطر والسعوديّة ومصر ودول إسلاميّة  أخرى، وهي حالة يقول كثيرون أنها ما زالت في بداياتها وأنها سوف تتفاقم خاصّة بعد أن تُقدم دول الخليج الدعم الماليّ وفي مقدّمتها الإمارات العربيّة المتحدة، وعندها . سيكون لها رأيٌ أيضًا، خاصّة وأن أرباح عمليّة إعادة الإعمار والتي تقدّر بمليارات الدولارات ستصبّ بشكل أساسي في جيوب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ومن لفَّ لفهما.

 


إزاء هذا الحال من القول بل الاستغراب، فمن كان يتخيّل أو يصدق قبل عامين فقط وحتى قبل خمس سنوات أو ست  سنوات أن قطاع غزة سوف يصبح حجر الزاوية وبيضة القبان ، في النزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ،  وأن هذا الصراع الذي راهن كثيرون أنه بات في طيّ الكتمان، وأنه خسر مكانته الأولى بين الدول العربيّة أو ما تبقى منها، والدول الأوروبيّة والاسلاميّة، خاصّة على ضوء ويلات الحرب في أوكرانيا،  سوف يعود إلى الواجهة ليصبح النزاع الأول الذي يشغل العالم  والمجتمع الدولي متفوّقًا بذلك على الحرب في أوكرانيا والنوويّ الإيرانيّ، ويبدو أن غزة  بمعضلات وضعها ومصاعب حياة سكّانها كانت بانتظار شخص ما أو طرف واحد ، هو أمريكا ،  ليتمكّن من حلّها، وأنها ربما ، ورغم  قسوة لعنة تلاحق كل من يحاول الهرب منها أو اعتبارها في عداد المفهوم ضمنًا ، فهي اليوم في الصدارة بينما تتراجع مكانة وأهميّة ودور  السلطة الفلسطينيّة هذه الأيام والاهتمام بما يجري في مناطقها في الضفة الغربيّة، وينتقل  مركز الاهتمام بالقضية الفلسطينيّة إلى قطاع غزة، من حيث ضخّ الميزانيّات وبلورة اتفاقيّات وتوافقات دوليّة بعشرات مليارات الدولارات،  ناهيك عن أن قادة حماس الذين كانوا شخصيّات غير مرغوب فيها حتى قبل عام أو عامين، حتى في الدول العربيّة وكم بالحريّ في دول أوروبيّة، مقابل الترحاب بمحمود عباس أبو مازن، باتوا قبلة للاهتمام والترحاب مقابل منع محمود عباس من المشاركة في جلسات الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في واشنطن.

 


تدويل قضية قطاع غزة وإنشاء حكومة التكنوقراط يضع حكومة إسرائيل أمام خيارات حلوها مرّ، فإما خرق قرارات السيد ترامب ونقض وقف اطلاق النار والعودة إلى الحرب لتدمير حماس نهائيًّا وتحقيق النصر المطلق، دون وجود الرهائن هناك، ما يمكنها من العمل بحريّة تامّة ويحرم حماس من أوراق الضغط،  ما يعني انهيار مشروع إعادة الإعمار  وعرقلة خطط ترامب وهذا له ثمنه الباهض، أو ربما قبول الخطّة الأمريكيّة كما هي ومحاولة تسويقها للرأي العام، وخاصّة ما يتعلق باستمرار وجود حماس  كعامل سلطويّ له وزنه حتى لو خفف قادته حدة تصريحاتهم أو ربما قبلوا مغادرة القطاع، فعشرات الآلاف من مسلّحي حماس ما زالوا في الميدان يحملون أسلحتهم ناهيك عن أن حماس استغلّ الضائقة الاقتصاديّة وشحّ المؤن والسلع الغذائيّة لجني أرباح طائلة  استخدمها لترميم قوّته، وبعضها عبر قيام جنود وضباط إسرائيليّين بتهريب سلع ممنوعة منها التبغ والهواتف النقَاّلة إلى القطاع وتسليمها لحماس لبيعها، ومنهم وفق الشبهات على الأقلّ، بتسلئيل زيني شقيق رئيس الشاباك الاسرائيليّ دافيد زيني المتهم مع آخرين بمساعدة العدو في آوقات الحرب، ولكن ربما ستذهب إسرائيل إلى تنفيذ الخيار الثالث وهو المراوغة بغية إطالة عمر المرحلة الانتقاليّة والانشغال بصغائر الأمور ومنها شكل شعار حكومة التكنوقراط مثلًا وعدد الداخلين إلى قطاع غزة مقابل عدد مغادريها عبر معبر رفح وغيرها،  وخلق تأخيرات مستمرّة والمراهنة على  رفض الطرف الآخر والاعتماد على أن حماس سوف ترتكب  الأخطاء لتبرير بقاء الجيش الإسرائيليّ وعدم الانسحاب،  تمامًا كما يجري حاليًّا في جنوب لبنان.

 


وعودة إلى حكومات التكنوقراط، حيث يبدو للبعض  خاصّة في الدول الليبراليّة في اوروبا، والتي تعيش اليوم حالة من الخوف المزدوج، من الولايات المتحدة وروسيا في آن واحد،  وتزداد مشاكلها الاقتصاديّة والاجتماعيّة بفعل تغييرات ديموغرافيّة وسكانيّة وموجات الهجرة والتطرّف الدينيّ،  والتدخّلات الأميركيّة كما في غرينلاند وكندا، ما يؤدّي إلى صعود  قوى التطرّف واليمين التي لا تؤمن بالديمقراطيّة، وتريد فرض القيود على الغرباء وتقييد الحريات ومنع دخول المهاجرين وغيرها، أن الخروج من هذا المأزق يمكن أن يكون التنازل عن الليبراليّة والديمقراطيّة وما تشمله من  احترام للقوانين الدوليّة والأعراف وسلطة القضاء والفصل بين السلطات والحسابات السياسيّة،  

والتوجّه بدلًا من حكومات منتخبة تدير الأمور إلى حكومات تكنوقراط مهنيّة بعيدة عن المشاعر والعواطف والحسابات السياسيّة والدوليّة ،علمًا أن بعض القادة الأوروبيين يحاولون تأجيل قدرهم المحتوم عبر مناورات سياسيّة وبرلمانيّة لكسب المزيد من الوقت كما في فرنسا، حيث يتمسّك الرئيس ماكرون بالسلطة بجهد جبّار، مستخدمًا مناورات دستوريّة لا حصر لها تقترب من عدم الشرعيّة. أما في ألمانيا ، فحكومة المستشار فريدريش ميرتس  تعيش استقرارًا ما،

ورغم ذلك يهددها خطر صعود اليمين المتطرّف الرافض لليبراليّة والديمقراطيّة، وربما نصل إلى حالة إذا لم يُحقّق فيها النظام الديمقراطيّ النتائج المرجوّة، نتيجةً لتزايد الاستقطاب السياسيّ، سيتمّ التوجّه اإلى شكلٍ من أشكال الإدارة الاحترافيّة وحكم التقنيين لينتهي مع ذلك حكم الشعب والليبراليّة الذي لم يعد حينها مجديًا، فلا يبقى سوى اختيار نظامٍ تقنيّ عقلانيّ رأسماليّ لا يكون ديمقراطيًّا ولا ليبراليًّا، تمامًا كحكومة التكنوقراط في غزة، والتي قد تكون زهرة تبشّر بقدوم الربيع.. أو ربما تبشر بنهاية عهد الديمقراطيّات الليبراليّة التي تخدم اليوم في معظمها اأهدافًا سياسيّة وحزبيّة ضيّقة ربما لقادتها أو لأحزابهم أو لمقرّبيهم   من أصحاب رؤوس الأموال والمؤثّرين، فهل يصح فيها قول الحكيم أفلاطون في نقده للديمقراطيّة الأثينيّة:" تنتهي الديمقراطيّة عندما يسعى الأفراد وراء رغباتهم الأنانيّة بدلًا من الصالح العامّ، ممّا يجعل القيادة الرشيدة مستحيلة ويحوّلها إلى فوضى"...؟؟

وعليه البديل لأنظمة الحكم أيًّا كانت ديمقراطيّة أو دكتاتوريّة أو عسكريّة هو التكنوقراطيّة حكم الخبراء .

 

תגובות

מומלצים