لجنة تحقيق أم لجنة تلفيق
وأبدأ من السطر الأخير، ومن الحقيقة كما أراها وكما كان من الواجب أن تكون: لا حاجة لأيّ تحقيق أو لجنة تحقيق في هجمات السابع من أكتوبر 2023 المروعة، لا رسميّة ولا قوميّة ولا حكوميّة ولا أيّ كانت، لا على المستوى السياسيّ أو حتى القوميّ أو العسكريّ أو البرلمانيّ أو غيره.
وأقول ذلك ليس انطلاقًا من القول :"ربّ صدفة خير من ألف ميعاد " والذي تجَّسد بأفضل صوره بالتزامن الغريب والعجيب، بين موعد تصويت البرلمان الإسرائيليّ ، الكنيست، على مشروع قانون لجنة التحقيق الحكوميّة بالقراءة التمهيديّة، الأسبوع الماضي، وبين اللقاء التلفزيونيّ المثير مع إيلي فلدشتاين، الناطق العسكريّ بلسان نتنياهو في بداية الحرب،
حول قضية "قطر غيت" والعلاقات بين موظفين كبار ومستشارين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ودولة قطر خلال الحرب والحملات الإعلاميّة المؤيّدة لقطر التي نفذوها عبر نقل وثائق إلى صحيفة بيلد الألمانيّة وتزويد مراسلين إسرائيليين عسكريين بمعلومات كاذبة تصبّ في مصلحة قطر، رغم أنها المموّل والراعي الرئيسيّ لحركة حماس،
وتحديدًا ذلك المقطع الذي يكشف فيه فلدشتاين تفاصيل لقاء بينه وبين نتنياهو في الأسبوع الأول الذي تلا هجمات السابع من أكتوبر وسؤال نتنياهو له، ما إذا كانت وسائل الإعلام ومحلليها والسياسيين ما زالوا يتحدثون عن تحمل نتنياهو المسؤوليّة عن السابع من أكتوبر، وتعليماته الواضحة لفلدشتاين وملخصها بل مضمونها الوحيد هو أان عليه إيجاد طريقة ما كي يتوقّف الحديث عن أكبر وأضخم إخفاق عسكريّ وسياسيّ واستخباراتيّ في تاريخ الدولة، كما تدعي وسائل الإعلام وقيادات إسرائيل على اختلافها، بل انطلاقا من الحقيقة الواقعة ومن أبسط قواعد المنطق والعقل، والتي تفترض أن وجود لجنة تحقيق من أي نوع كان، يكون ضروريًّا فقط في حالة واحدة وخاصّة، وهي عندما تسود الشكوك حول الحقائق والوقائع، ويكتنف اللبس وعدم الوضوح ما حدث، وتتفاوت الآراء والتقييمات حول الأسباب والنتائج، وعندما لا يكون واضحًا ما حدث بالضبط، وعندما يحتاج المواطن إلى من يشرح له الواقع، وهو النقيض التام لما حدث في هجمات السابع من أكتوبر ، ما سبقها وما تمخض عنها، وبالتالي من يتحمل المسؤوليّة سياسيًّا وعسكريًّا وقضائيًّا عنها.
لن أخوض هنا في تفاصيل ومضمون مشروع القانون الذي عرضه النائب الليكودي أريئيل كلنر، والتي تمنح الائتلاف عامّة ورئيس الوزراء خاصّة، عبر رئيس البرلمان أمير أوحانا وسنعود إليه حيث سيتمكن الائتلاف من تحديد أعضاء اللجنة المعيّنين والذين سيكون نتنياهو صاحب التأثير عليهم بشكل مباشر وغير مباشر، عبر منح رئيس الكنيست سلطة وصلاحية اختيار أعضاء اللجنة بالتشاور مع ممثّلي الائتلاف والمعارضة، وبعد ذلك يتعين على الكنيست الموافقة على تشكيل اللجنة بأغلبيّة ٨٠ عضوًا،
مع إعطائه صلاحية تسمية أعضائها بشكل مطلَق إذا رفضت المعارضة التعاون مع نتنياهو، وهذا هو الحاصل، فالقضيّة الآنيّة وهي التحقيق في أسباب ومسبّبات هجمات السابع من أكتوبر ورغم أهميتها بفعل نتائجها الكارثيّة ، ورفض الحكومة الحاليّة ورئيسها الاعتراف بالمسؤوليّة بصفتها هي ورئيسها من صاغوا السياسات تجاه حماس وقطر ومن اعتبروا نقل 30 مليون دولار شهريًّا من قطر إلى حماس، عربون هدوء وضمان للأمن والاستقرار، واعتبروا حماس ذخرًا وقوة تشكل الوزن المضاد للسلطة الفلسطينية، خاصّة مقابل اعتراف قادة أجهزة الأمن ومنها الجيش والشاباك بالمسؤولية وتنحي أو تنحية بعضهم ، لا تقف بمفردها وليست حالة عابرة أو حدثًا لمرة واحدة، بل إنها التعبير الخطير عن حالة أكبر وأوسع ، بل طامة حقيقية تسود إسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط عامّة منذ ثلاثة عقود على الأقل قوامها،
الفصل المصطنع والمزيَّف والمصلحيّ بين السياسة والعمل السياسيّ والمسؤولية السياسية وبين تحمل المسؤولية الناجمة عن هذا العمل السياسي أو عن المواقف السياسية، رغم انهما أي العمل السياسي والمسؤولية يترابطان ارتباطًا وثيقًا، فالمسؤولية السياسية هي التعبير عن الالتزام الأخلاقي والعملي تجاه القرارات والسياسات العامّة التي تؤثر على المجتمع، وبكلمات أخرى فهم تأثير القرارات على الناس والالتزام بالواجبات تجاههم، تتطلّب شجاعة لاتخاذها، لكنها تستوجب المساءلة الجماهيريّة والشعبيّة والبرلمانيّة والقضائيّة عن النتائج،
أي تحمل تبعات الأداء السياسي والعسكري أو الأمني، سواء كانت إيجابية أو سلبية، من منطلق كون العمل السياسي في جوهره ومضمونه وماهيته، إنما يجيء لخدمة المصلحة والصالح العامّ، وليس فقط لتحقيق مكاسب شخصية أو ضمان البقاء السياسي والحزبي وتكريس الانتماء وفرض السيطرة والتفرد بالحكم مهما كلّف الأمر، والمساءلة هنا ليست فرديّة لمن يقف على رأس الهرم السياسيّ فقط، بل انها المسؤولية الجماعية أو التي تسمى بالمسؤولية التضامنية،
أي مسؤولية الحكومة بكامل أعضائها عن تصرفاتها العامة المتعلقة بإدارة شؤون الدولة،
لتعم بدلًا منها توجهات جديدة تعتبر السلطة أو النفوذ تشريفًا يضمن الجاه والنفوذ والسيطرة والفوائد المالية والشخصية وتضخيم الأنا، وليست تكليفا بمعنى أنها مسؤولية ليس فقط عن اتخاذ القرارات وممارسة الصلاحيات السياسية، بل قبل ذلك المسؤولية الواضحة دون حاجة إلى لجان التحقيق أيّ كانت،
كما كان سائدًا في إسرائيل والأمثلة كثيرة ، والاستعاضة عن ذلك بنمط جديد من القيادة السياسية والحزبية والعسكرية، يفهم السلطة على أنها مسؤولية اتخاذ القرار فقط دون النتائج، تمامًا كما هو الحال في قضية السابع من أكتوبر وكما كان قبلها في حريق الكرمل أوائل كانون الأول عام 2010، والذي أسفرعن مصرع 44 مواطنًا بينهم عشرات من مستخدمي مصلحة السجون العرب واليهود، وكذلك حادثة جبل ميرون أو قبر بار يوحاي، في ابريل نيسان 2021 والتي اسفرت عن مصرع 45 من المصلين اليهود وجرح اكثر من مئة، والتي انتهت الى لجنة تحقيق رسمية حمَّلت أمير أوحانا الذي كان في حينه وزيرًا للأمن الداخلي مسؤولية ما حدث وكذلك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دون اتخاذ أيّ خطوات بحقه، والمفتش العام للشرطة كوبي شبتاي ووزير الشؤون الدينية يعكوف أفيطان،
وهي قرارات قال عنها حينه الوزير أمير أوحانا أنه حتى لو قررت اللجنة أنه يتحمل المسؤوليّة عن حادثة موت الضحايا فذلك لا يعني أنه مذنب وبالتالي كان عليها أي على لجنة التحقيق عدم اتخاذ أي خطوات بحقه، وهو توجه ما زال سائدًا اليوم ايضًا، وليس في حالة السابع من أكتوبر إسرائيليًا، بل في كافة مناحي الحياة الحزبيّة والسياسيّة بما فيها المجتمع العربيّ وحتى قيادة المؤسسات العامة والشركات وغيرها وقيادة السلطات المحلية، تزداد خطورته خاصة وأنه ترافقه مساعٍ لإلقاء المسؤوليّة على الآخرين، أو ما يسمى سياسيًّا بنظريّة الشمَّاعة أيّ علَّقة الملابس،
وغيرها من آليات الهروب من المسؤولية وتحميلها لشخص آخر، وتحويل المسؤول عنها الى ضحية تعمل على القاء المسؤولية على الآخرين، أو فتح الملفات والدفاتر القديمة ومحاولة التهرب من المسؤوليّة بادعاءات سخيفة منها ان الآخرين قد ارتكبوا أخطاء أيضًا فلماذا لم تتم محاسبتهم ولماذا يُحاسب هذا الزعيم بالذات دون غيره، بخلاف أمثلة من ماضي السياسة الإسرائيلية منها تنحي رئيس الوزراء مناحيم بيغن بسبب حرب لبنان عام 1982 وعدد القتلى في صفوف الجيش والذي لم يتجاوز 200 حتى تنحيه ، وتنحي إسحق رابين عن رئاسة الحكومة عام 1977 بسبب اكتشاف حساب مصرفيّ لزوجته في دولة أجنبيّة خلافًا لأنظمة البنك المركزي الإسرائيلي.
ما سبق ، من هروب إلى الماضي وفتح الدفاتر القديمة ومحاولة إيجاد شركاء في المسؤولية أو بكلمات أخرى من يتحمل المسؤوليّة بدلًا من عناوينها الحقيقيّة، هو التلخيص لمعظم بنودها والتي لم تتبلور بعد لكنها كانت واضحة من تصريحات الوزراء المشاركين في جلسة اللجنة الوزاريّة الخاصّة لتشكيلها، والذين تباروا وتنافسوا في حدّة تصريحاتهم ضد الجهاز القضائيّ والنشاطات الاحتجاجيّة والاتفاقيّات السياسية السابقة مع الفلسطينيّين والتي بدأت بأوسلو 1993 أو قبلها وبعدها، والتي كان نتنياهو وقع بعضها وهو اتفاق الخليل مع ياسرعرفات، وعملية الانسحاب من طرف واحد من غزة عام 2005، أبان عهد حكومة أريئيل شارون وهي خطوة صوت نتنياهو أربع مرّات تأييدًا لها، وبالتالي فإن مشروع القانون الذي أقرته الكنيست بأغلبية 53 صوتًا ومعارضة 48، والقاضي بالتحقيق في أحداث السابع من أكتوبرعام 2023، استنادًا إلى قرارات اتخذتها حكومة إسحق رابين في أيلول عام 1993 أي قبل ثلاثين عامًا،
أو بأحداث سنوات التسعينيات من القرن الماضي، بما في ذلك خطة شارون لفك الارتباط قبل 20 عامًا، هو محاولة للتهرب والهرب، وهو وبنظرة سريعة يكشف الحقيقة، خاصة وأن محاولة محاكمة محكمة العدل العليا على مواقفها من هاتين الاتفاقيتين هو النقيض لما تطلبه الحكومة من محكمة العدل العليا، أو موقفها من محكمة العدل العليا كما تجلى في الانقلاب القضائي والدستوري ، وملخص هذا الموقف أنه لا يمكن ولا يجوز للمحكمة التدخّل في القرارات والشؤون السياسية فهي من صلاحية الحكومة والبرلمان وفقًا لنتائج الانتخابات، أي أنه من المفروض على لجنة التحقيق المعيَّنة وفقًا للقانون الذي تسنه الحكومة بواسطة البرلمان، التحقيق مع الجهاز القضائي لأمرين متناقضين أولهما عدم تدخلها، أي محكمة العدل العليا، في اتفاقيتي اوسلو وقرار الانسحاب من طرف واحد من غزة، وثانيهما ادعاءات الحكومة بان تدخل المحكمة في القرارات السياسية خارج عن صلاحياتها، ناهيك عن الحقيقة الواضحة أن تخويل اللجنة صلاحية التحقيق في أحداث قبل 30 عامًا أو 20 عامًا، واعتبار ما حدث اليوم ناتجًا عنها،
يحول اللجنة من لجنة تحقيق إلى لجنة للتأريخ، وينقلها من باب التحقيق العيني إلى التفسير التاريخي وهو تفسير تقبل فيه كافة السيناريوهات وبكلمات أخرى فإن العلاقة بين اتفاقيات أوسلو1993، بغض النظر عن الموقف منها وما إذا كانت صحيحة أي كون اسرائيل قد استغلت تفكك الاتحاد السوفييتي مثلًا لفرض اتفاق على الفلسطينيين الذين فقدوا حليفهم الأول والأكبر أو انتهاء الانتفاضة الأولى دون نتائج أو تراجع قوة حركة فتح وتزايد قوة حركة حماس حتى في الضفة الغربية وليس غزة فقط، أو خاطئة ، وبين السابع من 7 أكتوبر 2023 هي علاقة تاريخية وتفسيرية تربط حدثًا واحدًا بالأسباب والظروف التي سبقته وبالتالي تجوز فيها الاجتهادات وتبقى ضمن صلاحية المؤرخين،
وكذلك الحال مع الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة والادعاء أنه لولاها لبقي الجيش الاسرائيلي في غزة وبقيت المستوطنات هناك ولما حدث السابع من اكتوبر 2023 أو ربما العكس، هذا إضافة إلى خطورة مطالبة الوزراء بالتحقيق مع الجهاز القضائي، أي التحقيق مع القضاة بناءً على أحكامهم وليس شخصياتهم وخصالهم وشفافيتهم ونقاء اليدين،
فهو تجاوز للخط الفاصل بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية، ناهيك عن ان التحقيق مع القضاة ومحاكمتهم بسبب أحكامهم، بما فيها تلك التي يتضح بعد عقود انها كانت خاطئة، تجعلهم في قرارة انفسهم يضعون ضمن اعتباراتهم جزئية الخوف من الملاحقة السياسية والقضائية مستقبلًا ، إذا ما اتضح أن قراراتهم تخالف سياسة أصحاب السلطة، ما سيقوض العملية القضائية رغم انتقاداتي الشديدة لها، بما فيها محكمة العدل العليا فهذا العيب بحد ذاته أن تقف سلطة القضاء بالتهديد عليها، أو أقامة لجنة تحقيق في قراراتها مما يؤدي الى أضعافها وأنهيار الركن الأساسي في كيان أي دولة كانت.
إضافة إلى ما سبق وخلافًا للمنطق السليم، لم يتطرّق مشروع القانون إلى ضرورة فحص دور قطر في تمويل حركة حماس بدعم ومبادرة إسرائيلية خاصّة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي أوفد رئيس الموساد يوسي كوهين إلى الدوحة لإقناع قطر بتحويل 30 مليون دولار إلى حماس كما نُشر في الأعلام، دون تفعيل أي منظومة للرقابة ودون أي منظومة تفحص ما إذ كانت هذه الأموال تستخدم لتمويل النشاطات العسكرية للحركة كما اتضح لاحقًا، وبضمن ذلك الرسالة الشهيرة التي كتبتها سارة نتنياهو عقيلة رئيس الوزراء التي نشرت في آذار 2024، رسالة شخصية معنونةً إلى الشيخة موزة، والدة حاكم قطر الأمير تميم بن حمد آل ثاني، دعتها فيها،
وعملا بروح شهر رمضان، في روح رمضان، إلى ممارسة نفوذها الكبير( على حماس طبعًا) لإطلاق سراح الإسرائيليين المختطفين، مؤكّدة كبَرَ دورها وأهمية تدخلها لضمان عودتهم إلى ديارهم، مع السؤال حول من دعاها الى توجيه الرسالة، وفوق ذلك دون ان يقبل نتنياهو توجهات جهاز الأمن العام بتصفية قادة حماس، وهي قضية تستوجب التحقيق مع رئيس الموساد يوسي كوهين ودوره في نقل الأموال القطرية إلى حماس، وخاصة سفره إلى الدوحة بطائرة خاصة غداة السابع من أكتوبر رغم أنه ليس في منصب رسمي، وتساحي هنجبي الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الذي اعتبر قطر في الخامس والعشرين من اكتوبر 2023، لاعبًا أساسيًّا وشريكًا مهمًّا في تقديم الحلول الإنسانية، وأكد أن جهودها الدبلوماسية ضرورية في هذه المرحلة، وغيرها وغيرها.
بينما تؤكد المعارضة في إسرائيل ومعها معظم عائلات ضحايا الحرب وعائلات المختطفين أن اللجنة التي ستتم إقامتها وفق مشروع قانون كلنر، هدفها الأول وأولاهم مساعدة رئيس الوزراء على التهرب من المسؤولية والتنصّل من تحمل تبعات قراراته، وتؤكد أنها لن تتعاون معها ، أؤكد هنا جانبًا خطيرًا آخر من الحياة السياسية في إسرائيل خاصة في السنوات الأخيرة، بما فيها الانقلاب القضائي والدستوي، وما تلاه وما تعنيه مضامينه ومعها قرارات سياسية منها تشريعات يومية وعادية تفرض القيود على فئات معينة دون غيرها بفعل انتماءات سياسية ومنها المواطنين العرب وجمعيات مدنية أخرى، ودرة تاجها مشروع القانون سابق الذكر، وهي الانتقائيّة في التشريعات والميزانيات وفرض القوانين والتقييدات وكذلك او كنتيجة حتمية،
الانتقائية في مراجعة القرارات السياسية وبكلمات ابسط اختيار جوانب معينة من القرار او جوانب قريبة منها او الصاق جوانب بقرارات دون حق ( أوسلو والانسحاب من طرف واحد في مشروع قانون لجنة التحقيق) ، وتجاهل جوانب أخرى وذلك لتكوين رأي عام وتجييشه، أو للتأثير على وسائل الاعلام وإرهاب الجهاز القضائي او التستر على امر ما، وغالباً ما تكون هذه الانتقائية من منطلقات ومواقف وانحياز شخصيّ أو أيديولوجي، أو لتحقيق مكاسب سياسية، وذلك عبر تقديم معلومات مجزوءة وأجزاء مختارة من الصورة الكاملة ، واختبار قرارات الآخرين من منطلق ولائهم السياسي وليس من منطلق كفاءتهم او مضمون القرارات،
بما في ذلك القرارات الساعية الى تطبيق العدالة، ومن هنا وعلى سبيل المثال جاءت بعض الإصلاحات التي يدعي مؤيدو الانقلاب القضائي انها جزء من النموذج الأمريكي بصورة انتقائية، لتناسب أهداف الحكومة وتشكل قاعدة لإعادة الوزير السابق ارييه درعي الى منصبٍ وزاري خلافًا لقرار المحكمة بعد ان مكث في السجن بتهمة الرشوة، وادين مع وصمة عار تمنعه من العودة الى منصب الوزير، وتتناسب مع اهداف وزير القضاء الإسرائيلي ياريف ليفين، وتتجاهل الباقي، فقرارات المحكمة العليا في الولايات المتحدة تعتمد مبدأ الأغلبية البسيطة،
وإذا اتخذت قراراً يبطل قانوناً أقره الكونغرس، فلا يمكن للمشرع الأميركي إلغاء قرار المحكمة، بينما يريد ليفين منع محكمة العدل العليا في إسرائيل من الغاء قرار للسلطة التشريعية الا بالأجماع اي 15 قاضيًا، بينما يحق للبرلمان الغاء قرار المحكمة بأغلبيّة عادية اي 61 من أصل 120، وكذلك الأمر بالنسبة مشروع القانون للجنة التحقيق الحكومية، فهو يلتف على قانون لجان التحقيق ويخدم أهداف الحكومة فقط.
ما أريد قوله هنا ان ليس هناك حاجة للجنة تحقيق رسمية أو غيرها تحدد من يتحمل المسؤولية، بل إن هناك حاجة لإعادة مصطلح المسؤولية أو تحمل المسؤولية الى مكانه الصحيح في لب العمل السياسي والجماهيري، وبالتالي في كافة مناحي الحياة ومنها الحياة السياسية في المجتمع العربي وكيفية تصرف الأحزاب العربية منذ قيام الدولة وحتى اليوم وحالة الجمود الفكري والغوغائية التي تعيشها والتي تؤدي إلى أمور منها النفور عن العمل السياسي وابقائه لمجموعة من الشخصيات والنفور الجماهيري عن المشاركة في الانتخابات ، والضرورة القصوى ليتحمل قادة الأحزاب نتائج قراراتهم وربما إخلاء الساحة لشخصيات جديدة وتوجهات جديدة،
وكذلك الحال في السلطات المحلية العربية التي تعاني تدهورًا خطيرًا أحد أسبابه قرارات الرؤساء ومنطلقاتهم ودوافعهم العائلية البعيدة عن المصلحة العامة، وصولا إلى جمعيات مدنية ومؤسسات جماهيرية، وكذلك شخصيات فاعلة أخرى منها ما يتم إدراجهم تحت مصطلح المثقفين، في حقول أخرى وفي مؤسساتنا المجتمعية وغيرها التي عليها تعزيز ثقافة المسؤولية والتوجهات المدروسة، والكفّ عن ثقافة التصريحات والاتكالية والارتجال والتحكُّم، وتعزيز بدلًا من التمسك بكل ثمن بالكرسيّ والمنصب أي اعتبار أن المسئولية تكليف وليس تشريف، بدلًا من رفض تحمل المسؤولية عن قراراتها وسياساتها، مع الإشارة إلى أن وزارات رسمية خاصة وزارتي الأمن القومي والمواصلات اللتين تتجاهلان نتائج سياساتهما الانتقائية التي تمس بالبنى التحتية وتعرض حياة السواق للخطر والدليل الأرقام القياسية للقتلى جراء حوادث الطرق، وكذلك القتلى جراء أعمال العنف، وبعضها مسؤوليتنا نحن المواطنين.
والانتقائية لا تنتهي هنا، بل تصل حدّ التأثير على السياسات الخارجية، وآخر الدلائل، زيارة نتنياهو السادسة إلى الولايات المتحدة، والتي يستخدمها نتنياهو ومقربوه لتكريس الانتقائية الإعلامية والسياسية وغيرها، عبر إعادة وتكرار التلويح بالخطر الإيرانيّ، كما فعل في العقد الأخير وكذلك منذ وبعد 7 أكتوبر وحتى قبل ذلك، عبر إثارة مخاوف إسرائيل والعالم من أن إيران على وشك تدمير إسرائيل، وهذه المرة تحذيره من أنها تستعيد قدراتها النووية وقدرتها على صناعة الصواريخ بعيدة المدى واستعدادها لمهاجمة إسرائيل، استمرارًا لتحذيراته حتى قبل أيام من تهديدات تصل من حزب الله ولبنان خلافًا لمعلومات أميركية مفادها أن الجيش اللبناني اتخذ خطوات نحو نزع سلاح حزب الله، وأن لا مبرر للتصعيد الإسرائيليّ، ما يعني أننا أمام لقاء يريد ترامب منه ، وتجسيدًا لكونه الحكم أو الحاكم الوحيد،
وصاحب الكلمة الأخيرة، أن يعلن بشكل انتقائي خطوات ربما منها الانتقال رغم معارضة إسرائيل إلى المرحلة الثانية من الاتفاق في غزة، ليعلن حينها أنه حقق السلام بالفعل في الشرق الأوسط، بينما يُريد نتنياهو بنهجه السياسي الانتقائي، أن يصرح انه حقق غايته من التحذير من أخطار إيران وأن ترامب قبل موقفه، وبالتالي وافق على منحه الضوء الأخضر لشن هجومٍ آخر على إيران، حتى لو كان الثمن، الذي لن يتم الإعلان عنه بفعل تلك الانتقائيّة، القبول بعدم تسليم اسلحة حماس بل إيداعها،
ووضع مخططٍ لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بالتعاون مع السلطة الفلسطينية كما تريد المملكة العربية السعودية، لكن واستمرارًا لما يريده نتنياهو عبر تشكيل لجنة تحقيق لا تصله نتائجها بل يتحكم فيها هو ويوجهها نحو خصومه، يتجادل مؤيدوه ومعارضوه حولها ولسنوات طويلة قادمة، حول اتفاقية أوسلو، وفك الارتباط، والاحتجاجات التي سبقت السابع من اكتوبر، وأجزم هنا أن تحقيقًا جادًّا، واستنتاجات جريئة، ونتائج من شأنها المساعدة في منع وقوع مجزرة مماثلة، لن تتحقق منها، وإضافة إلى ذلك فإنه يطمح وبنفس المقدار إلى أن يزيد ترامب تدخله وضغطه، للحصول على العفو، فهل سيستخدم ترامب هذه الورقة للحصول على تنازلات من نتنياهو الذي يزور الولايات المتحدة في ظل "قطر غيت" ولجنة التحقيق ??
ختامًا: ليس غريبًا ان فكرة التخلي عن المنصب لا تراود أي مسؤول في المنطقة بسبب نتائج أعماله سواء من حماس في غزة أو حزب الله في لبنان أو إيران أو غيرها أو في أي دولة عربية، كما أنها لن تراود أي سياسي إسرائيلي عربي أو يهودي ٍحاليًّا مهما كان كبيرًا وخطيرًا فشله ، لأن هذا يتطلب مستوى كبيرًا من الشعور بالمسؤولية الأخلاقية، وهو ما لا نجده عند اغلب الحاضرين والموجودين في الحياة السياسية والمشهد السياسي والجماهيري، ولجنة التحقيق المقترحة وانتقائية مواضيعها وهوية الشخصيات التي المحت إلى ضرورة التحقيق معها من جهة، وما يحدث في المجتمع العربي من مشهد عبثي عشية الانتخابات قوامه إبقاء الموجود وتضخيم الأنا والتشبث بالكراسي، هو الدليل، فالسابق ذكرهم وكقول الفيلسوف والمُنَظِّر السياسي، كارل ماركس:" لكي يحقّقوا الهيمنة والسلطة السياسية، جعلوا مصالحهم الخاصة تبدو كأنها المصلحة العامة" أو قول الرئيس البوسنيّ الأول بعد الحرب الأهليّة ، علي عزت بيجوفيتش:" الواجب هو المصطلح الأساسيّ في عالم الأخلاق ، والمصلحة هي المصطلح الأساسيّ في علم السياسة" والسؤال هل ستتشكل في نهاية المطاف لجنة تحقيق أم لجنة تلفيق!!.



















