شتَّان ما بين النفاق" الدبلوماسيّ" والحقيقة
أقولها منذ البداية، إنني لم أكن ذات يومٍ من أولئك الذين تروق لهم اللغة الدبلوماسيّة، والتي بها أصلًا المجاملة والنفاق الأبيض، بل ممّن آمنوا بضرورة وأهميّة وقوة قول الحقيقة دون رتوش، فهي الطريق الأفضل والأقصر.
وذلك عملًا بالشعار الخالد والمعروف، قُلْ كَلِمَتَكَ وَامْشِ، الذي وضعه الصحفيّ الراحل كامل مروة، مؤسّس جريدة الحياة اللبنانيّة، داعيًا إلى قول الحقيقة بمنتهى الجرأة والصراحة والوقوف مع الحقّ والمضي فيه قدمًا، دون الوقوف طويلًا عند ردود الفعل، انطلاقًا من حقيقة كون الدبلوماسيّة والحقيقة أشبه بعالمين متوازيين. وربما لا صلة بينهما إطلاقًا، فالحقيقة تعكس الواقع كما هو، وتجسّد صورة الصراعات والخلافات بأمانة ومصداقيّة، بينما تسعى اللغة الدبلوماسيّة إلى تجميل الواقع وإدارة الصراع، وحفظ ماء الوجه وتجاهل الخلافات، أو الالتفاف عليها منعًا للصدام أو تفاديًا له، عبر توظيف اللغة وكلماتها وعباراتها كأدوات سياسيّة أو وسيلة يُراد بها ومنها تحقيق غاية ما، بشكل يبعدها عن المعنى الحرفيّ لها، أو ربما بكلمات أخرى، عبارات حقّ يراد بها باطل.
سمتها الفجوة الكبيرة بين القول والفعل، أو بين التصريح والحقيقة، فالحديث الدبلوماسيّ عن اختلاف في المواقف تتمّ مناقشته يعني عدم الرضى عن الممارسات، ورسالة إنذار أولى تؤكّد ضرورة تقويم المسار، والحديث عن نقاشات بين أصدقاء وحلفاء لضمان المصالح المشتركة يعني أن الحليف الأقوى يطلب في الواقع من الشريك الآخر الكفّ عن ممارسات ما، واتخاذ مواقف ترضى الطرف الأقوى، وصولًا إلى الحديث عن متابعة الأمور عن كثب دبلوماسيًّا، ومعناه الاكتفاء بمتابعة الوضع من بعيد، والحديث عن قلق دبلوماسيّ بالغ معناه الحقيقيّ الاعتراف بعدم القدرة على تغيير الواقع والأحداث، وعدم الرغبة في التدخّل، بينما التصريح الدبلوماسيّ الأقسى في هذا السياق هو أن دولة ما ستعيد النظر في موقفها. وهذا هو الإشارة الأولى، أو بداية التلويح بتصعيد لفظيّ وسياسيّ وربما عسكريّ ما قد يصل إلى قطع العلاقات الدبلوماسيّة أو التصعيد، كما كان الحال عليه في مواقف الدول الأوروبيّة والولايات المتحدة من روسيا على خلفية الحرب الأوكرانيّة.
ما سبق ليس استعراضًا أكاديميًّا، بل إن المراد منه هو الإشارة إلى أن اللغة الدبلوماسيّة التي يراد منها إبقاء الأجواء مفتوحة للتراجع أو التسوية وتفادي الأزمات ومنع التصادم، كثيرًا ما كانت خاصّة في الشرق الأوسط والمنطقة القريبة، سببًا في استمرار الأزمات وعدم حلّها، بل الاكتفاء بإدارتها بانتظار انفراج قد يأتي وفي الغالب لا يأتي، فضلًا عن أن اللغة الدبلوماسيّة كثيرًا ما تكون تغطية لعدم الرغبة في العمل الفعليّ، أو وسيلة لإخفاء العجز وقلّة الحيلة، أو من باب الإيمان الخاطئ، بل الكارثيّ أن تجاهل الأزمة قد يؤدي إلى نسيانها، في أفضل موازاة لعبارة دفن الرأس في الرمال، وإغماض العينين مقابل الخطر الداهم، وتأجيل عمل اليوم إلى الغد وبعد الغد، والأمثلة كثيرة. وأشهرها الحديث عن "لاءات الخرطوم "الثلاثة لا صلح، لا اعتراف، ولا تفاوض، والتي لخّصت قرارات مؤتمر القمّة العربيّ الرابع عام 1967، بعد نكسة الخامس من حزيران، التي جاءت بلغتها الدبلوماسيّة لتقنع الجماهير في الدول العربيّة على أنها دليل صمود أمام إسرائيل ورفض لأيّ سلام وصلح معها وإصرار على إنهاء قضية احتلال الضفة الغربيّة والجولان وسيناء بقوة السلاح فقط، واستنادًا إلى ما اعتاد كثيرون تسميته الأُسرة الدوليّة والقرارات الأمميّة والشرعيّة الدوليّة، إلا أن الحقيقة التاريخيّة أثبتت أنها كانت شعارًا فارغًا من المضمون، يؤكّد في جوهره إدراك كافّة الدول التي شاركت في هذه القمة أنها لا تستطيع تغيير الواقع. ولذلك تستخدم الكلمات وسيلة للتغطية على ذلك، أو ربما ورغم قسوة ما سأقول، للتغطية على عدم رغبتها في الحلّ، هذا من جهة، وعجزها أو خوفها من التصريح أن الاعتراف والصلح والسلام هو السبيل الوحيد للحلّ، وبالتالي جاءت هذه اللقاءات من باب: "وكفى الله المؤمنون القتال".
وهو الحال أيضًا في استخدام مصطلح الثوابت الوطنيّة كمصطلح جامد يصف حالة لا تنظر إلى التغيّرات ولا تفهم ديناميكيّة الأحداث. وكلها شعارات سرعان ما تآكلت، ليُفسح المجال أمام تحولات كبرى ومسارات دبلوماسيّة وواقعيّة مختلفة ، كانت بدايتها قرار مصر بقيادة الرئيس أنور السادات التخلّي عن " الدبلوماسيّة" والاعتراف بأن لاءات الخرطوم كانت سرابًا، أو حالة ماتت إلى غير رجعة، أو أنها لم تأت بنتيجة تذكر، والانتقال إلى الحقيقة والاعتراف بها دون خجل، والإشارة بوضوح إلى سبل حلّ الصراع وليس مجرد إدارته، وصولًا إلى زيارته إلى إسرائيل، ولقاء قادتها والتوصّل إلى اتفاقيّات كامب ديفيد التي لو قبلتها الدول العربيّة الباقية، لكان الحال أفضل ، تمامًا كما لو قبل الفلسطينيّون الحقيقة حينها وابتعدوا عن استخدام غوغائيّ للكلمات، ونظروا إلى عين الحقيقة. وهو ما حدث ولو مبدئيًّا عام 1993 عبر حديث مباشر مع إسرائيل يعترف بالواقع وقوامه ضرورة انسحاب إسرائيل ولو تدريجيًّا من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإقامة كيان فلسطينيّ بشكل متدرّج.
أؤكّد هنا أن بداية الحلّ لأيّ خلاف، أو توضيح ورسم الخطوط الحمراء بين الخصوم في آن واحد، يبدأ عمليًّا بسدّ الفجوة بين اللغة الدبلوماسيّة وبين الواقع على الأرض ، أي بالابتعاد عن العموميّات والكلام المنمّق، ووضع الإصبع على موضع الألم، بعكس ما حدث ويحدث بين إسرائيل ولبنان مثلًا، واستخدام اللغة الدبلوماسيّة لوصف الوضع بينهما، ووصف المفاوضات الأخيرة في واشنطن، ولأسباب لا نعرفها باستخدام لفظ دبلوماسيّ هو منع الاعتداءات المتبادلة، بدلًا من الاعتراف بالحقيقة والحديث دون خوف عن وقف لإطلاق النار واتفاقيّة سلام بعدها، رغم معرفة الطرفين اللبنانيّ والإسرائيليّ ومعهما الولايات المتحدة، أن الحديث عن وقف للاعتداءات المتبادلة، يعني في حقيقة الأمر عدم حلّ النزاع، بل تكريسه وإدارته، عبر فتح الباب لسفسطائيّات ونقاشات عقيمة لبنانيًّا، حول من المعتدي أو من المعتدي أكثر وأوّلًا، وهل سلاح حزب الله يجيء لضمان الردّ على اعتداء محتمل على سيادة الدولة اللبنانيّة وسلطة حكومتها أم أنه بذاته اعتداء على سيادة الدولة اللبنانيّة وسلطة حكومتها وسيطرة جيشها ووحدة سلاحها، ناهيك عن النقاش حول ما إذا كان الحديث يدور عن مفاوضات مباشرة هدفها النهائيّ التطبيع، كما يتهم حزب الله حكومة نواف سلام أم وقف الحرب فقط، كما يقول الرئيس جوزيف عون. ونقاش إسرائيليّ حول ما إذا كان الحديث عن وقف الاعتداءات المتبادلة، والذي يشمل عمليًّا وإن لم يكن تصريحًا، حركة حزب الله المدعومة إيرانيًّا، يعني الاعتراف بها وبمكانتها كعامل أو هيئة تتعامل إسرائيل معها ولو بشكل غير مباشر، وكون هذا الاعتراف يضعها مع إسرائيل في كفّة واحدة،
أو يمنحها الشرعيّة. وهو الحال أيضًا في اتفاق وقف إطلاق النار السابق بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر تشرين الثاني عام 2024، والذي تحدث بلغة دبلوماسيّة عن احتفاظ إسرائيل بخمس نقاط أو تحصينات أو مواقع عسكريّة في الجنوب اللبنانيّ، بينما الحقيقة هي أنه تواجد دائم وكامل أوسع من ذلك بكثير ولا يهدف فقط إلى الردّ على اعتداءات حزب الله، وكذلك الحديث عن "ميكانيزم" كمصطلح دبلوماسيّ ووسيط عادل، وهو اسم دبلوماسيّ لحالة تكون فيها الولايات المتحدة، والتي وقّعت الاتفاق وصاغته، هي صاحبة القول الفصل في كل خرق أو خلاف وهي بالطبع وكما هو معروف، ليست عادلة، ولن تكون انطلاقًا من تحيّزها التامّ لصالح إسرائيل.
والشيء بالشيء يذكر، فهذا هو الحال أيضًا، كما أوضح الأسبوع الأخير بين الحلفاء، بل بين أقوى وأشدّ وأقرب الحلفاء، أميركا وإسرائيل، خاصّة بعد تصريحات جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، والتي أكّدت، بل كشفت مدى الغضب الأميركيّ على حكومة إسرائيل ومواقفها المتعلّقة بالحرب مع إيران وخاصّة تلك التي ألمحت إلى أن إسرائيل غرّرت بواشنطن وأقنعتها أن أيامًا معدودات من الحرب ستكون كافية لتدمير المشروعين النوويّ والصاروخيّ لطهران، بل وإلى إسقاط نظام الحكم هناك. وهي تصريحات جاءت لتؤكّد أن الحديث الدبلوماسيّ عن خلافات واختلافات لا تفسد للودّ قضيّة هو مجرد محاولة تستِّر فاشلة على البون الشاسع بينهما. وأن الحديث عن نقاش بنَّاء بين البلدين ينتهي إلى مواقف متفق عليها هو حديث في الغيب، وأن مصطلحات الدبلوماسيّة حول تحالف لا يُشَّق له غبار،
وعلاقات لا تتزعزع هو أحلام يقظة، وأن تعهّدات أميركا بالحفاظ على مصالح إسرائيل صحيحة إذا كانت هذه المصالح هي مصالح أميركا بالتمام والكمال، وأن الحديث عن أن واشنطن تحترم مواقف إسرائيل، وتقبل انتقاداتها كما هو متّبع بين الحلفاء، يعني عدم الاعتراف بالحقيقة الساطعة أن القرارات تتّخذ في واشنطن والكابيتول والبيت الأبيض وتنفّذ بحذافيرها في إسرائيل، وأن عدم الاعتراف بذلك هو تجاهل للحقيقة ومحاولة لتأجيل الصدام وليس منعه، فجاءت تصريحات فانس غير الدبلوماسيّة وغير المعتادة التي قال فيها، إنه لو كان إسرائيليًّا لما انتقد أو هاجم الرئيس ترامب، وهو الزعيم الوحيد في العالم الذي ما زال صديقًا وحليفًا لإسرائيل، وأنه على الوزراء في المجلس الوزاريّ المصغّر وخاصّة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير،
أن يقترحا بديلًا للحرب مع إيران، وأن يرفعا آيات الشكر للولايات المتحدة خاصّة وأن ثلثي الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل في حربها ضد إيران كانت من صنع أميركيّ وموّلها دافعو الضرائب في أمريكا، وكأن نائب الرئيس الأمريكيّ جي دي فانس، قرّر مرّة واحدة ،ربما لن تكون الأخيرة، خلع الزي الدبلوماسيّ بكل ما يعنيه ذلك من انتقاء للعبارات والتصريحات، والكفّ عن اتّباع واستخدام اللغة الدبلوماسيّة التي تقبل أكثر من تفسير وتأويل، أو محاولة إظهار الخلاف مع إسرائيل على أنه عاديّ وعابر، وفضل الحديث صراحة ودون رتوش واستخدام العبارات القاسية دون فلاتر، والحديث إلى الحلفاء بلغة يفهمها الجميع، في الشرق الأوسط وبضمنه إسرائيل، التي يظهر أن الولايات المتحدة اقتنعت أنها أصبحت جزءًا لا يتجزّأ من الشرق الأوسط ليس جغرافيًّا وجسديًّا فحسب، بل فكريًّا وتَعامُلًا خاصّة على ضوء كون القيادة الإسرائيليّة الحاليّة زاخرة باليهود من أصل شرقيّ ومن دولٍ عربيّة، لغة كانت حتى قبل حين حصرًا على الخصوم والأعداء، وعبارات أراد جي دي فانس منها مكاشفتهم بحقيقة حجمهم، وضرورة احترام الدولة العظمى الوحيدة في العالم،
وفق القول السائد:" رحم الله امرأً عرف قدره فوقف عند حدّه"، خاصّة إشارته ذات العلاقة بما سبق، أن إسرائيل هي دولة صغيرة من حيث عدد السكان، في تلميح أو ردّ على تصريحات إسرائيليّة ومنها لبعض الإعلاميّين أن إسرائيل ، الدولة الصغيرة، هي التي حدّدت معالم الحرب الأخيرة على إيران وأقنعت الولايات المتحدة العظمى بضرورة شنّها، وفي هذا التوقيت بالذات وليس ذلك فقط، بل حدّدت أهداف الحرب وقبلتها الولايات المتحدة كما هي، وعلى أنها الحلّ الوحيد، وقوله في ذلك أنه لا يمكن لإسرائيل أن تتبع الحرب ثمّ الحرب والقوة فالمزيد من القوة لحلّ كل نزاع، أو خلاف تخوضه في الشرق الأوسط والعالم، أي سياسة الحرب الدائمة، وكأن أميركا هي التابع والحليف الأصغر، والذي عبّر عنه قبل ذلك دونالد ترامب بقوله غير الدبلوماسيّ أن نتنياهو يقصف كل المواقع في الشرق الأوسط بعد قصف الدوحة، وأنه يجب أن يكون أكثر حذرًا في جنوب لبنان، وأن لا يعمد إلى هدم بناية كاملة بسبب وجود مسلّح فيها، وإشارته إلى فشل نتنياهو في لبنان عبر التصريح أن أحمد الشرع سينجح أكثر من نتنياهو في معالجة ومواجهة حزب الله، وختامها مسك بقوله إن نتنياهو سينفّذ كل شيء يريده ترامب سيّد البيت الأبيض.
الفارق الشاسع بين اللغة الدبلوماسيّة التي ميَّزت العلاقات بين الرؤساء الأميركيّين السابقين من جمهوريّين وديمقراطييّن على حدّ سواء رغم الأزمات، ومنها قضيّة إدانة الأميركيّ من أصول يهوديّة جوناثان بولارد بالتجسّس لصالح إسرائيل وسجنه مدة 30 عامًا وأكثر، أو غضب وزير الخارجيّة جيمس بيكر على سياسة رئيس الوزراء حينه إسحق شمير ومواقفه في قضيّة المستوطنات ومحاولته إقناع الإدارة الأميركيّة بأنها لا تعيق السلام، ورفض الولايات المتحدة منح شمير قرضًا بقيمة مليارات الدولارات بسبب ذلك، وقول بيكر عن اللوبي اليهوديّ في أمريكا عام 1992:" “تبًّا لهم، هؤلاء ليسوا من انتخبونا” ، وبين تصريحات الرئيس دونالد ترامب الأخيرة، وتصريحات نائبه جي دي فانس الأخيرة وانتقاداته الحادّة، بلغة غير دبلوماسيّة، كانت رسالة لم تثر صدمة فحسب في الأوساط السياسيّة بإسرائيل، بل إن إسرائيل الرسميّة فهمتها بالشكل الصحيح، وبالتالي امتنعت وبشكل نهائيّ عن الردّ على تصريحات فانس، خشية تعميق الخلاف مع إدارة الرئيس دونالد ترامب في وقت تتصاعد فيه التوتّرات بين الجانبين على خلفيّة الاتفاق الأمريكيّ الإيرانيّ والملّف اللبنانيّ، ناهيك عن أن التصريحات الصادرة عن الرئيس وتلك الصادرة عن نائبه خاصّة فُهمت على أنها تلميحات بإمكانيّة إعادة النظر في مستوى الدعم العسكريّ الأمريكيّ لإسرائيل إذا استمرّت الانتقادات العلنيّة لسياسات إدارة ترامب. وهو ما أثار قلقًا داخل المؤسّسة السياسيّة الإسرائيليّة، خاصّة وأن جي دي فانس هو أقوى المرشّحين الجمهوريّين في الانتخابات القادمة التي لن يتمكن ترامب من خوضها باعتبار الولاية الحاليّة هي الثانية له،
أو أنه المرشّح لخلافة الرئيس حتى في الولاية الحاليّة إذا حدث أيّ طارئ صحيًّا كان أم سياسيًّا، وبالتالي حملت تصريحاته مغازٍ ومعانٍ واضحة أشارت إلى اهتمام أمريكا أوّلًا بمصالح أمريكا، واعتبار منع إيران من امتلاك سلاح نوويّ أولويّة كبيرة يمكن ضمانها فقط عبر تسوية سياسيّة طويلة الأمد، حتى لم تستجب لبعض المواقف إسرائيل، التي عليها قبول ذلك انطلاقًا من الواقع الجيوسياسيّ عبر تذكير إسرائيل بحجمها الحقيقيّ المحدود ما يعزّز حاجتها للحفاظ على حلفائها الإستراتيجيّين والولايات المتحدة أوّلهم وأكبرهم. وفي هذا تغيير للهجة الخطاب الأمريكيّ فهي ربما المرّة الأولى التي يتمّ فيها توجيه انتقادات حادّة وعَلنيّة من الإدارة الأمريكيّة الحاليّة لمسؤولين إسرائيلييّن بارزين، يرافقها تلويح بأوراق ضغط دبلوماسيّة وعسكريّة واقتصاديّة.
رغم ما سبق، فالتفسيرات لتصريحات فانس وقبله ترامب كثيرة ومتفاوتة، تتراوح بين كونها التعبير الصادق عن الغضب الأميركيّ جرّاء مجريات الحرب في إيران وتصريحات إسرائيليّة اعتبرتها أروقة الإدارة الأميركيّة انتقاصًا من وزنها، وتصرّفات سبقتها خاصّة قصف العاصمة القطريّة الدوحة. ومن هنا يعتقد مراقبون أن فانس قرّر أنه لا ضير ولا ضرر من انتهاج تلك الاستراتيجيّة مرّة أخرى، خاصّة أنه يدرك حجم وقوة النفوذ الذي تملكه الولايات المتحدة على إسرائيل وباقي حلفائها، والذي ينعكس بالدعم العسكريّ والماديّ ومظلّة الحماية الدوليّة أمام المؤسّسات الأمميّة والمحاكم الدوليّة وغيرها، وتذكير الإسرائيليّين حكومة وشعبًا، أن إسرائيل، في حقيقة الأمر وبعيدًا عن الدبلوماسيّة، تحتاج إلى أمريكا أكثر ممّا تحتاج أمريكا إسرائيل.
ومع ذلك، يبقى السؤال ما إذا ضغط الولايات المتحدة على إسرائيل هذه المرّة، سيؤدي إلى تغيير إيجابيّ وجذريّ في السياسة الإسرائيليّة، وما إذا كان هذا التغيير سيدوم أثره وسيكون عامًّا على جميع الجبهات بما فيها لبنان، خاصّة وأن تقديرات استخباراتيّة أميركيّة رشّحت عن وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة، سي. آي. إي، حذِرت من احتمال تعمّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عرقلة ذلك الجانب المتعلّق بلبنان ضمن الاتفاق الأميركيّ الإيرانيّ.
ختامًا، وعلى ضوء ما سبق وقبله تعامل ترامب مع الرئيس الأوكرانيّ فلودومير زلينسكي ، واعتقال واختطاف الرئيس الفنزويليّ، وتهديد ترامب للدانمارك حول غرينلاند، وتهديداته لإيران والتي انتهت إلى اتفاق بينهما، والحرب الروسيّة الأوكرانيّة، والحروب في الشرق الأوسط وحرب كمبوديا وتايلندا والمواجهة العسكريّة، وإن كانت قصيرة بين الهند والباكستان، وكلاهما تملك أسلحة نوويّة، هل نحن والعالم أمام حالة جديدة تنهار وتختفي فيها فكرة اللغة الدبلوماسيّة شيئًا فشيئًا، وتنحني بل تفتح الباب وتخلي الطريق أمام لغة التهديد والوعيد، التي أصبحت لغة العصر الحاليّ، وبوابته نحو الدمار والحروب بعيدًا عن الدبلوماسيّة التي قال عنها هنري كيسينجر وزير الخارجيّة الأميركيّ السابق، إنها فنّ تقييد القوة.
وهل نحن أمام عالم يريد الحديث المباشر وليس الحديث الدبلوماسيّ، أو حديث الدبلوماسيّين، الذي قال عنه هنري لويس مينكن الكاتب والصحفي الأمريكيّ:" عندما يقول الدبلوماسيّ نعم فهذا يعني ربما، وعندما يقول ربما يعني لا، وعندما يقول لا فهو لا يكون دبلوماسيًّا". والسؤال الأهمّ: هل ستصبح إيران في هذا الحال الجديد، صديقة للولايات المتحدة خاصّة بعد أن اتّضح لدول الخليج أن المظلة العسكريَّة الأميركيّة، لم تَعُد عليها بالفائدة، حتى لو اشتروا كل أسلحة أمريكا، على حساب شعوبهم التي تريد العيش الرغيد، وأن تنعم بالرفاهية والازدهار والحريَّة وَنِعَم الحياة؟.


















