بين الإخفاقات والحاجة الى محاسبة الذات

لم تضع حرب أكتوبر 2023 أوزارها، بل إنها، ومع كتابة هذه السطور لم تبدأ بعد بحقيقتها وكامل حدّتها وشدّتها، والتي يبدو وفق كافّة الدلائل والإشارات، أنها ستكون غير مسبوقة من حيث الحدّة وغير محدودة من حيث المدّة، فهي حرب بمعنى أنها مفتوحة سياسيًّا وعسكريًّا وزمنيًّا، ومن حيث نوعيّة الأسلحة والعتاد

21.10.2023 מאת: المحامي زكي كمال
بين الإخفاقات والحاجة الى محاسبة الذات

 

وبالتالي فإن ما تم حتى اليوم، أي خلال نحو أسبوعين منذ بدايتها في السابع من أكتوبر، هو التحضير المسبق والخطوات التمهيديّة ، وإذا كان الأمر كذلك، فويل للجميع ممّا هو آت. وإذا كان الأمر ووفق القول العربيّ الشهير " أول الرقص حنجلة" فإن الحديث يدور عن رقصة موت ودمار وخراب، ربما لن تبقي في غزة كلّها ولن تذر، في صورة تتكرّر ولكن بسيناريو أقسى مرّات ومرّات ممّا خلفه اجتياح مسلّحي حركة "حماس" البلدات الإسرائيليّة المتاخمة للحدود مع قطاع عزة ، من دمار وخراب وحرق وهدم وغيرها،  فالمعركة القريبة، والتي سبقها مطالبة إسرائيليّة لنحو مليون فلسطينيّ بمغادرة منازلهم والنزوح إلى الجزء الجنوبيّ من قطاع غزة، وهو المتاخم للحدود مع مصر، سبقتها ستة أيام من القصف الجويّ فاقت أوزان وأعداد القنابل التي أطلقتها الطائرات الإسرائيليّة خلالها على القطاع بكامل مناطقه،

 

حجم وأعداد تلك التي ألقاها الجيش الأميركيّ خلال عام كامل من الحرب في أفغانستان، والتي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بعد مهاجمة مركز التجارة العالميّ في نيويورك. هي حرب غير عاديّة وغير مسبوقة في تاريخ دولة إسرائيل التي خاضت خلال 75 عامًا من وجودها ستّة حروب،  فأهدافها ودوافعها حتى يوم كتابة هذا المقال تشكّل مزيجًا من الاحتياجات الأمنيّة، أو الاعتبارات الأمنيّة والكرامة الوطنيّة، وترميم السمعة العسكريّة والاستخباراتيّة،

 

والثقة بالأجهزة العسكريّة والحكوميّة داخل إسرائيل، وبالتالي ووفقًا للتصريحات العلنيّة التي تتحدّث عن تسوية غزة بالأرض وإبادة، أو تدمير تامّ للقوة العسكريّة لحركة "حماس" حتى لو كلَّف ذلك ما كلّف والوصول إلى ما تسميه إسرائيل" غزة التحت أرضيّة" وهي ما تقول عنه إسرائيل أنه مدينة كاملة من التحصينات والأنفاق والمقرّات ومخازن أسلحة وأجهزة  الاستخبارات أو المخابرات، أي أن إسرائيل لن  تكتفي بعمليّة عسكريّة مهما كانت تفاصيلها تنتهي  باستعادة حريّة جميع الرهائن الإسرائيلييّن في قطاع غزة،

 

وأعدادهم بالعشرات، بل ربما المئات من العسكرييّن والمدنييّن الأحياء أو القتلى، من الرجال والنساء على حدّ سواء، أو تنتهي بوقف سريع لإطلاق النار بضغط دوليّ، فالتصريحات الأخيرة عالميًّا عامّة وأميركيًّا خاصّة، وأهمّها تحريك حاملة الطائرات جيرالد فورد إلى البحر المتوسط، والتصريحات الأخرى من الرئيس جو بايدن ووزير خارجيّته أنتوني بلينكن وغيرهما ألذين يحضرون في غرفة العمليات العسكرية ألأمنية ألأسرائيلية تعني منح إسرائيل حاليًا " كارت بلانش" وتفويضًا كاملًا لاتخاذ كافّة الخطوات الكفيلة  بتحقيق أهدافها، وهي هذه المرة ليست الدفاع عن مواطنيها إزاء هجوم صاروخيّ،

 

أو غيره كما كان في السابق ، بل إنها أعمق وأبعد وأشدّ وأقسى، وهي تلقين "حماس"  درسًا قاسيًا يشمل أيضًا إسقاطه من السلطة، ويضمن إعادة، بل استعادة  ترسيخ هيمنة ومصداقيّة قوتها العسكريّة، واستعادة هيبة مخابراتها وجيشها وأجهزة الدفاع داخل المستوطنات ، وفوق كل ذلك إقناع المواطنين في إسرائيل كافّة، ومواطني المناطق المتاخمة للحدود مع القطاع جنوبًا ومع لبنان شمالًا خاصّة، أنها تعلمت الدرس واستخلصت العبر من الفشل بشكل يجعل تكراره أمرًا مستحيلًا، رغم أنه تكرار لما حدث في أكتوبر 1973، وأنها فهمت أسباب هذا الإخفاق  وأسباب الإخفاقات التي تلته من حيث كيفيّة مواجهته والردّ السريع عليه في كافّة النواحي،

 

وليس فقط الأمنيّة والعسكريّة، بل تحديدًا ضمان احتياجات المواطنين، وتقديم المساعدة لهم والتكفل باحتياجاتهم، وتوفير الأمن الغذائيّ والشخصّي لهم، وغير ذلك من القضايا. وهي بالأساس التي يمكن إدراجها من منظور واسع ضمن مجال  إخفاقات مصدرها الفساد السياسيّ، وهو ما سنعود إليه تفصيلًا لاحقًا. أما بالنسبة لحركة "حماس" فإن المعركة تدور حول ما سيكون، أي أنها تترقّب من العالم أن يتصرّف هذه المرة كما تصرّف في سابقاتها، أي أن يتحرّك بعد أيام، على ضمان وقف العمليّات العسكريّة وإعلان تهدئة، أو وقف لإطلاق النار بوساطة مصريّة  قطريّة  دوليّة ، تعني في الواقع نهاية مرحليّة ومؤقّتة وليس حلًا جذريًّا،  وهي أي حركة "حماس" في ذلك تتوقّع عبثًا، من العالم كلّه دون استثناء أن يتناسى، أو ينسى،

 

أو يتجاهل  ما كان يوم السابع من أكتوبر وبعده بأيام من أعمال لا تندرج وفق القانون الدوليّ، أو العرف الإنسانيّ ضمن الأعمال الحربيّة وتحديدًا ما رشح عن حرق للمنازل وقتل للمئات المدنيين كانوا في موقع احتفال موسيقيّ وغيرها من الأدلة حول قتل أطفال وحالات اغتصاب واعتداءات سلب وغيرها، وهي أعمال تشكّل إخفاقًا خطيرًا يؤكّد واحدًا من أخطر أوجه الفساد السلطويّ والسياسيّ والعسكريّ، بل الإنسانيّ، وهو إطلاق يد المقربّين والمؤيّدين للقيام بأعمال غير قانونيّة، بل غير أخلاقيّة وغير إنسانيّة، أو أنها تطالب العالم على الأقل الانتظار  وعدم محاسبتها حاليًّا، ويبدو أن العالم كله وبفعل أشرطة وأدلة مصورة بعضها جاء  بأيدي المسلحين الذين دخلوا الأراضيّ الإسرائيليّين ومن رافقهم، أكّدت ارتكاب فظائع ترتقي إلى حد جرائم الحرب،

 

يحق لمحكمة الجنايات الدولية في هاغ، وكما جاء على لسان مدعيها العام كريم خان، التحقيق في ارتكابها من قبل حركة "حماس"، وهي أشرطة وثّقت اعتداءات وقتل  وأعمال سلب للممتلكات وحرق منازل بينما جثث قتلى بداخلها ( علمًا أن إسرائيل تؤكّد أن منازل تم حرقها بينما أصحابها داخلها)،  واختطاف لمدنيّين من شبان وفتيات وصور تشير إلى احتمال تعرضهم إلى اعتداءات جسديّة وربما جنسيّة، فضلًا عن صور الأطفال المخطوفين وأشرطة فيديو أخرى، حيث عبَّر سياسيّون غربيّون تربطهم بالفلسطينيّين علاقات تضامن وتعاون، ومعلّقون غربيّون عن صدمتهم وحتى اشمئزازهم  إزاء أشرطة فيديو وصور وأخبار عن أطفال أُخذوا رهائن، وعائلات  تشمل مسنين ومسنّات ، قتلت في منازلها على يد مسلحين قاموا بعمليات مداهمة وتفتيش من منزل إلى منزل.

 

 


إسرائيليًّا كانت مظاهر الفساد السياسيّ والسلطويّ واضحة منذ اللحظة الأولى فالوزارات المختلفة- باستثناء وزارتي الصحة والأمن- والتي تم ابتكار معظمها لأهداف ضيّقة وسياسيّة، بل حزبيّة وائتلافيّة وهو الوجه الأساسيّ للفساد السياسيّ، أو وزارات تم ابتكارها ليشغلها المقرّبون، أي لتكون مكان عمل ومصدر راتب لبعض المقرّبين، لم تقم بواجبها  خلال الأيام الأولى من الحرب، بل تخلّت عن المواطنين سواء أولئك الذين سيطر مسلحو "حماس" على بلداتهم ومنازلهم لمدّة ساعات طويلة، دون توفير خدمات الإنقاذ، ودون أن تصلهم قوات الأمن، أو غيرها ومن ثم أولئك الذين اختفت آثار أبنائهم وبناتهم، دون أن تتضح الصورة لهم،

 

هل قُتِّل أعزاؤهم،  أم أنهم ضمن الرهائن والمختطفين إلى القطاع، أو الجرحى في المستشفيات، أو غير ذلك، أضف إلى ذلك اتضح من نقص في أسلحة وحدات الحراسة المحليّة في البلدات الحدوديّة، والتي تم تقليص الميزانيّات المخصصة لتسليحها باعتبارها "شرطة محليّة" في كل بلدة وبلدة تعمل بالتعاون مع الجيش والشرطة، علمًا أنه تم تقليص ميزانياتها لصالح زيادة ميزانيّات الوحدات المماثلة في المستوطنات وتمويل أهداف ائتلافيّة أخرى لأحزاب ضمن الائتلاف  الحكوميّ الحالي منها الدينيّة واليمينيّة الاستيطانيّة (وهو تقليص سيطال نفس الوحدات في القرى والبلدات اليهوديّة والعربيّة المتاخمة للحدود الشماليّة، والتي يهدّدها خطر حرب محتملة مع حزب الله اللبنانيّ)،

 

ناهيك عن عدم وصول عناصر الشرطة  إليها، بل عدم رد أفراد الشرطة المناوبين في محطات الشرطة على مئات، بل آلاف مكالمات الاستغاثة، والمسؤولين عن الخدمات الطبيّة والنفسيّة والنقص الخطير في المواد الغذائيّة الأساسيّة للمواطنين في عشرات البلدات في الجنوب سواء تلك التي اقتحمها المسلحون، أو تلك في مرمى الصواريخ، والنقص في العتاد العسكريّ للجنود والمجنّدات، على الأقل في الفترة ألأولى وهي نواقص تؤطر مدنيّون ومنظّمات القطاع الثالث لتوفيرها في خطوة تؤكد اختلاف الحال في الدول الديمقراطيّة عن غيرها، من حيث قدرة المواطنين وجمعيّاتهم ومؤسساتهم المدنيّة، على الاهتمام بأمورهم إذا وصل الفساد السياسيّ نقطة خطيرة، أي القيام بما هو مفروض على الحكومة والوزارات الرسميّة، ثم محاسبتها ومحاسبة المسؤولين فيها لاحقًا.

 

 

وهذا ما حدث وما سيحدث وهو دليل صحة وعافية مجتمعيّة سواء شئنا أم أبينا، فالفساد السياسيّ في الحكومة الحاليّة خاصّة، والذي تمثّل في تعيينات لا رصيد لها، وما أتى الله بها من سلطان، في وزارات هامة كوزارة البنى التحتيّة الوطنيّة ووزيرتها اليمينيّة المتطرّفة أوريت ستروك من حزب الصهيونيّة الدينيّة المتطرّف، ووزارة " المناعة القوميّة وشؤون النقب والجليل" برئاسة  يتسحاك فاسرلاوف من حزب إيتمار بن غفير، اختفت عن الساحة رغم أن معظم، بل كل المستوطنات التي تم اقتحامها تقع ضمن مسؤوليّتها بما في ذلك عشرات المواطنين العرب من منطقة النقب الذين قُتِلوا، أو تم اختطافهم إلى القطاع، وكذلك القرى المتاخمة للحدود الشماليّة التي اتضح أنها غير جاهزة من حيث العتاد العسكريّ والتموين والملاجئ لمواجهة حرب مع حزب الله، ووزارات أخرى منها  المواصلات التي لم توفر وسائط النقل العامّة، لنقل الجنود الذين تم استدعاؤهم للخدمة الاحتياطيّة بقرار حكوميّ ليضطروا للاستعانة بحركات وجمعيّات مدنيّة برزت من بينها حركة" أخوة السلاح"، وهي أبرز الحركات المناوئة للانقلاب الدستوريّ الذي يقوده نتنياهو وحكومته الحاليّة، وهي حركة يحلو للوزراء والحكومة ومؤيّديهم وصمها باليساريّة والخيانة وضد الحكومة والجيش، ووزارة الإعلام  والتوجيّه المعنويّ، وغيرها وغيرها ، ووزارة الاتصالات التي لم تجرؤ على إلزام قنال تلفزيونيّ موالٍ بالكامل لرئيس الوزراء على البثّ يوم السبت( باعتبارها قناة بثّ تحترم قدسيّة السبت) ، وغير ذلك من وزارات لم تؤدّ مهامّها،  ووزراء فضَّل بعضهم البقاء في إجازته خارج البلاد .

 

 


لم يتوقف الفساد السياسيّ الذي كشفته هذه الحرب عند هذا الحدّ، بل وصل إلى حدّ خطير، ملخصه عدم اعتراف أي جهة كانت بالمسؤوليّة عن الإخفاق، وهو واحد من أبعاد الفساد السياسيّ الذي يجعل الحاكم والسلطة فوق المحاسبة والمساءلة والسؤال، وتجنّد الإعلام للدفاع عنها ،خاصّة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المسؤول في نظر الكثيرين عن تعزيز حركة "حماس" عبر سماح حكوماته منذ عقد تقريبًا بدخول 30 مليون دولار شهريا من قطر، وقبوله بعمليّات عسكريّة محدودة ضد "حماس"،

 

وهو ما ألمح إليه وزير أمنه يوآف غالانت ، في أول بيان له يوم الأحد 8.10.2023، حين قال إنه كان عام 2014، كقائد عسكريّ للمنطقة الجنوبيّة " قاب قوسين أو أدنى من كسر شوكة، أو رقبة حركة حماس ، لكنّ المسؤولين السياسيّين، أو المستوى السياسيّ منعوه من ذلك،  وليس ذلك فقط، بل تفاقم الفساد السياسيّ ليصل حدّ تلميح البعض، أو حتى التصريح علنًا، بان الجيش وحده هو المسؤول عن الإخفاق، وان هناك من تعاون وتخاذل وتآمر من داخل الجيش، وهدفه الوحيد هو المسّ برئيس الحكومة لأسباب سياسيّة، ومنها كون قادة الجيش والأجهزة الأمنيّة في نظر مؤيدي نتنياهو "مجموعة من اليساريّين المعارضين للتغييرات القضائيّة، أو الانقلاب الدستوريّ، يكرهون اليمين واليهود الشرقيّين".

 

 

وكلّها إخفاقات دفعت بنحو ثلثي مواطني إسرائيل وفق استطلاعات للرأي العام ، إلى المطالبة باستقالة بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يوآف غالانت وحكومته كلّها فور انتهاء الحرب، والمطالبة حتى ذلك الحين بحكومة طوارئ، أو وحدة وطنيّة ومجلس سياسيّ أمنيّ وزاريّ مصغّر يضمّ أصحاب الخبرة والمعرفة من الوزراء السابقين وضباط متقاعدين منهم بيني غانتس وزير الأمن في حكومة التغيير، حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد التي صبّ عليها اليمين أطنانًا من النار والحديد، باعتبارها حكومة فاشلة وكارثة وطنيّة، تمّ استبدالها بحكومة اتضح أن وزراءها والذين وافق عليهم بنيامين نتنياهو، لا يملكون أيّ مقوّمات إداريّة أو دراية وسياسة لإدارة وزارات في حالات عاديّة، فكم بالحري في حالات الطوارئ، خاّصة وزارات الأمن الداخليّ والماليّة وحتى الصحّة التي لم يكن فيها وزير خاصّ، بل كانت ضمن صلاحيّات وزير الداخليّة من حركة ِ" شاس" المتدينة موشي أربيل" بحكم اتفاق ائتلافيّ ، ضمن الوزارة لحركة "شاس "، ورهنًا بقرار رئيسها أرييه درعي الذي أراد نتنياهو تعيينه وزيرًا للماليّة، رغم إدانته في السابق وسجنه  مرة واحدة بتهمة تلقي الرشوة، وإدانته بنفس التهم الماليّة مرة أخرى، وعدم معاقبته بالسجن الفعليّ، مقابل تنحيه عن الحياة السياسيّة،

 

 وهو ما منعته محكمة العدل العليا بقرارها الذي منع الحكومة من تعيين وزير يملك ماضٍ جنائيّ، وهو وجه آخر من وجوه الفساد السياسيّ في إسرائيل، الذي أدى خلال عامّ واحد من عمر الحكومة الحاليّة، وسيل الاتهامات والتخوينات التي كالها وزراؤها للجيش، إلى المسّ بقدرة وأهليّة الجيش والتفاف المواطنين حوله، وتحويله في نظر الحكومة إلى لاعب سياسيّ معارض للحكومة، التي تمارس انقلابًا دستوريًّا جعل أكثر من نصف مواطني الدولة يشعرون بالقلق والخوف وعدم الثقة بمتانة ديمقراطيّة بلادهم، أو حتى بمجرد كونها ديمقراطيّة وقلقهم من تحولها إلى دولة شريعة يهوديّة، ليكتمل المشهد بزعزعة ثقتهم بجيشهم الذي لا يقهر، والذي يشكّل الجدار الواقي والحامي للدولة، وباختصار فساد سياسيّ وإداريّ جعل إسرائيل دولة لا يثق مواطنوها بحكومتها ورئيسها، ولا بديمقراطيّتها ولا بمؤسّساتها الحكوميّة، والخطر من ذلك لا يثقون بالجيش والمؤسّسات الأمنيّة، بل إن بعضهم يشير إليها بأصابع التقصير  إن لم يكن الخيانة وأذا بالحرب الحالية تعيد ثقة المواطن الأسرائيلي بجيشه على ضوء ما حدث في السابع من أكتوبر .

 

 


حال "حماس" ليس أفضل ، وأقول هذا من باب التحليل  العقلانيّ، فهي الحركة  التي تولّت السيادة على قطاع غزة منذ العام 2007، وأقامت هناك كيانًا يحظى باعتراف ضمنيّ وصامت من دول عربية وأوروبيّة وميزانيّات ضخمة كبيرة خاصّة من دولة قطر، لكنها وكما اتضح منذ سنوات ويزداد وضوحًا اليوم، لم تقم بدورها كسلطة تخدم كافّة مواطنيها على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم، بل عمدت إلى إبقاء الأمر في سياق الفئويّة خاصّة تجاه أولئك من مواطني غزة الذين لا ينتمون فكريًّا إلى التيار الإسلاميّ، وتحديدًا مؤيّدي حركة "فتح"، أو من تبقى منهم والذين لقّنتهم "حماس" درسًا مؤلمًا عام 2007، تخلّلته مواجهات مسلّحة وإعدامات  وعمليّات قتل وتصفية، بمعنى أنها لم ترق إلى مصاف السلطة صاحبة السيادة، رغم أنها الحاكم الفعليّ هناك، بل أخفقت في ذلك وسادت قراراتها المحسوبيّة والفئويّة وتفضيل الموالين والمقرّبين من حيث الميزانيات والدعم والمناصب. وهو وجه من أوجه الفشل والإخفاق، بل الفساد السياسيّ بمفهومه الواسع، ناهيك عن أنها لم تنجح في تطبيق واحدٍ من أسس الكيان، أو الدولة وهو السلاح الواحد فهناك أيضًا "الجهاد الإسلاميّ"،  إضافة إلى  أنه من الواضح وجراء نتائج اليوم الأول من حرب أكتوبر 2023، أنها لم ترسم الخطوط العريضة لسياساتها والتعليمات الواضحة لخططها، وفي هذه الحالة،  تتمكّن من ضمان انضباط وتصرفات أفرادها ومسلحيها، ولم تنجح،

 

بل إنني لا أدري ، إذا ما حاولت أصلًا، تذويت قيم كونها السلطة في القطاع في نظر العالم كله بما فيه الدول العربيّة، وبالتالي ترجمة ذلك إلى تنفيذ خطط مدروسة، وإيجاد تعليمات تحكم كافّة العمليّات السلطويّة سواء كانت المتعلّقة بالشؤون المدنيّة، أو العسكريّة، وتحديدًا ما هو مسموح وما هو ممنوع في حالات الحرب، بل تركت الحبل على الغارب، وصولًا إلى حالة ، تحول فيها ما أمكن اعتباره نصر عسكريّ كبير خاصّة، وأن اختراق مسلحي "حماس" الجدار الأمنيّ الذي تباهت به إسرائيل، بل باهت العالم بكونه غير قابل للتجاوز والهدم، تحوّل إلى حالة من الانفلات رافقته أعمال قلبت الصورة رأسًا على عقب، بدلًا من تحقيق إنجاز عسكريّ بعبور الجدار الأمنيّ والسيطرة على قواعد عسكريّة، واحتلال مستوطنات دون خروقات ضدّ المدنيين فيها،

 

 يبقي للعالم عامّة الفسحة والمجال لدعمها والتضامن معها ومطالبة إسرائيل، كما في كلّ مرة بوقف القصف ومنع الكارثة الإنسانيّة التي قد تلحق بالقطاع، وتجعل إسرائيل تعيد التفكير في الحالة برمّتها،   ارتكب مسلحوها، حتى لو كان بعضهم، أعمالًا تناقض القانون والعرف الدوليّ وقوانين الحرب التي تلزم الجميع ، بما فيهم حركة "حماس" عبر تصرّفات تشكل الوقود للدعاية الإسرائيليّة أمام العالم من جهة، وإدانة دامغة لمن قام بهذه الأعمال من جهة أخرى، لكن الأنكى من ذلك هو أن معظم الأشرطة المتوفرة والتي تدين مسلحي "حماس" بإطلاق النار على المدنيين في حفل موسيقيّ، أو اختطاف مسنة وأطفال إلى القطاع وعرض الأشرطة المتعلقة ونشر اشرطة لأعمال سلب من المنازل وسرقة خيول وسيارات إلى غزة، وأشرطة أخرى لعمليّات وأعمال خطيرة أكدت وسائل الإعلام العالميّة ومصادر دبلوماسيّة عالميّة أنها شاهدتها، بصيغتها التامة ودون رقابة،  ومنها تكرار عمليات قتل مدنيّين في سيارة تحاول دخول مستوطنة، أو حرق منازل بمن فيها وعلى من فيها، وكلها موادّ كانت نتيجتها كما نرى اليوم.. اصطفاف عالميّ تام ّوغير مسبوق إلى جانب إسرائيل وتفويض عالميّ تام لكافّة عمليّاتها العسكريّة وخطواتها بما فيها تلك التي طالبت فيها المدنيين في القطاع بإخلاء منازلهم، وهي مطالبة كانت ستلاقي الرفض والمعارضة من كافّة دول العالم لو كان الحال مختلفًا.

 

 


لحرب أكتوبر 2023 خصوصّيتها، رغم أنها ليست الأولى بين إسرائيل والفلسطينيّين، وليست الأولى بين إسرائيل وحركة "حماس" لكنّها كانت الأولى التي تمكن فيها مسلّحون من الفلسطينيّين اختراق الحدود بشكل جماعيّ، وهذه المرة اختراق الجدار الأمنيّ الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة، بمعنى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وبأعداد كبيرة، والمرة الأولى التي سيطر فيها مسلحون فلسطينيّون، على مناطق سكنيّة إسرائيليّة مجاورة للحدود ويسيطرون عليها كما إنها المرة الأولى التي يأخذ فيها الفلسطينيّون عشرات الجنود والمدنيّين الإسرائيليّين رهائن، وينقلون عددًأ غير معروف،

 

ربما أكثر من مئة، معهم إلى قطاع غزة، لكنها أيضًا المرة الأولى التي يقف الفلسطينيّون في غزة وحدهم دون تأييد يواجهون آلة عسكريّة إسرائيليّة منحها العالم وسيّده الوحيد، الرئيس الأميركي جو بايدن ( رغم ما تم نقله عنه من أنه يؤمن أن معظم مواطني القطاع لا يؤيّدون حركة "حماس" وأفعالها)،الضوء الأخضر التامّ والكامل، وربما غير المحدّد زمنيًّا ومن حيث نوعيّات الأسلحة التي ستستخدمها إسرائيل خلال حملتها البريّة، ووسط تأييد عالميّ إعلاميّ وشعبيّ وسياسيّ وعسكريّ، عبرت عنه كلمات التأييد وخطوات أخرى اتخذتها دول العالم ضد حركة "حماس" ومؤيّديها، ومنها ألمانيا التي حظرت قانونيًّا كافّة مظاهر التضامن مع "حماس"، أو دعمها وتأييدها ودعم حرب أكتوبر 2023، بمعنى أنها حالة يمكن وصفها، دون عواطف ومواربة، بأن قطاع غزة سيواجه وحيدًا العمليّة البريّة الإسرائيليّة دون أن يحاول العالم وقفها , والهدف منها هدم القوة العسكريّة والسلطويّة لحركة "حماس" .

 

 


إضافة إلى ذلك فهي المرة الأولى التي شعر المواطنون في إسرائيل بالصدمة جراء الفشل الاستخباراتيّ والأمنيّ الذي كشفته هجمات "حماس"، وفشل الحكومة في التواصل مع العائلات الواقعة تحت الخطر، وتوفير الدعم للعائلات في مناطق الجنوب المتاخمة للحدود خاصّة وإسرائيل عامّة، ناهيك عن الصدمة جراء الشلل الذي أصاب كافّة الوزارات الحكوميّة التي وقفت عاجزة عن القيام بمهامّها بما فيها مكتب رئيس الوزراء، والنقص في المعدّات للمواطنين الذين خسروا منازلهم، وممتلكاتهم وفقدوا أفراد عائلاتهم، وفوق كلّ ذلك الحقيقة الواضحة من أن دولة إسرائيل كسلطة تخلّت عن مواطنيها في الفترة الأولى للحرب، وأن الوزراء الذين شكَّل نتنياهو منهم حكومته  وأعضاء ائتلافه كذلك، أصبحوا شخصيّات غير مرغوب فيها، وهو ما أوضحته أشرطة وثقت طردهم من مستشفيّات وصلوا لزيارتها وبضمنهم الوزراء ميري ريغف وزيرة المواصلات ، ونير بركات  وزير الاقتصاد،  وعيديت سيلمان وزيرة جودة البيئة، وإيتمار بن غفير وزير الأمن القومي، تضاف إليها مطالبات بتنحية، أو تنحّي بنيامين نتنياهو عن رئاسة الحكومة ومعه كافّة وزرائه ومساعديه.

 

 


ستنتهي الحرب ونأمل أن يكون ذلك عاجلًا، وسيأتي وقت الحساب الشعبيّ والجماهيريّ والسياسيّ، وقبل بل أهمّ منه حساب الذات، وقد يُطاح في إسرائيل سياسيًّا ببعض القيادات والمسؤولين رغم محاولات بعض مقرّبي رئيس الوزراء إلصاق الفشل بالقيادات العسكريّة والأمنيّة وإبعادها عنه، متجاهلين أعداد القتلى والجرحى والمختطفين وعائلاتهم والقصور الفظيع في العمل الحكوميّ،

 

والمحسوبيّات من تدخّل لمقرّبي نتنياهو وحتى عقيلته في تحديد سياسات الدولة، كما اتضح من تأجيلها لأيّام تشكيل حكومة الطوارئ الوطنيّة لمعارضتها ضم بيني غانتس، ورفضها تولي رئيس الموساد السابق يوسي كوهين منصب المسؤول عن ملفّ الأسرى والمفقودين عقابًا له على مطالبته بوقف الانقلاب الدستوريّ لأخطاره الأمنيّة،  وذلك رغم الحالة السائدة اليوم من تكاتف إسرائيلي تام وتناسٍ ولو مؤقت لعداوات شهدتها إسرائيل خلال العام الأخير ،

 

وهو تكاتف فرضته الظروف وعمليّات "حماس". وستشهد إسرائيل تغييرات سياسيّة واضحة تعكسها اليوم نتائج استطلاعات الرأي العام، ويبدو أن  الرأي العام والحلبة السياسية في إسرائيل هذه المرة ستمهل حتى انتهاء الحرب لكنها لن تُهمل،  ورغم ذلك يبقى السؤال ما إذا كانت القيادة الحاليّة لإسرائيل وخاصّة رئيس الوزراء قادرًا على محاسبة الذات، وهل سيسمح له مقرّبوه وأفراد عائلته بذلك حتى لو أراد؟ وكذلك الأمر في القطاع فالحرب ستنتهي وستتكشف أحجام الدمار والخسائر،

 

وقبله أعداد القتلى والجرحى، وسيحين الوقت للمحاسبة، فالدعم العالميّ والعربيّ لإعادة الإعمار سيأتي كنوع من تكرار السيناريو المعتاد، وهو معالجة الذراع بعد كسرها وليس قبلها، لكنه هذه المرة لن يكون كافيًا، فهل سنشهد هناك أيضًا حسابًا للذات، وربما تغيير للحسابات والأولويّات لدى حماس والعرب أم أن ما كان هو ما سيكون؟
 

 

תגובות

מומלצים